بقلم هلا يوسف
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة تواصل، فخاصة في سوريا، أصبحت بيئة يعيش فيها الإنسان كافة تفاصيل حياته، خصوصاً مع ظهور فكرة يوميات العائلات، والبلوغرز، والمؤثرين، فمن خلاله يتم بناء العلاقات، وتبادل الأفكار، وتشكيل الآراء. لكن بالرغم من مزايا هذه البيئة، إلا أنها تحتوي على تحديات معقدة، من أبرزها ظاهرة التنمر الإلكتروني التي أصبحت تمثل تهديداً حقيقياً للصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي. وتشير دراسة علمية منشورة في موقع Nature إلى أن نسبة ملحوظة من المستخدمين تعرضوا للتنمر الإلكتروني أو شهدوه، وهو ما يعكس مدى انتشار هذه الظاهرة وتأثيرها العميق. لذلك في هذا المقال سننقل لكم ما توصلت إليه الدراسة العلمية علّها تفيد في مواجهة التنمر الإلكتروني.
كيف يتشكل التنمر الإلكتروني ولماذا ينتشر؟
لفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق، من المهم النظر إلى طبيعة التفاعل عبر الإنترنت. فالتنمر الإلكتروني لا يشبه التنمر التقليدي الذي يحدث في بيئة محدودة، بل يتميز بقدرته على الانتشار السريع والوصول إلى جمهور واسع في وقت قصير. كما أن المحتوى المسيء يمكن تداوله لفترة طويلة، مما يضاعف من تأثيره على الضحية. هذا الطول الزمني والانتشار الواسع يحولان التنمر إلى أسوأ تجربة قد يمر بها الإنسان، حيث لا يستطيع الضحية بسهولة الهروب من الأذى أو نسيانه.
العامل الأكثر تأثيراً في انتشار هذا النوع من السلوك هو إخفاء الهوية. عندما يدخل الفرد إلى منصة لا يطلب منه فيها الكشف عن هويته الحقيقية، فإنه يشعر بدرجة من التحرر من القيود الاجتماعية. هذا الشعور يقلل من الرقابة الذاتية ويضعف الإحساس بالمسؤولية، فيصبح الشخص أكثر استعداداً لقول أو فعل ما قد يتجنبه في الواقع. وتوضح دراسة Nature أن هذا الوضع يفتح الباب أمام ما يُعرف “بفقدان الفردية”، حيث يذوب الإحساس بالذات داخل الجماعة، ويصبح الفرد أقل وعياً بعواقب أفعاله.
إلى جانب ذلك، يظهر ما يسمى “التملص الأخلاقي”، وهو آلية نفسية تجعل الفرد يبرر سلوكه العدواني. فقد يقنع نفسه بأن ما يفعله ليس مؤذيًا، أو أن الضحية تستحق ذلك، أو حتى أن الجميع يفعل الشيء نفسه. ومع تكرار التعرض لمحتوى عدواني، يصبح هذا السلوك مألوفاً، بل وقد يتحول إلى معيار غير معلن داخل بعض المجتمعات الرقمية. وهنا تبدأ المشكلة بالتفاقم، لأن الأفراد لا يتأثرون فقط بغياب الرقابة، بل أيضاً بتأثير الجماعة التي تشجع أو تتسامح مع هذا النوع من السلوك.
ورغم الجهود المبذولة لمواجهة التنمر الإلكتروني، مثل برامج التوعية أو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المسيء، فإن هذه الحلول تواجه صعوبات واضحة. فالتوعية تحتاج إلى وقت طويل وتأثيرها تدريجي، كما أنها لا تصل دائمًا إلى جميع الفئات. أما الخوارزميات، فرغم دقتها المتزايدة، فإنها لا تستطيع فهم كل السياقات أو التمييز بين المزاح والإساءة بشكل كامل. لذلك، ظل البحث مستمرًا عن حلول تتعامل مع جذور المشكلة بدلًا من مظاهرها فقط.
تقليل إخفاء الهوية كحل محتمل وتأثيره النفسي
وهنا ظهر اتجاه جديد يركز على تعديل تصميم المنصات الرقمية نفسها، من خلال تقليل مستوى إخفاء الهوية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك عرض الموقع الجغرافي المرتبط بعنوان IP للمستخدمين. هذا الإجراء لا يكشف هوية الشخص بشكل كامل، لكنه يضيف مستوى من الشفافية يجعل المستخدم يشعر بأنه ليس مجهولاً تماماً.
توضح الدراسة المنشورة أن هذا التغيير البسيط في تصميم المنصة يمكن أن يؤدي إلى تحولات مهمة في سلوك المستخدمين، ويعود ذلك إلى عدة آليات نفسية مترابطة. أول هذه الآليات هو زيادة الشعور بالمساءلة. عندما يدرك الفرد أن هناك معلومات مرتبطة به يمكن للآخرين رؤيتها، فإنه يصبح أكثر حذراً في تصرفاته، لأنه يخضع لنوع من التقييم أو الحكم الاجتماعي.
أما الآلية الثانية تتعلق بما يعرف “بإدارة الانطباع”. ففي الحياة اليومية، يسعى الأفراد إلى تقديم صورة إيجابية عن أنفسهم أمام الآخرين، وهذا السلوك لا يختفي في البيئة الرقمية، بل يتأثر بمدى شعور الشخص بأنه مرئي أو مراقب. عندما يعرض موقع المستخدم، يشعر بأن أفعاله قد تنعكس على سمعته، فيبدأ في تعديل سلوكه لتجنب الانتقادات أو الرفض الاجتماعي. هذا التعديل لا يكون قسرياً، بل نابعاً من رغبة داخلية في الحفاظ على صورة جيدة.
أما الآلية الثالثة فتتعلق بالانتماء إلى المجموعة. فعندما يظهر الموقع الجغرافي، يتم تصنيف المستخدم ضمن مجموعة معينة، مثل مدينة أو منطقة. هذا التصنيف قد يعزز شعوره بالانتماء، ويجعله حريصاً على عدم الإضرار بصورة هذه المجموعة. فبدلاً من التفكير في نفسه كفرد معزول، يبدأ في إدراك أن سلوكه قد يُفهم على أنه انعكاس لمجتمعه، مما يدفعه إلى الالتزام بسلوك محترم أكثر.
ومن ناحية ثانية، قد يؤدي هذا الإجراء إلى زيادة القلق المرتبط بالخصوصية، حيث يصبح المستخدم أكثر وعياً بإمكانية تتبع نشاطه. هذا القلق، رغم أنه يسبب قلقاً، لكن يمكن أن يساهم في تقليل السلوكيات العدوانية، لأنه يدفع الفرد إلى التفكير قبل النشر. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن التأثير الأقوى لا يأتي من الخوف، بل من الرغبة في الحفاظ على الصورة الاجتماعية، وهو ما يجعل التغيير أكثر استقراراً على المدى الطويل.
ومن هنا يتضح أن تقليل إخفاء الهوية لا يعمل فقط كأداة رقابية، بل كوسيلة لإعادة تشكيل السلوك من الداخل. فهو يعيد إدخال عناصر موجودة في الحياة الواقعية، مثل السمعة والانتماء والتقييم الاجتماعي، إلى البيئة الرقمية. وهذا ما يجعله مختلفاً عن الحلول التقليدية التي تركز على المنع أو العقاب فقط.
في الختام، يمكن القول أن التنمر الإلكتروني من أبشع الظواهر التي قد يمر بها الإنسان، وخصوصاً المراهقين الذين قد يكونوا معرضين لهشاشة نفسية معينة. ومن خلال الدراسة السابقة نلاحظ أن الدول بدأت بالبحث عن حلول تساهم في تخفيف الآثار السلبية للتنمر الإلكتروني، بعد تسجيل الكثير من عمليات الإنتحار بسببه.
اقرأ أيضاً: دراسة علمية حول دور الجلد والشيخوخة في تطوير أبحاث إطالة العمر