بقلم هلا يوسف
تمر دول العالم بظروف اقتصادية وبيئية كثيرة، وخصوصاً سوريا التي تعاني من دمار كبير في محافظاتها، وحاجتها إلى إعادة إعمارها بطريقة مستدامة، فالمدن السورية تعاني من ضغط متزايد على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والنقل، بالتزامن مع انهيار كبير من بنيتها التحتية. وعلى الرغم من أن مفهوم الاستدامة غالباً ما يرتبط بمشاريع كبيرة ومكلفة، إلا أن التجارب العالمية تشير إلى أن البداية الحقيقية تكون من خطوات صغيرة، ومدروسة، وقابلة للتنفيذ ضمن الإمكانيات المتاحة.
بحسب دراسة علمية نشرها موقع إنسيا العلمي، اتجهت العديد من المدن حول العالم إلى وضع خطط بيئية طموحة منذ سنوات، إلا أن التحدي الأكبر لم يكن في التخطيط بحد ذاته، بل في كيفية التمويل والتنفيذ. وهنا تبرز أهمية الحلول التدريجية التي لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة. إذ يؤكد كوبر مارتن مدير قسم الاستدامة والحلول في الرابطة الوطنية للمدن الأمريكية أن هناك العديد من الإجراءات التي يمكن أن تحقق نتائج مباشرة، بل وتساعد في توفير المال، وهو ما يجعلها مناسبة جداً للمدن ذات الموارد المحدودة.
تحسين كفاءة المباني وتوفير الطاقة
تعد المباني الحكومية والمؤسسات العامة نقطة بداية مهمة لأي خطة تهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة. ففي سوريا، يمكن البدء بإجراءات بسيطة مثل استبدال المصابيح التقليدية بمصابيح موفرة للطاقة، أو إصلاح أنظمة التدفئة القديمة، أو تحسين العزل الحراري للجدران والنوافذ. هذه الخطوات بالرغم من بساطتها، تساهم بشكل مباشر في تقليل استهلاك الكهرباء والوقود، وهو ما ينعكس على تخفيض التكاليف.
وقد أثبتت تجربة برنامج كفاءة الطاقة في المباني في شيكاغو (2012) أن تحسين المباني يمكن أن يؤدي إلى خفض كبير في استهلاك الطاقة والانبعاثات الضارة. والأهم من ذلك أن الأموال التي تم توفيرها بدأت بالظهور خلال فترة قصيرة، مما سمح بإعادة استثمارها في مشاريع أخرى تحتاج إلى تمويل، مثل تحسين شبكات المياه أو دعم وسائل النقل العام.
هذا الأسلوب، القائم على إعادة تدوير الأموال التي تم توفيرها، يمكن أن يكون فعالاً في سوريا، حيث يمكن استخدام التوفير الناتج عن تقليل استهلاك الطاقة في دعم قطاعات خدمية أخرى تعاني من نقص التمويل.
سياسات تنظيمية وسلوكية ذات أثر ملموس
إلى جانب الحلول التقنية، تلعب السياسات العامة دوراً مهماً في تحقيق الاستدامة. فإعادة تنظيم استخدام الأراضي داخل المدن، بما يسمح بزيادة الكثافة السكانية في مناطق محددة، يساعد على تقليل استهلاك الموارد وتحسين كفاءة الخدمات. كما أن هذا النوع من التخطيط يقلل الحاجة إلى التوسع العشوائي، الذي غالباً ما يكون مكلفاً وغير منظم.
ومن الإجراءات البسيطة أيضاً، تخفيض السرعات داخل المدن. فقد أظهرت دراسة أُجريت في لندن أن تقليل سرعة السيارات يساهم في خفض التلوث الهوائي، خاصة الغازات الضارة والجسيمات الدقيقة. كما أن أبحاث مؤسسة AAA للسلامة المرورية تشير إلى أن تخفيض السرعة يقلل بشكل واضح من حوادث السير، وهو ما يعزز السلامة العامة، خاصة في المناطق المزدحمة.
كذلك، يمكن للجهات الحكومية أن تعتمد سياسات شراء صديقة للبيئة، مثل استخدام مواد معاد تدويرها أو منتجات أقل ضرراً. وقد أظهرت تجربة ولاية ماساتشوستس أن هذا التوجه لا يحمي البيئة فقط، بل يوفر أموال كثيرة. وفي هذا السياق، توضح سارة أوبراين الرئيسة التنفيذية بالإنابة لمجلس قيادة المشتريات المستدامة الأمريكية أن المؤسسات الحكومية تمتلك تأثيراً قوياً من خلال قرارات الشراء اليومية، ويمكنها توجيه هذا التأثير لدعم أهداف بيئية واقتصادية في آن واحد.
ومن الحلول التي لا تقل أهمية، تقليل استخدام الورق والتحول إلى الأنظمة الرقمية داخل المؤسسات. فقد بين تقرير صادر عن معهد الحكم المحلي الأمريكي أن تقليل الطباعة يساهم في خفض التكاليف التشغيلية، مثل شراء الورق والحبر واستهلاك الكهرباء، إضافة إلى تقليل الأثر البيئي.
كما يشير مدير مركز التمويل البيئي في جامعة نورث کارولينا في تشابل هيل جيف هيوز، إلى أن بعض الخدمات البيئية تحتاج إلى تمويل مستمر، ويمكن تحقيق ذلك من خلال رسوم بسيطة تفرض على الخدمات، مثل المياه أو الصرف الصحي، بحيث يتم استخدام هذه الموارد في تحسين جودة الخدمات وضمان استمراريتها.
في النهاية، يبدو أن تحقيق الاستدامة في المدن لا يعتمد فقط على الإمكانيات المادية، بل على حسن الإدارة واتخاذ قرارات ذكية ومدروسة. حيث يمكن لسوريا أن تتحول إلى مدن مستدامة عبر خطوات بسيطة لا تحتاج إلى تمويل ضخم، ومع مرور الوقت وتحسن الوضع المادي يمكن التوسع بالأساسيات التي تم وضعها سابقاً.
اقرأ أيضاً: دراسة علمية: الزراعة الكهروضوئية حل عملي في ظل التغير المناخي