مقال رأي – د. أسامة أحمد نزار صالح – رأي: عقيدة “بنك القتل”.. أمجد يوسف وهيكلة الحقد
أمجد يوسف: عسكري عقائدي تماماً، لديه “مهمة نبيلة” لا يحيد عنها، حيث يعد قتل الآخر المختلف، المتشرب من مشارب وعادات أخرى، مهمة مقدسة. مكنه سقوط حي التضامن من التقاط الفرصة الذهبية، ليرتكب مجزرته في 16 نيسان 2013، ويتحول إلى أكبر المودعين في “بنك القتل الأسدي”.
هو “بعثي” يركز على “العدالة” ويكره التمييز! فيقتل الرجال والنساء، ولا يستثني الأطفال كي لا يضطر لقتلهم لاحقاً. هو “وطني أسدي” بامتياز، قاد أكثر من أربعين مدنياً معصوبي الأعين إلى حفرة، وأطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر؛ لم تستوقفه انحناءة رجل، ولا دموع امرأة، ولا براءة طفل. يبرر لنفسه أنه يحمي الوطن وينتقم لشقيقه، موثقاً ساديته بجواله الذكي ليروي “نضالاته” عبر المسنجر، كمن يستعرض إنجازاً بطولياً لا جريمة حرب.
تبدأ القصة من مقاعد المدرسة الابتدائية، حيث يُرصد الفشل الدراسي كعلامة مبكرة. ورغم أن جميع الطلاب السوريين كانوا يُساقون قسراً إلى طلائع البعث ومن ثم اتحاد شبيبة الثورة؛ إلا أن الفرز الحقيقي كان يبدأ حين تصبح تلك المنظمات لبعضهم مجرد مرحلة عبور، بينما تتحول للبعض إلى ‘هوية وحيدة’ وطوق نجاة. هنا، تدفع هذه الهوية، مقرونة بالفقر المالي والاجتماعي، هؤلاء إلى الانخراط في التشكيلات الأمنية، بوصفها مساراً حتمياً يتلقف هذا العوز المادي والبؤس الاجتماعي، ليعيد صياغتهما ضمن “ثالوث” خطير يجمع: الفشل الاجتماعي والحقد الطبقي والظرف المادي السيئ.
هذه التشكيلات لم تكن تطلب من منتسبيها الكثير، بل كان شرطها غير المعلن هو التخلي عن “بقايا الإنسانية” عند عتبة المقر، وإحضار هذا الثالوث معهم كوقود للاستمرارية.
نجحت منظومة الأسد، الأب والابن، في شحن أصحاب هذا “الثالوث” بعصبية عمياء، محولة “الخطر الخاص” إلى “تسلط عام” يرى في المجتمع والمدنيين أعداءً محتملين، وفي كل رغبة بالتغيير تهديداً لامتيازات ‘السلاح’ الذي منحهم سطوةً لم يمتلكوا مؤهلاتها يوماً.
بعد السقوط والتحرير، لم يختفِ هؤلاء، بل انسحبوا من مواقع السطوة، كما فعل ‘أمجد يوسف’، ليرتدوا لبوساً جديداً يحاولون فيه الاختفاء.
هؤلاء الذين لم يحاربوا بشرف، سارعوا للاختباء داخل بيئات عانت كثيراً من ظروف معيشية وخدمية متردية. ظروفٍ لم يطوروها هم أنفسهم عندما كانوا في مراكز القرار، ليمتهنوا في مخابئهم ‘تقيةً سياسية’ مكشوفة؛ تارةً يحمّلون العهد الجديد مسؤولية هذه الظروف المادية الصعبة—وهي ذات الظروف التي أدامها النظام البائد ليستغلهم— مدعين أن العوز والفقر هو ما دفعهم لمساندة الأسد في الماضي.
هدفهم الحقيقي من هذا ‘التموضع’ الجديد ليس العيش بسلام، بل زعزعة استقرار العهد الجديد للحصول على حصانة تضمن إفلاتهم من استحقاقات الماضي الإجرامي. هكذا يحاول ‘بنك الحقد’ إعادة تدوير نفسه، مراهناً على الفوضى ليحمي جزاريه من قبضة العدالة.
القصة لم تنتهِ بالقبض على أمجد يوسف وغيره من جزاري عهد الأسدين، ولن تنتهي بالمحاكمات العلنية وتنفيذ أقسى العقوبات بحق المجرمين والمدانين. رغم جميع المصاعب، من الواجب طي صفحة “البيئات الحاضنة والمفرخة” للحاقدين على المجتمع، وتخليص هذه البيئات نفسها من إرث التورط الذي فُرض عليها عنوة.
هنا تبرز مسؤولية العهد الجديد في تجفيف منابع الحقد، عبر خلق فرص عمل حقيقية بعيداً عن كواليس التشكيلات الأمنية، وتطوير الريف عقارياً وزراعياً وسياحياً وخدمياً، مع إخضاع منتسبي الأجهزة الأمنية الجدد لدورات تأهيل حديثة تُشرّبهم دورهم في حماية ‘العقد الاجتماعي الجديد’ القائم على المساواة المطلقة واحترام المواطن والقانون.
كما أنّ على تلك البيئات نفسها أن تسعى لتبنّي زعامات عائلية ووطنية جديدة غير تقليدية، تشبه العائلات السياسية التي ناضلت في سبيل استقلال سوريا ورفضت مشاريع التقسيم؛ وأكدت لجمهورها أن المواطنة هي الحصن الوحيد الذي يحمي الجميع. فالعصبية لا تُنتج إلا القتلة، ودولة القانون هي وحدها الكفيلة بتنقية المجتمع وضمان عدم تكرار المأساة.
اقرأ أيضاً: عبيدة نحاس: سوريا الجديدة مسؤولية من؟
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.