شركات

رأي: ​منطق “الفلاح السوفيتي”.. وقراءة في “كوكتيل” اعتصام دمشق

رأي: ​منطق “الفلاح السوفيتي”.. وقراءة في “كوكتيل” اعتصام دمشق

​مقال رأي –  د. أسامة أحمد نزار صالح – ​منطق “الفلاح السوفيتي”.. وقراءة في “كوكتيل” اعتصام دمشق

​يُحكى أن مندوباً للحزب السوفيتي وقف يشرح لفلاحٍ بسيط جوهر الشيوعية. سأله بلهجة ثورية: “يا رفيق، لو كان لجارك بيتان، ألا تقتضي العدالة أن تأخذ الدولة أحدهما لتؤوي مشرداً؟”. صرخ الفلاح بحماس: “بلى، وعاش الرفيق لينين!”. تابع المندوب: “ولو كان لجارك الآخر مزرعتان، أليس من الحق أن تأخذ الدولة واحدة لتوزعها على المعدمين؟”. كاد الفلاح أن يرقص ابتهاجاً وهو يهتف: “هذه هي قمة الحق، فليحيا القائد العظيم!”.

لكن، حين وصل المندوب إلى المحطة الأخيرة وسأله: “وأنت، يا رفيق، بما أنك تملك بقرتين، أليس للدولة الحق أن تأخذ واحدة لتوزع حليبها على الجائعين؟”.. هنا تبدلت الملامح، وانتفض الفلاح غاضباً: “لا.. فلتسقط الشيوعية، وليذهب لينين إلى الجحيم!”.

​في اعتصام السابع عشر من نيسان، أو ما اصطلح البعض على تسميته بـ “اعتصام قانون وكرامة”، لم يقلقني ذلك الضجيج الصاخب في ساحة يوسف العظمة، ولا تلك الجدلية المحتدمة بين معتصمين استعاروا “لغة الجوع” لتغطية أهدافٍ أبعد بكثير من رغيف الخبز، وبين مناصري “العهد الجديد” الذين يرفعون رايات طلب العدالة الانتقالية، واندفعوا بحماسٍ لافت بدون تنظيم أو دعوة، لدرجةِ أن غيرتهم الوطنية جعلتهم يتوجسون من أي تجمعٍ أو انتقاد، ظنّاً منهم أن حماية العهد تتطلبُ صوتاً واحداً لا يقبل التأويل.

إن ما يستوقف المراقب في هذا المشهد، هو العودة الفجة لمنطق “الفلاح السوفيتي”؛ ذاك الذي لم يجد ضيراً في مصادرة أملاك الآخرين باسم “الحق”، لكنه أعلن العصيان حين اقتربت يد التغيير من حدود حظيرته الخاصة.

أسامة صالح
د. أسامة أحمد نزار صالح

عند التوقف ملياً أمام ورقة “الكوكتيل السياسي الخدمي”، نجد أنفسنا أمام مشهد يحتاج للكثير من التأمل. فالمفارقة تكمن في الجمع بين مطالب معيشية تمسّ وجع الشارع، وبين مطالب “عقارية وتجارية” تخصصية قد تصل إلى محاولة تضليل واضحة لرجل الشارع. ففي إشارة ورقة المطالب إلى “إيقاف عملية إخلاء المحال في منطقة المناخلية”، يبرز تضليل متعمد وزيف في نقل الحقائق؛ فبينما كان قرار المحافظة تنظيمياً بحتًا يهدف لـ “إعادة توصيف العقار” من صناعي إلى تجاري لإخراج المهن المقلقة للراحة من قلب دمشق التراثية، تعمّد منظمو الاعتصام تسويق الأمر للبسطاء وذوي “الثقافة السمعية” على أنه قرار إخلاء جائر لتهجيرهم من أرزاقهم.

​هذا التزوير للواقع قد لا يكون عبثياً، بل هو محاولة لركوب موجة الجوع واستخدام الناس كدروع بشرية بهدف الشحن؛ وحتى بعض شعارات المعتصمين المطالبة بـ “تنظيم استملاك العقارات”، ما علاقتها بصرخة الفقير الذي لا يبتغي أكثر من كفاف يومه؟ هنا تطل “البقرة الشخصية” برأسها من خلف الشعارات؛ وكأننا أمام فئة استشعرت أن التغيير السياسي الانتقالي القادم قد لا يتوافق مع أنماط الإدارة والمكتسبات التي اعتادت عليها لعقود. إنها محاولة لتأمين موطئ قدم في خارطة العهد الجديد عبر الابتزاز بالعاطفة الشعبية. إن مطلب “دولة القانون” هنا، يظهر كحاجة ملحة حين يضمن حماية “المكتسبات الضيقة”، لكنه يُوضع تحت مجهر التشكيك بمجرد أن يتجه نحو الشفافية التي قد تلامس مصالح فئات اعتادت احتكار ما تسميه حقوقاً.

​في المقابل، يبرز تساؤلٌ لا يقل أهمية عن “قلق الساحة”؛ وهو المتعلق بجمهور المؤيدين ومناصري العهد الجديد. فهل يمكننا، بإنصاف، تسمية هذا الاندفاع العفوي بـ “إرهاب فكري”؟ أم أنه طاقة وطنية صادقة تخشى على العهد الجديد من ثورة مضادة؟ المسؤولية هنا تقع على عاتق رجال ومسؤولي العهد الجديد في كيفية احتواء وتوظيف هذه الطاقات وتأطيرها بطريقة مهذبة ومنظمة، لتكون “اليد التنفيذية” لخطط الإصلاح.

إن الضرورة اليوم تقتضي تأسيس “تيار وطني مؤسساتي” يستلهم رؤية الرئيس أحمد الشرع؛ تلك الرؤية التي قدمها كمشروعٍ متكامل لإدارة سوريا أمام العرب والغرب، واستطاع بموجبها وبحنكةٍ سياسية رفيعة فكّ طوق العقوبات عن كاهل السوريين. إن خير حماية للعهد الجديد وتعبيد الطريق أمامه للنهوض الاقتصادي هي تحويل “جمهور الولاء” إلى “تيار نخبوي وشعبي” قادر على محاورة الآخر، ومنع أصحاب المصالح الضيقة من ركوب موجات المطالب الخدمية، ليكون هذا التيار هو الضمانة الحقيقية لتنفيذ مشروع النهضة السورية الذي بدأ يتبلور.

​وختاماً، إذا كان ضجيج ساحة يوسف العظمة في السابع عشر من نيسان قد بدا مقلقاً للبعض، فإن حضور الإعلام الرسمي بجرأته، وقوى الأمن العام بحرفيتها، لم يكن لفض الاعتصام أو شيطنته، بل كان رسالة طمأنينة كبرى بأن العهد الجديد بات يستوي على سوقه قوياً.. قوياً بما يكفي لتستوعب الدولة الجميع تحت سقف القانون، تحميهم وتمنحهم الحق الأصيل في التعبير.

إن مشهد الشاشة الوطنية وهي تنقل مطالب الشارع، ورجل الأمن وهو يحرس حق الاختلاف، هما البرهان الساطع على أن مسار الإصلاح الذي يقوده العهد الجديد لا يمضي إلا في طريقه الصحيح نحو سوريا التي تسع الجميع.

اقرأ أيضاً: بصراحة: الأكثرية «للطوابير» لا «للمذهب»!

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.