بقلم: ريم ريّا
تعيش سوريا تحديات اقتصادية وصحية معقدة، لكن في خضمها يبرز ملف الخلايا الجذعية كأحد أكثر المؤشرات دلالة على التحول النوعي في أداء القطاع الصحي السوري. فالدخول في مجال مثل الخلايا الجذعية على المستوى الطبي لا يقاس بعدد العمليات المنجزة فحسب، بل بامتلاك البنية التحتية والكوادر المجهزة، فضلاً عن الرؤية العلمية القادرة على نقل الطب من مرحلة الاستجابة العلاجية إلى أفق البحث والتطوير. في هذا المقال سنستعرض الإنجاز السوري وأهميته، وأبرز إنجازات وزارة الصحة عام 2025.
افتتاح مركز الخلايا الجذعية في سوريا
تم افتتاح مركز الخلايا الجذعية في مشفى الأطفال الجامعي في شهر حزيران من عام 2021، بعد أن تم إعادة تأهيله بشكل كامل وتوسيعه، وفق ما أكد مدير عام المركز في ذلك الوقت ماجد خضر.
كما أوضح بتاريخ 14 تشرين الثاني عام 2024، أن المركز لم يعد وحدة مقتضبة كما كان سابقاً، بل منشأة متكاملة تضم وحدة الزرع ووحدة ما بعد الزرع، والإجراءات النهارية وعيادة الزرع، بما يتيح تنفيذ جميع مراحل العلاج ضمن مكان واحد دون الحاجة لأي إجراء خارج المركز.
المركز يضم خمس غرف عزل مخصصة لمرضى الزرع، ومجهزة بأنظمة تهوية مركزية وتقنية هواء عبر فلاتر HEPA وضغوط إيجابية، نظراً لانعدام المناعة لدى المرضى خلال فترة ما بعد إمحاء نقي العظام. وعملية الزرع في المركز لا تعد إجراءً جراحياً، بل يتم تسريب الخلايا الجذعية من خلال قثطرة وريدية مركزية بعد مراحل تحضيرية دقيقة، تتطلب إقامة طويلة ومتابعة حثيثة تمتد لأشهر بعد التخريج.
اقرأ أيضاً: إعادة تأهيل المسالخ في سوريا استثمار في الغذاء والصحة.. فكلاهما على المحك
الإنجاز السوري في مجال الخلايا الجذعية
منذ بداية عمله الفعلي في تموز عام 2021، أجرى مركز زرع الخلايا الجذعية خمسين عملية زرع ذاتي وغيري للأطفال، رغم التحديات المرتبطة بتأمين المستلزمات والأدوية الاستيرادية ذات الكلفة المرتفعة.
يستقبل المركز حالات من عمر شهر وحتى 14 عاماً، مع رفع سن القبول مؤخراً إلى 18 عاماً ليغطي مختلف الأمراض التي تستطب فيها زراعة الخلايا الجذعية، وعلى رأسها سرطانات الدم غير المستجيبة للعلاج الكيميائي، وأمراض الدم الوراثية وفقر الدم المنجلي، إلى جانب فشل نقي العظم ونقص المناعة الخلقي الشديد.
أهمية هذا الإنجاز السوري، تكمن في كونه يتجاوز البعد العلاجي إلى البعد العلمي والبحثي، إذ يشكل خطوة أولى لامتلاك سوريا أدوات البحث الطبي المتقدم في أحد أكثر فروع الطب تطوراً عالمياً.
وبالرغم من أن سوريا شهدت بدايات متواضعة في مجال أبحاث الخلايا الجذعية، وحققت بعض الإنجازات على مستوى التطبيقات العلاجية البسيطة وإنشاء بنك للحبل السري، لكن الحرب التي مرت بها البلاد أثرت سلباً على تطور هذا المجال الواعد. ويتطلب النهوض بأبحاث الخلايا الجذعية في سوريا استقراراً سياسياً وأمنياً، وتخصيص موارد مالية كافية، وتطوير البنية التحتية البحثية.
في السياق ذاته، تحدث الدكتور سلمان البقاعي اختصاصي أمراض الدم معرّفاً الخلايا الجذعية، وموضحاً أنها خلايا غير متخصصة لديها القدرة على التحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا في الجسم، ولها قدرة على الانقسام والتجدد الذاتي.
وقال البقاعي: أن الخلايا الجذعية حققت نسبة نجاح عالية في معالجة الأمراض السرطانية والدموية تصل إلى 90 %، وأن إنشاء أول مركز متخصص لزرع الخلايا الجذعية للأطفال في سوريا بدمشق، هو إنجاز طبي هام يهدف لعلاج أمراض مستعصية خاصة السرطانات، ما سمح بتخزين هذه الخلايا لاستخدامها مستقبلاً من قبل الطفل أو أفراد عائلته.
أما عن معدلات النجاح، بين البقاعي أنها تختلف في كل نوع من أنواع زراعة نخاع العظم لذا يجب أن يكون لديك فهم كامل لهذه الأنواع ومعدلات نجاحها قبل الخضوع لعملية زراعة نخاع العظم، مثلاً في الأمراض غير السرطانية، تتراوح معدلات نجاح زراعة نخاع العظم الخيفي مع متبرع ذي صلة من 70% إلى 90%، وبقصد بزراعة النخاع الخيفي (أو زرع الخلايا الجذعية الخيفية) وهو إجراء طبي يُستخدم لعلاج أمراض الدم والسرطانات، أما معدلات نجاح عملية زرع نخاع العظم الخيفي مع متبرع غير ذي صلة من 36% إلى 65%.كما قد تتراوح معدلات نجاح عمليات زرع نخاع العظم الذاتي بين 50% و80%، وهي معدلات نجاح عالية.
لم ينفِ بقاعي وجود تحديات جسيمة في تطوير أبحاث الخلايا الجذعية أبرزها ما سببته الحرب من تدهور النظام الصحي والبحثي، وهجرة العقول، وصعوبات في استيراد المعدات والتقنيات، ولعل العقبة الأكبر في سبيل تطوير هذه الأبحاث هي غياب التمويل بشكل عام.
إضافةً إلى محدودية المختبرات المتخصصة والتجهيزات التقنية المتطورة اللازمة لأبحاث الخلايا الجذعية، مع العلم أن مشفى الأطفال الجامعي في دمشق يعد أول مركز وطني لزراعة الخلايا الجذعية الدموية مجاناً لمرضى السرطان من الأطفال.
لكن رغم كل شيء الإبداع العلمي السوري لا زال مستمراً، وقد تم نشر عدة أبحاث لباحثين سوريين في مجلات محلية وعربية حول الخلايا الجذعية، ركزت بشكل رئيسي على تقنيات جمع الخلايا من الحبل السري وتجارب مخبرية على الفئران وأضاف أن هناك قلة في الخبراء السوريين المدربين تدريباً عالياً في هذا المجال المتخصص.
أبرز إنجازات وزارة الصحة في سوريا لعام 2025
يأتي هذا التطور النوعي لسوريا، في إطار حصيلة واسعة من إنجازات وزارة الصحة السورية خلال عام 2025، الذي شهد تعزيزاً لفاعلية منظومة الرعاية الصحية وتوسيعاً للشراكات الدولية، وفق ما أعلنت الوكالة العربية السورية للأنباء سانا بتاريخ 5 كانون الثاني 2026.
فقد أطلقت الوزارة خطتها الاستراتيجية للأعوام 2026 – 2028، ووقّعت 16 اتفاقية تعاون دولية، ونفذت 17 حملة طبية تخصصية أُجري خلالها أكثر من 8418 عملاً جراحياً، إضافة إلى تقديم أكثر من 148 ألف عملية جراحية ضمن المشافي العامة.
كما سجل القطاع الصحي أرقاماً لافتة شملت أكثر من 8.6 ملايين تحليل مخبري، و30414 جلسة علاج كيميائي، واعتماد مخبر شلل الأطفال كمخبر إقليمي مرجعي لمنظمة الصحة العالمية. وشملت الإنجازات توسيع خدمات الأورام، تطوير منظومة الإسعاف والطوارئ، ترميم وتجهيز المشافي العامة، وتعزيز برامج الصحة النفسية.
تشير هذه المعطيات إلى أن الاستثمار في مشاريع متقدمة كزرع الخلايا الجذعية لم يعد إجراءً استثنائياً، بل جزءاً من سياسة صحية أوسع تهدف إلى بناء نظام صحي أكثر مرونة، واستدامة، وقدرة على إنتاج المعرفة الطبية محلياً.