روايات

سوق المواشي في سوريا بين الغلاء والركود.. اختلال بنيوي يهدد القطاع

سوق المواشي في سوريا بين الغلاء والركود.. اختلال بنيوي يهدد القطاع

بقلم: ريم ريّا

يعاني سوق المواشي في سوريا من تناقضات اقتصادية معقدة، حيث يتزامن الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم مع انخفاض حاد في حجم المبيعات. ويعكس هذا الوضع خللاً عميقاً في هيكل السوق. فبين الخسائر الفادحة التي يتكبدها المزارعون وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، تتذبذب الأسعار بشكل غير متوقع، متأثرة بعوامل محلية وعالمية. هذه ليست أزمة مؤقتة، بل أزمة هيكلية تهدد استقرار قطاع المواشي برمته.

ارتفاع التكاليف.. الأعلاف والمحروقات تقود موجة الغلاء

تعتبر تكاليف الإنتاج العامل الأكثر تأثيراً في تحديد أسعار الماشية، حيث يشير الخبير الاقتصادي إيهاب أسمندر إلى أن الأعلاف وحدها تشكل نحو 70% من إجمالي تكلفة إنتاج الماشية. وقد ارتفعت أسعار السلع العلفية الأساسية، كالذرة وفول الصويا، بنحو 25% عالمياً خلال شهر واحد نتيجةً لاضطرابات سلاسل التوريد.

وتفاقمت الأزمة محلياً، حيث تجاوز سعر القمح المستخدم في علف الحيوانات 5000 ليرة سورية للكيلوغرام، وتجاوز سعر التبن 3000 ليرة للكيلوغرام، وهي مستويات غير مسبوقة. إضافةً إلى ذلك، ارتفعت تكاليف النقل بشكل ملحوظ، لتصل إلى عشرات الآلاف من الليرة، أو ما يقارب 100 دولار أمريكي في بعض الحالات، لكل رأس من الماشية. كما ساهم ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء في زيادة تكاليف التشغيل، مما يؤثر بشكل مباشر على التكلفة النهائية للإنتاج، ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

اقرأ أيضاً: مربو المواشي في ريف إدلب يبيعون قطعانهم للبقاء!

اختلال العرض والطلب في سوق المواشي..  وفرة بلا بيع وغلاء بلا مبرر

على الرغم من وفرة المواشي في أسواق الرقة، إلا أن السوق يعاني من ركود حاد نتيجة ضعف القدرة الشرائية. فقد انخفض سعر الماشية من 400 دولار إلى ما بين 150 و200 دولار، لكن هذا الانخفاض لم يحفز الطلب. في المقابل، ارتفع سعر لحم الضأن بشكل حاد من حوالي 90 ألف ليرة سورية إلى 160 ألف ليرة سورية، مما يشير إلى فجوة واضحة بين سعر الماشية الحية وسعرها النهائي.

وتعكس هذه الفجوة خللاً في نظام التسعير والتوزيع، حيث لا تصل فوائد انخفاض الأسعار لمربي الماشية إلى المستهلك النهائي. إضافةً إلى ذلك، ساهم التصدير غير القانوني لبعض القطعان من البلاد، وعزوف بعض المزارعين عن مواصلة تربية المواشي، في تفاقم فجوة العرض والطلب على المستوى الوطني.

السياسات والقرارات.. تأثيرات تزيد من تعقيد الأزمة

ساهمت السياسات الاقتصادية والتدابير التنظيمية بشكل كبير في تفاقم الأزمة. فقد أدى إغلاق الطرق الرئيسية، كطريق الحسكة، إلى زيادة تكاليف النقل وإعاقة حركة الماشية والأعلاف. كما أدى حظر تصدير الماشية إلى فائض في السوق المحلية، على الرغم من زيادة الطلب، مما ضغط على أسعار المنتجات الزراعية.

علاوةً على ذلك، أدى فرض الضرائب على الأعلاف المستوردة والقيود المفروضة على استيراد التبن إلى زيادة سعره بشكل مباشر. وبينما تم تبرير هذه التدابير بدعم الإنتاج المحلي، إلا أن نتائجها الفعلية كانت عكسية، إذ زادت من الأعباء المالية على المزارعين دون أن توفر لهم بديلاً حقيقياً أو دعماً حكومياً فعالاً.

تداعيات مستقبلية.. سوق مهدد بالانكماش وخروج المربين

تشير المؤشرات الحالية إلى مخاطر جسيمة تهدد استدامة قطاع الثروة الحيوانية في سوريا، حيث بدأ العديد من المزارعين بتقليص أعداد ماشيتهم أو الانسحاب من السوق تماماً نتيجة للخسائر المتراكمة. بل إن بعضهم اضطر إلى خفض استهلاكه من الأعلاف إلى النصف، مما قد يؤثر سلباً على صحة الحيوانات وجودة الإنتاج.

وقد تراجعت الثقة بين المزارعين وتجار الأعلاف، ويعود ذلك أساساً إلى صعوبات الدفع، مما أدى إلى تشديد شروط البيع وانخفاض النشاط السوقي. في ظل هذه الظروف، وفي غياب حلول حكومية فعّالة، تتسع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، مما يؤدي إلى انخفاض مطرد في أعداد الماشية وتهديد للأمن الغذائي على المدى المتوسط، لا سيما في ظل ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب على اللحوم.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.