الكاتب: أحمد علي
لا يصل أثر القرار النقدي إلى الناس عبر نشرات المصرف أولاً. يصل عبر النافذة الصغيرة التي تنتظر منها الأسرة حوالة الابن أو الأخ أو الزوج، فهناك يبدأ الحساب الحقيقي. كم خرج من المبلغ قبل أن يصل. كم فقد من قيمته بين سعر وسعر. وكم بقي منه بعد أن تتحول الحوالة من دولار مرسل من الخارج إلى ليرات تدخل السوق المحلية مثقلة بكل الفوارق الممكنة.
من هذه النقطة تحديداً خرج الجدل حول صرف الحوالات الخارجية بالليرة السورية. المسألة لم تُقرأ كإجراء تقني معزول، لأن الشارع لم يكن معنياً بتفاصيل النشرات بقدر ما كان معنياً بما سيصل إلى اليد في النهاية. المصرف المركزي قرأ القرار من زاوية السيادة النقدية وضبط سوق القطع وإعادة التدفقات إلى القنوات الرسمية. الأسر قرأته من زاوية واحدة فقط، هل ستخسر جزءاً إضافياً من موردها الأكثر انتظاماً في بلد صار فيه الدخل الثابت أضعف من أن يغطي الأساسيات.
صرف الحوالات الخارجية بالليرة بين الاستثناء المؤقت والقاعدة العملية
الملف، في الأصل، ليس جديداً تماماً. القرارات المنشورة على موقع مصرف سوريا المركزي تعود إلى 2017، وهي تنص على تنفيذ الحوالات الشخصية الواردة من الخارج بالليرة السورية عبر المصارف ومؤسسات الصرافة المرخصة. وفي المقابل، ظلت صفحة الأسئلة الشائعة في الموقع تتيح جواباً مختلفاً جزئياً، إذ تشير إلى إمكان استلام بعض الحوالات بالقطع الأجنبي ضمن حالات منصوص عليها بقرارات أخرى. هذا يعني أن المسار لم يكن خطاً واحداً صافياً، بل مزيجاً من قاعدة عامة واستثناءات عملية، أُديرت لسنوات بطريقة تسمح بمرونة ما داخل السوق.
ما تغير في نيسان 2026 لم يكن النصوص القديمة وحدها، بل طريقة عودتها إلى الواجهة في لحظة حساسة. ففي 22 نيسان نفى حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية صدور تعميم يلزم بتسليم الحوالات حصراً بالليرة وفق سعر رسمي جامد. لكن الجدل لم ينتهِ عند هذا النفي. بعد ساعات تقريباً، نقلت عنب بلدي عن مصدر مسؤول في المصرف أن القرار الموقع في 21 نيسان قائم ونافذ، وأن الشركات والبنوك المتعاقدة مع شبكات التحويل ملزمة بتسليم الحوالات بالليرة السورية وفق متوسط النشرة، مع هامش سعري أعلى أو أدنى.
هذا التفاوت بين النفي والتأكيد لم يكن تفصيلاً لغوياً. في جوهره، كان يعكس محاولة المصرف أن يميز بين صيغة مشددة جرى تداولها شعبياً، وصيغة أكثر مرونة يريد الدفاع عنها. وهذا ما ظهر لاحقاً في حديث الحصرية إلى سانا، حين أوضح أن صرف الحوالات يتم بالليرة السورية مع هامش مرونة يصل إلى 15 بالمئة فوق السعر المرجعي أو دونه. بهذا المعنى، لم يعد السؤال هل ستصرف الحوالات بالليرة أم لا، بل بأي سعر فعلي، وكيف سيُحتسب هذا الهامش، وهل سيظل قريباً بما يكفي من حركة السوق حتى لا تتحول الحوالة إلى خسارة مقننة.
ما الذي يريده المصرف فعلاً
من وجهة نظر المصرف المركزي، المنطق واضح إلى حد بعيد. الاقتصاد السوري ما يزال يعيش تعدد أسعار، وفجوة مزمنة بين النشرة الرسمية والسوق الموازية، واعتماداً واسعاً على القنوات غير الرسمية في تداول القطع. وفي بيئة كهذه، تصبح كل حوالة تدخل بالنقد الأجنبي خارج الضبط الرسمي جزءاً من مشكلة أوسع، لأنها تغذي الدولرة اليومية، وتضعف مكانة الليرة كوسيط للتبادل، وتوسع رقعة السوق غير النظامية.
لهذا يبدو القرار جزءاً من سياسة أشمل لاستعادة شيء من السيطرة على التدفقات النقدية. ليس المطلوب، من وجهة نظر المصرف، مجرد تحويل الدولار إلى ليرة، بل إعادة الحوالة نفسها إلى المسار الذي يمكن مراقبته وتوظيفه ضمن السياسة النقدية. رويترز أشارت في نيسان 2026 إلى أن غياب أنظمة الدفع عبر الحدود وحسابات المراسلة المصرفية دفع كثيراً من المدفوعات التجارية والشخصية إلى المرور عبر قنوات نقدية تقليدية. في هذا السياق، تبدو الحوالات أكثر من تحويل عائلي. هي جزء من بنية النقد الأجنبي المتداول فعلياً في السوق.
لكن هذا المنطق، على تماسكه من داخل المصرف، لا يكفي وحده لإقناع من يتلقى الحوالة. لأن الأسر لا تقيس القرار بمدى خدمته للسيادة النقدية، بل بمقدار ما يتركه في جيبها. وإذا كان السعر المعتمد بعيداً عن سعر السوق الفعلي، فإن الفارق سيُقرأ مباشرة كاقتطاع من قيمة الحوالة. وهنا تظهر حدود المقاربة السيادية حين لا تُترجم سريعاً إلى حماية ملموسة للدخل الفردي.
الأسر بين حماية الليرة وحماية المعيشة
هذا هو لب التوتر. التحويلات الخارجية في سوريا ليست بنداً هامشياً، ولا مصدراً ثانوياً للدخل عند كثير من العائلات. بالنسبة إلى شرائح واسعة، هي ما يسد فجوة الغذاء والدواء والإيجار والالتزامات اليومية. لهذا كان الذعر سريعاً عندما انتشرت معلومات تفيد بأن الحوالات ستُدفع بالليرة وفق سعر رسمي أدنى كثيراً من السعر المتداول. SP Today لخصت هذه المخاوف بوضوح حين أشارت إلى أن صرف الحوالة على أساس 11000 أو 11100 ليرة للدولار، بينما كانت السوق تتجاوز 13000، يعني خسارة مباشرة للأسر التي تعتمد على الخارج.
حتى بعد ظهور صيغة الهامش المرن، لم يختفِ الاعتراض. لأن السوق كانت تقول شيئاً مختلفاً. وسائل محلية أشارت إلى أن سعر الحوالات وصل في لحظة من لحظات الجدل إلى 12750 ليرة، فيما حددت شركات الصرافة أسعاراً قريبة من 12850، وبيع الوقود على أساس أعلى من ذلك. هذا يعني أن المشكلة لم تختفِ، بل انتقلت من صيغة حادة إلى صيغة أقل حدة، من إلزام بسعر منخفض ثابت إلى محاولة تقليص الفجوة من دون إلغائها بالكامل.
وهنا تظهر المعضلة العملية. إذا اقترب سعر الحوالات من السوق الموازية، تمكن المصرف من جذب التدفقات إلى القنوات الرسمية من دون استفزاز اجتماعي واسع. وإذا ابتعد عنها، أعاد تنشيط الحوافز للالتفاف على القرار، سواء عبر شبكات غير رسمية أو عبر تأخير التحويل أو تقليصه. بعبارة أخرى، المصرف لا يدير مسألة إجرائية فقط، بل يدير توازناً دقيقاً بين استعادة السيطرة على القطع ومنع تحوّل هذه الاستعادة إلى عبء اجتماعي مباشر.
ما الذي بقي معلقاً بعد القرار
المشكلة أن هذا النوع من التوازنات لا يُحسم بإعلان واحد. نجاحه يتوقف على الثقة. هل يصدق الناس أن السعر سيلاحق السوق بدرجة معقولة. هل تلتزم كل الشركات بالهامش نفسه. هل يستطيع المصرف أن يعدل السعر المرجعي بسرعة تكفي حتى لا تتآكل قيمة الحوالة بين يوم ويوم. هذه الأسئلة، لا النصوص، هي التي تحدد مصير القرار.
كما أن الملف لا يمكن عزله عن أزمة أعمق. صرف الحوالات الخارجية بالليرة قد يكون مفهوماً من زاوية بناء سياسة نقدية أكثر تماسكاً، لكنه لا ينجح فعلاً إذا ظل محاطاً بسوق متعددة الأسعار وقليلة الثقة. المشكلة ليست في الحوالة وحدها، بل في البيئة التي تستقبلها. فإذا بقيت الفجوة واسعة بين السعر الرسمي والموازي، وإذا ظلت السوق ترى أن النشرة لا تعكس السعر الحقيقي، فإن أي قرار من هذا النوع سيبقى معرضاً لأن يُقرأ كتحميل جديد للخسارة إلى الطرف الأضعف، لا كخطوة إصلاحية جامعة.
لهذا فإن الجواب عن السؤال المطروح في العنوان لا يمكن أن يكون أحادياً. القرار يحمل منطقاً سيادياً واضحاً، لأنه يحاول أن يعيد الدولار إلى القنوات الرسمية وأن يقلص الدولرة اليومية وأن يمنح الليرة وزناً أكبر في التداول. لكنه يحمل، في الوقت نفسه، ضغطاً حقيقياً على الأسر ما دام السعر المعتمد لا يذيب الفجوة مع السوق، وما دامت الحوالة بالنسبة إلى كثيرين ليست مسألة مالية مجردة، بل وسيلة بقاء يومي.
الخلاصة أبسط مما تبدو عليه. حماية العملة لا تنجح إذا شعر الناس أنها تأتي على حساب ما تبقى من قدرتهم على العيش. والسيادة النقدية لا تُقاس فقط بقدرة المصرف على إصدار القرار، بل بقدرته على جعله مقبولاً في السوق وعادلاً في نظر المستفيدين. وبين هذين الشرطين يقف ملف الحوالات اليوم، لا بوصفه جدلاً فنياً، بل بوصفه اختباراً مباشراً لقدرة السياسة النقدية السورية على أن تضبط السوق من دون أن تضغط أكثر على الأسر.
اقرأ أيضاً: تراجع الحوالات المالية الخارجية 40%.. والداخل السوري يدفع الثمن!