اقتصاد

غياب الصرف الصحي في ريف طرطوس يحوّل الصيف إلى موسم للأمراض

غياب الصرف الصحي في ريف طرطوس يحوّل الصيف إلى موسم للأمراض

بقلم هلا يوسف

لا توجد محافظة أو ريف إلا ويعاني من سوء الخدمات نتيجة الإهمال الذي طالها خلال السنوات الماضية. ومن ضمن هذه المناطق قرى ريف محافظة طرطوس، التي تعاني من انعدام شبكات الصرف الصحي أو عدم استكمالها بشكل كامل على الرغم من الشكاوى المتكررة التي لم تلقَ لها آذان صاغية.

حاول الأهالي بالتعاون مع البلدية إيجاد طرق تتناسب مع ميزانيتهم، لذلك اعتمدوا على الحفر الفنية كحل بديل رغم ما يرافق ذلك من آثار صحية وبيئية ومعيشية صعبة. وتعد هذه المشكلة من أكثر القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان اليومية، خاصة في القرى الصغيرة والبعيدة عن مراكز المدن.

في قرية بيت سماق، التي يبلغ عدد سكانها نحو 750 نسمة، إضافة إلى قرى مجاورة مثل العنازة والعلية، لا توجد شبكة صرف صحي حتى اليوم. ويؤكد رئيس بلدية بحنين أيمن ديب أن واقع الخدمات في المنطقة غير منصف، فبعض القرى حصلت على شبكات صرف صحي مكتملة، بينما ما تزال قرى أخرى خارج أي تغطية خدمية فعلية.

ويشرح ديب أن البلدية رفعت ملف هذه المشكلة إلى محافظة طرطوس عام 2018، وتم تقديم مخططات وكلفة تقديرية لتنفيذ الشبكات. وبعد ذلك جاءت لجنة من المحافظة واطلعت على الواقع، لكن لم يتم تنفيذ المشروع كما هو مقترح، حيث تم الحديث عن ضرورة إنشاء محطة معالجة بدلاً من الاعتماد على الأحواض التجميعية، مما أدى إلى تأخير الحلول الفعلية على الأرض.

معاناة الأهالي اليومية وتزايد الأعباء

يزداد صعوبة الوضع في فصل الصيف بشكل خاص، حيث تمتلئ الحفر الفنية بسرعة وتحتاج إلى شفط متكرر، مما يفرض تكاليف مالية إضافية على الأهالي والبلدية. وفي بعض الحالات، يتم الاعتماد على جرار واحد تابع للبلدية لخدمة عدة قرى في نقل النفايات، ما يزيد من الضغط ويؤخر الاستجابة للحاجات المتكررة.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى الجانب الصحي، حيث تنتشر الروائح الكريهة والحشرات، خصوصاً في المناطق السكنية القريبة من الحفر الفنية. ويؤدي ذلك إلى حالة من الإزعاج الدائم للسكان ويؤثر على قدرتهم على العيش بشكل طبيعي، خاصة في فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة وتزداد الروائح بشكل أكبر.

كما يعاني السكان من تأثيرات بيئية خطيرة، إذ تتسرب مياه الصرف الصحي إلى التربة والمياه الجوفية في بعض المناطق، ما يهدد مصادر المياه المستخدمة للشرب والزراعة. وهذا الأمر يشكل خطراً طويل الأمد على الصحة العامة وعلى الإنتاج الزراعي في القرى.

ويؤكد أحد سكان قرية بيت سماق أن المشكلة أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، حيث لا يوجد منزل تقريباً لا يعاني من امتلاء الحفرة الفنية أو الحاجة إلى شفط متكرر، مشيراً إلى أن هذه المشكلة قديمة ولم يتم إيجاد حل جذري لها حتى الآن.

تأثير بيئي واسع ومشاريع لم تكتمل

لا تقتصر المشكلة على قرية واحدة، بل تمتد إلى معظم مناطق ريف طرطوس، حيث تشير شهادات الأهالي إلى أن العديد من القرى ما تزال تعتمد على الحفر الفنية بشكل كامل. كما أن بعض مشاريع الصرف الصحي التي تم الحديث عنها أو البدء بها لم تستكمل بسبب نقص التمويل أو توقف الشركات المنفذة.

ويؤدي تسرب مياه الصرف إلى الأراضي الزراعية والينابيع والآبار إلى تلوث مصادر المياه، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على مياه الشرب وعلى الزراعة. كما أن هذا التلوث ينعكس على البيئة بشكل عام، ويزيد من احتمالية انتشار الأمراض والأوبئة في بعض المناطق.

وفي هذا الجانب، يؤكد مهندسون في مؤسسة الصرف الصحي أن هناك خططاً كانت موضوعة منذ سنوات لإنشاء محطات معالجة وربط القرى بشبكات إقليمية، إلا أن تنفيذها تعثر لعدة أسباب، منها نقص التمويل، أو الاعتراض على مواقع بعض المحطات، إضافة إلى انسحاب بعض الشركات المنفذة.

ويشير بعض العاملين في هذا المجال إلى أنه تم تنفيذ جزء من الشبكات ومحطات المعالجة في المحافظة، لكن نسبة التغطية ما تزال محدودة مقارنة بعدد السكان، حيث لا تستفيد سوى نسبة صغيرة من هذه الخدمات بشكل فعلي، بينما تعتمد معظم القرى على حلول مؤقتة وغير آمنة.

وعلى الرغم من وجود محاولات من الجهات المعنية لمراقبة جودة المياه ومعالجة بعض الشكاوى، إلا أن الواقع على الأرض ما يزال يشير إلى حاجة كبيرة لإعادة النظر في هذا الملف بشكل شامل. فاستمرار الاعتماد على الحفر الفنية لم يعد مناسباً مع ازدياد عدد السكان وتوسع القرى.

ويبقى الحل الحقيقي مرتبطاً بتنفيذ شبكات صرف صحي حديثة وربطها بمحطات معالجة فعالة، بما يضمن حماية البيئة والصحة العامة، ويخفف من الأعباء اليومية التي يتحملها السكان منذ سنوات طويلة دون تغيير ملموس.

في النهاية، يظهر أن مشكلة الصرف الصحي في ريف طرطوس ليست مشكلة عابرة، بل قضية خدمية وإنسانية مستمرة تمس حياة الناس بشكل مباشر. وبين وعود التنفيذ وتأخر المشاريع، يبقى الأهالي في انتظار حل جذري ينهي معاناتهم، ويحسن الواقع البيئي والصحي في قراهم بشكل دائم ومستقر.

اقرأ أيضاً: دعم ألماني – يونيسف للمياه والصرف… ما الأولويات في 2026؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.