بقلم: ريم ريّا
لم تكن محافظة اللاذقية بحاجة إلى عمل خدمي مهم أو جهد حثيث لتتصدر المشهد الإعلامي في سوريا وما حولها خلال الأيام الماضية. فقط تعميم منسوب إلى المحافظ، يقضي بمنع الموظفات في المؤسسات العامة من وضع المكياج خلال الدوام الرسمي، كان كافياً لإشعال نقاش واسع تجاوز حدود المحافظة إلى عموم البلاد، وصولاً لخارجها.
بينما تداولت منصات التواصل نص القرار على نطاقٍ واسع، قالت أوساط صحفية إن “محافظ اللاذقية” نفى لاحقاً أن يكون قد أصدر تعميماً بالصيغة المتداولة. ما فسره البعض على أنه محاولة لاحتواء موجة الجدل التي تلت انتشاره. لكن الجدل لم يتوقف عند مسألة النفي أو التأكيد، بل انتقل سريعاً إلى سؤال أكثر جديةً وأبعد أثراً: هل يمتلك المحافظ، من حيث المبدأ، صلاحية إصدار قرار كهذا؟ وهل يجد هذا النوع من التعميم أي سند له في القوانين السورية أو في الإعلان الدستوري النافذ؟
في هذا المقال سنناقش التعميم من الناحية القانونية، ونلقي الضوء على ردود الأفعال المتباينة، وعلى ماذا ركزّ كل منها. صورة التعميم الصادر بتاريخ 26/ 1/ 2026:

سابقة في سوريا.. حين يتحول “المكياج” إلى قضية دستورية
ربما، ما غفلت عنه المحافظة قبل إصدار التعميم، أن بند الحريات في الإعلان الدستوري النافذ ليس تفصيلاً أو ديكوراً يمكن السهو عنه. فالإعلان الدستوري السوري الصادر في آذار 2025، لم يترك مسألة الحقوق والحريات في المنطقة الرمادية، حيث أن المادة 12 منه نصت وبشكل واضحٍ وصريح ومقروء، على التزام “الدولة” بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعتبر الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً لا يتجزأ من الإعلان نفسه. أما المادة 13 من الإعلان نفسه، تذهب أبعد من ذلك، إذ تحمي الحياة الخاصة وتمنع أي اعتداء عليها من دون “سند قانوني” واضح.
المظهر الشخصي، بما في ذلك اختيار اللباس أو استخدام أدوات التجميل، يدخل في صلب الحياة الخاصة للفرد، ما لم يكن هناك نص قانوني صريح يقيده لأسباب تتعلق بطبيعة العمل أو بمتطلبات السلامة أو الصحة العامة. فإن أي تقييد لهذا الحق لا يمكن أن يكون بقرار إداري فضفاض، بل يحتاج إلى قانون (واضح ومحدد).
قد يذهب المدافعون عن القرار إلى الاستناد على قانون الإدارة المحلية، وتحديداً المادة 51، التي تخول المحافظ توجيه طلبات خطية تتعلق بالأمن العام أو الصحة العامة أو الراحة العامة. غير أن النص نفسه يضع قيداً جوهرياً لا يمكن القفز فوقه: “على ألا تؤدي إلى مخالفة القوانين والأنظمة النافذة“.
الأهم من ذلك، قانون الإدارة المحلية في المادة 44 منه، بحدد من مهام المحافظ “تطبيق قواعد الحريات العامة الدستورية وصونها“، لا تقييدها أو إعادة تعريفها وفقاً للاجتهاد الشخصي أو المزاج الإداري. بمعنى أبسط، دور المحافظ هنا هو الحماية والتنفيذ، لا الابتكار التشريعي.
أما قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، يعالج مسألة العلاقة بين جهة العمل والعامل بوضوح، فالمادة الثانية، تحظر أي تميز أو إجراء يمس الحرية الشخصية للعامل من دون سند موضوعي مرتبط بطبيعة العمل نفسها. ويمكن لجهة العمل أن تضع قواعد تنظيمية للمظهر الوظيفي، لكن بشرط أن تكون مكتوبة، وواضحة، ومبررة بمتطلبات العمل، لا باعتبارات أخلاقية عامة أو تقييمات فضفاضة لما هو “مناسب” أو “غير مناسب”.
كما أن سوريا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يتضمن في المادة 17، الحق في الخصوصية، ويحظر أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في الحياة الخاصة. كما تكفل المادة 19 حرية التعبير، التي تشمل أشكال التعبير الشخصي ما لم تشكل تهديداً حقيقياً للنظام العام وفق شروط صارمة.
أي قيد على هذه الحقوق يجب أن يكون منصوصاً عليه في القانون، وأن يكون ضرورياً، ومتناسباً مع الهدف المراد تحقيقه. وفي حالة منع المكياج، يصعب تلمس هذا التناسب، أو حتى تحديد الهدف القانوني المشروع الذي يبرر مثل هذا المنع.
اقرأ أيضاً: وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك: ماركتينغ وعلم زائف
ردود الأفعال تجوب البلاد بدءاً من اللاذقية.. والمحافظة توّضح
ردود الفعل عمّت مختلف المحافظات السورية، وجاءت متباينة. معارضو القرار رأوا فيه تعدياً صريحاً على الحريات الشخصية، وسألوا ببساطة: بأي قانون ستُحاسب الموظفة؟ وتحت أي مادة؟، في حين اعتبر آخرون، أن البلاد غارقة في أزمات معيشية واقتصادية وأمنية تجعل من “مكياج الموظفات” ملفاً ثانوياً على أقل تقدير.
في المقابل، دافع مؤيدون عن القرار باعتباره محاولة لتنظيم المظهر العام داخل المؤسسات، لكن هذا الدفاع اصطدم بحقيقة قانونية بسيطة: لا تنظيم بلا قانون، ولا مساءلة بلا نص. وكانت محافظة اللاذقية قد أصدرت توضيحاً للتعميم الصادر، بعد سيل من ردود الفعل المستنكرة والمصدومة من جهة والمبررة والمُرحبة من جهةٍ أخرى. التوضيح كان على الشكل التالي:

اللاذقية تستحق الصدارة.. لكن بخبر أفضل
في مدينة لطالما عُرفت تاريخياً بانفتاحها وتنوعها الاجتماعي والثقافي، تبدو هكذا قرارات غريبة عن المكان وعن البيئة الاجتماعية بتركيبتها المختلفة. اللاذقية بكل خصوصيتها، ليست بيئة قابلة لتطبيق قرارات مقيدة للحريات الشخصية، خاصةً حين تكون بلا سند قانوني واضح.
وهي فوق ذلك، محافظة كانت ولا زالت مهملة خدمياً بشكل كبير، وتمتلك اللاذقية من القضايا التنموية والخدمية ما يجعلها جديرة بتصدر الأخبار بإنجازات حقيقية، مثل: مشروع بنى تحتية، خطوة اقتصادية، أو مبادرة تعيد الثقة بين المواطن والإدارة.
كان يمكن للاذقية أن تتصدر العناوين بخبر يرفع من شأنها، لا بخبر جعل المنصات في سوريا وجوارها تعج بالسخرية وعلامات الاستفهام، لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟ ومن يقف خلف القرار؟ وبأي حق؟ أسئلة ربما هي أقسى على صورة الإدارة والمؤسسات من أي مكياج.