أخبار سوريا

كيف يعيش السوريون مع الارتفاع القياسي الجديد بأسعار المواد الغذائية؟ 

كيف يعيش السوريون مع الارتفاع القياسي الجديد بأسعار المواد الغذائية؟ 

بقلم: ديانا الصالح

تشهد الأسواق السورية موجة غلاء متسارعة طالت مختلف المواد الغذائية، رغم فتح باب الاستيراد. وفي ظل تأرجح سعر صرف الدولار وغياب الرقابة الفعالة، يبدو الواقع الاقتصادي اليوم أمام هشاشة غير مسبوقة وفقاً لما يراه خبراء اقتصاديون، بينما يبقى المستهلك هو الوحيد المطالب بدفع الفاتورة.

وفي حين تتعدد التبريرات الرسمية حول أسباب الغلاء، عازيةً إياها لارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتأثر بالظروف الإقليمي، يشكك باحثون بصحة هذه المسوغات، محملين المسؤولية لسياسات الاستيراد وتغييب الإنتاج المحلي عن مشهد التنمية، وسط تحذيرات من انهيار القدرة الشرائية المتهالكة أصلاً.

وفي هذا السياق، سنتناول أسعار المواد الغذائية في سوريا التي تجاوزت قدرة معظم السوريين، الذين تحولوا إلى سياسة التقنين القاسي في شراء حاجياتهم في ظل الارتفاع الجديد بالمحروقات، لنبحث في أسباب استمرار الغلاء سواء ارتفع الدولار أو انخفض، وأين تكمن المشكلة الأساسية؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

أسعار المواد الغذائية في سوريا

تواصل أسعار المواد الغذائية تسجيل قفزات سعرية غير منضبطة، بنسب تتراوح بين 20 و30% خلال أسابيع فقط، وما يزيد الطين بلةً حالة عدم استقرارها، فهي تتبدل عدة مرات أحياناً خلال اليوم الواحد، الأمر الذي حول رحلة التسوق اليومية إلى استنزاف مادي ونفسي.

وفي جولة على أسعار الأسواق يتبين ارتفاع كبير يطالها جميعاً، ففي حمص مثلاً يبلغ سعر الكيلو من السكر الفرط والبرغل نحو 8500 ليرة سورية، أما ليتر الزيت النباتي فقد وصل إلى 26 ألف ليرة، فيما سجل كيلو الرز 12 ألف ليرة، بينما ارتفع سعر كيلو العدس إلى 13500 ليرة.

وتنال الخضراوات والفواكه أيضاً حصتها من الغلاء، فقد وصل سعر كيلو البندورة إلى 14000 ليرة، في حين سجل كيلو الخيار 12000 ليرة، بينما صعد سعر الليمون إلى 20000 ليرة، كما ارتفع كلّ من سعر الكوسا إلى 10000 ليرة، والبازلاء 12500 ليرة، والبطاطا بين 5500 و6000 ليرة، إضافة إلى ذلك بلغ سعر التفاح نحو 18000 ليرة، والبرتقال 10000 ليرة، أما الموز فقد صعد إلى 14000 ليرة.

تعقيباً على موجة الغلاء المتسارعة في حمص، تنقل المواطنة ريم العيسى عن استيائها لسوريا اليوم 24 صورة الواقع المعيشي الذي وصفته بالجنوني، مؤكدة أن الحال لم يعد يُطاق، حيث باتت مائدتها تقتصر على البطاطا المسلوقة فوق الحطب، هرباً من التكاليف الباهظة للغاز والمواد الغذائية معاً.

وتضيف ريم: “حتى رغيف الخبز أصبح وجعاً مع تقنين الكميات وارتفاع ثمنه، فأسرتي المكونة من 6 أفراد تعتمد اليوم على حواضر المنزل، وما تجود به الأرض من حشائش خضراء، وسط تصاعد مستمر للأسعار دون مراعاة الفقراء”، مشيرةً إلى وجود عائلات في قريتها لم تعد تقوى على شراء الخبز وتعتمد على مساعدات الأهالي.

وإلى ذلك، يؤكد تقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة في فبراير 2026، وصول تكلفة سلة السلع الغذائية الرئيسية الصغيرة والمتوسطة في سوريا إلى 169 دولاراً تقريباً، مما يعكس الأثر السلبي البالغ لأي زيادة جديدة في أسعار المواد الغذائية في سوريا.

الأسعار في دمشق واللاذقية

ترتفع أسعار المواد الغذائية في دمشق أيضاً، فقد سجل سعر السكر الفرط نحو 9000 ليرة سورية، فيما ارتفع كيلو العدس المجروش إلى 14000 ليرة، أما ليتر الزيت النباتي فقد وصل إلى 26000 ليرة، فيما سجل سعر الأرز المصري 11500 ليرة، والبرغل 8500 ليرة.

بالنسبة لأسعار الخضراوات والفواكه، فقد سجل سعر الموز في سوق باب سريحة نحو 15000 ليرة، والعوجة 5000 ليرة، فيما وصل سعر البرتقال إلى 17000 ليرة، أما الفريز فقد بلغ سعر الكيلو 13000 ليرة.

وصل سعر الزيت النباتي في مدينة اللاذقية إلى 27000 ليرة سورية، في حين ارتفع سعر كيلو الأرز إلى 12000 ليرة، أما بالنسبة للخضروات، فيبدأ سعر كيلو البطاطا من 6 آلاف وما فوق حسب المنطقة، حيث يصل السعر في بعضها إلى 9 آلاف ليرة سورية، فيما سجل الليمون السعر الأعلى تقريباً بين المحافظات فقد تراوح بين 20 و22 ألف ليرة.

ضريبة الحاجة والتضخم سلوكي

تكشف القفزات الجديدة في أسعار المواد الغذائية في سوريا والتي تتخطى عتبة 20% خلال أسابيع، اختلالاً واضحاً في آليات التسعير، حيث لم تعد الأسعار تعكس بشكل دقيق توازن العرض والطلب، فالمواد متوافرة وفقاً للجهات المعنية، مما يجعلها رهينة لما يسميه الخبراء بضريبة الحاجة التي يسببها التجار، نتيجة لتأرجح سعر الصرف وارتفاع تكاليف الشحن (أسباب هيكلية وتشغيلية)، وهذا ما يفسر بقاء الأسعار مرتفعة في حال ارتفاع الدولار، مقابل استقرارها عند هبوطه، حيث شهدنا انخفاضاً طفيفاً له يوم الخميس بنسبة 5%، دون تأثير على أسعار السوق.

وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي مظهر يوسف عبر دراسته الأخيرة، أن أسعار الأسواق المحلية لن تتأثر بانخفاض الدولار الطفيف، مشيراً إلى أن التسعير قائم على الحاجة، فالمواد الأكثر حاجة تسجل ارتفاعاً أكبر، مما يعكس غياب الشفافية والرقابة الفعالة وإفساح المجال للهياكل الاحتكارية.

في حين يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية بشكل متسارع يعود إلى ما يسمى “بالتضخم السلوكي”، وهذا ما يسببه التجار نتيجة للتوقعات المسبقة بموجة الغلاء أو رغبةً بتحقيق “هامش أمان” أي التخطيط للمحافظة على هامش الربح في تقلب أوضاع السوق، مشيراً إلى أن أثر هذا النوع من التضخم أكبر من تأثير ارتفاع سعر الصرف.

الاستيراد حلّ أم علّة؟

يؤكد عضو مجلس إدارة غرفة دمشق، حمزة جبان، أن فتح الاستيراد هو الحل المنطقي لارتفاع أسعار المواد، مشيراً إلى أن توافر المواد هو الأساس الذي يخلق المنافسة، مما يؤدي إلى تفاوت الأسعار واتجاه المواطن نحو السعر الذي يناسبه، وهذا ما تسعى الحكومة لتحقيقه.

ويوضح جبان أن التجار يضطرون إلى عدم التقيد بهامش ربح، نتيجة لبرود الأسواق في بعض الحالات، ولكن ذلك لا يعني أنه يستطيع البيع على مزاجه، فهو محكوم بالمنافسة التي يفرضها الاستيراد، يبقى على المواطن معرفة المحلات التي تناسب قدرته الشرائية، وفقاً لقوله.

في المقابل، يعتقد العديد من الخبراء أن سياسة الاستيراد وإغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة هي العلة الأساسية للسوق المحلي، كونها أتت دون دراسة منطقية تضبط السوق وتراعي تحقيق المنافسة العادلة مع المنتج الوطني، بالتالي تحمل في طياتها آثاراً بالغة الخطورة على الاقتصاد السوري وفقاً لرأيهم.

وهذا ما يراه الخبير الاقتصادي جورج خزام، الذي يحذر مراراً وتكراراً من الأثر السلبي للاستيراد على الاقتصاد المحلي والأسواق، حيث يؤكد أن زيادة الطلب على الاستيراد، ستؤدي إلى فقدان المزيد من العملة الصعبة وارتفاع قيمتها مقال تراجع الليرة السورية، مما يسبب بارتفاع أسعار المواد ضمن الأسواق وإرهاق جيوب المستهلكين بشكل أكبر.

ويبين خزام في تحليلاته السابقة، أن الصناعة والزراعة هما العمود الأساسي للاقتصاد السوري، وأي إغلاق للمصانع أو أذية بجذور الزراعة سيؤدي حتماً إلى تحويل المواطنين لضحايا فواتير مُرتقبة، في ظل الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي.

أما بالنسبة للتبريرات الرسمية المتكررة حول تأثر قيمة الليرة السورية بالظروف الإقليمية، فيوضح الباحث الاقتصادي محمد العلبي أن السبب الرئيسي يكمن في الاختلال البنيوي الداخلي ولا علاقة مباشرة بالنزاع الإقليمي، فهي عوامل ثانوية ليس إلا، مؤكداً أن الاقتصاد السوري يُصنف من أقل الاقتصادات ارتباطاً بماهية الأسواق العالمية، وأن الخطأ يكمن في الداخل والسياسات الاقتصادية القائمة على تعزيز تبعية البلاد للخارج.

ارتفاع أسعار المحروقات

ويعزو عدد من التجار ارتفاع أسعار المواد الغذائية في سوريا إلى زيادة أسعار المحروقات، التي تؤثر على كافة القطاعات، نتيجة لكونها المحور الرئيسي في عمليات الإنتاج والتوزيع، وهذا ما يشكل مزيداً من الأعباء المعيشية التي يعانيها المواطنون.

وقد سجلت أسعار المحروقات ارتفاعاً جديداً يوم الأربعاء الماضي، حيث وصل سعر ليتر المازوت إلى 100.125 ليرة سورية بدلاً من 88.125 ليرة، كما صعد سعر البنزين أوكتان 90 إلى 113.475 ليرة مقارنة بـ 99.875 ليرة قبل الارتفاع، فيما سجل البنزين أوكتان 95 121.485 ليرة مقارنةً بنحو 106.925 ليرة.

كما طالت الزيادة أسعار أسطوانات الغاز، حيث وصل سعر الأسطوانة المنزلية إلى 1401.75 ليرة، أما الأسطوانة الصناعية فقظ سجلت نحو 2242.8 ليرة سورية، وتعكس هذه الأسعار تجاوزاً بنسبة 10% في شهر واحد.

الحلول المقترحة

وفقاً لرؤية خبراء الاقتصاد فإن الحل لم يعد مرتبطاً بسعر الدولار، بل في تنظيم الداخل عبر تشديد الرقابة على الأسواق وتحديد تسعيرة واضحة، حيث يشير الباحث مظهر يوسف، إلى أن كبح جماح الأسعار يكمن في تفكيك الهياكل الاحتكارية والعمل على تشكيل بيئة اقتصادية ذات منافسة عادلة وحقيقية، مع تقوية الإنتاج المحلي وخفض التكاليف التشغيلية والإنتاجية.

وهذا ما يتفق عليه معظم الخبراء مثل جورج خزام ومحمد العلبي، اللّذين يشددان على ضرورة وقف الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي وعدم قتله بإغراق الأسواق بالمنتجات الأجنبية المستوردة، منعاً لترسيخ تبعية الاقتصاد الوطني للخارج، وتحقيق مصالح البلدان المُصدرة على حساب مستقبل الصناعة الوطنية.

يبدو أن هناك فجوة واضحة بين الرؤية الرسمية لإيجابيات الاستيراد والواقع المعيشي الذي يشهد ارتفاعاً مستمراً بأسعار المواد الغذائية في سوريا، مما يضع عدة علامات استفهام حول السياسات الاقتصادية وأدواتها مع تغييب الدعم عن العمود الإنتاجي المتمثل بالزراعة والصناعة وفقاً لما يصفه الخبراء، وفي هذا الإطار: يبقى السؤال مفتوحاً: هل الاستيراد حلّ أم علّة؟

اقرأ أيضاً: دير الزور: مدن فوق آبار النفط لكن تحت خط الفقر!

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.