بقلم: ريم ريّا
“أي تجربة ديمقراطية في سوريا ستستقدم جحافل خارجية، لأن القوى الخارجية لن تقبل بسوريا دولة ديمقراطية”. من هذا المنطق، عبّر أحد السياسيين السوريين الحاليين مبرراً غياب الديمقراطية عن سوريا في الوقت الراهن.
البلد الذي تم طيّ سؤال الديمقراطية فيها لعقود، لا بوصفه مسألة داخلية تتعلق بحقوق السوريين، بل كخطر خارجي يهدد “السيادة”! إنها نفس التبريرات والحجج ذاتها لكن بوجوه أخرى. لكن المفارقة اليوم، أن هذا القول يفترض ضمنياً أن الشعب السوري غير معني بقراره، وأن السياسة حكر على قوى دولية تتصارع فوق أرضه.
من هذا التصريح يمكن أن ننطلق إلى السؤال التالي: “هل تصلح سوريا لأن تكون دولة ديمقراطية؟” وإن كان الجواب نظرياً “نعم”، فلماذا تُوَاجه هذه الفكرة دوماً بالرفض أو التشكيك، سواء من قوى داخلية أو من قوى دولية تزعم دعم الديمقراطية؟
هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً. بعد سقوط النظام السابق، أصبحت مسألة شكل الحكم جوهر الصرع السوري نفسه “كيف تُحكم البلاد، وبأي أدوات، ومن يملك القرار؟”، وكيف يمكن منع إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة ووجوه جديدة تنطق كما كان ينطق أسلافها، هل الصيغ سيتم قولبتها بقوالب دينية أم عسكرية أم “ثورية”. في هذا المقال سنفكك عُقد الديمقراطية في سوريا، محاولين مقاربة الواقع والبناء عليه.
هل الديمقراطية.. ضَرب “المستحيل” السوري!
تظهر الأدبيات السياسية أن السياسة عموماً والديمقراطية خصوصاً وكتبسيط لمفهومها، ليست وصفة جاهزة، بل هي فن تدبير ما لا يقبل الحكم بسهولة، كالمجتمعات الكبيرة المتنوعة، المصالح المتناقضة، الهويات المتداخلة. من هذا المنظور لا تبدو سوريا استثناءً بل حالة فيها بعض التعقيد. علينا أن ننظر إلى مجتمعات أكثر تنوعاً لنفهم بأنّ سوريا بسيطة من هذا المنظور.
في معرض حديثنا عن الديمقراطية في سوريا، لندخل في صلب الواقع السوري ونحلل عقل المواطن السوري وكيف ينظر إلى الديمقراطية.
في حوارات عديدة ولقاءات مع الرأي العام السوري سواء بالشارع أو بلقاء متلفز، عند السؤال عن الديمقراطية يتوحد أغلب المواطنين على أن الديمقراطية تعني “حكم الأغلبية العددية”، وبالحقيقة هذا النمط من التفكير ناتج عن غياب صبغة العمل السياسي عن الواقع السوري لعقود طويلة. فأبسط مفهوم للديمقراطية يعني: “أن يملك الناس حق اختيار من يحكمهم، وحق محاسبته، وحق تغييره من دون عنف”.
فالديمقراطية في أبسط أشكالها لا تعني أن الناس متفقون، بل تعني أنهم يختلفون دون أن يقتل بعضهم بعضاً، ولا تعني حكم الأغلبية كما هو سائد، بل تعني أن الأغلبية تحكم مع ضمان حقوق من هم خارجها، لكن دون حصر الأغلبية بسياقات مختلفة وبعيدة عن السياق السياسي والعمل السياسي المُنظم.
فالديمقراطية التي تحتاجها سوريا لا تقوم على حكم الأغلبية العددية، بل على توسيع دائرة الفاعلين السياسيين، بحيث يصبح المواطن أيّاً كان انتماؤه الديني أو القومي، شريكاً في القرار وقادراً على المساءلة والتغيير. وهي بهذا المعني مشروع مفتوح، لا يكتمل، ولا يختزل في صندوق اقتراع، رغم أهمية صندوق الاقتراع لاتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية التي تريدها هذه الأغلبية، وعدم أهميته في منح أو حرمان الناس من حقوقهم الأساسية. هذا ما ذهبت إليه الأمم المتحدة في شرعتها، وبقية اتفاقاتها.
اخترنا تبسيط مفهوم الديمقراطية وإعادة تعريفها انطلاقاً من مفهوم العقل السوري الحالي لها، ليكون إعادة التعريف “العنوان العريض”، الذي سوف نبني عليه العوامل التي تحتاجها سوريا لتكون دولة ديمقراطية بالفعل، فدون توضيح لمعنى الديمقراطية “الحقيقي” لا “السائد شعبوياً”، لا نستطيع البناء على الواقع ولا معرفة المعوقات ولا الاستفادة من العوامل المؤهلة لدولة ديمقراطية، فالخطر الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم ليس “فشل الديمقراطية”، بل استبدال “مستحيل سياسي” بآخر.
اقرأ أيضاً: عبيدة نحاس: «التدين الشامي» هوية سورية… والديمقراطية قادمة دون محاصصة
الخمسينيات نقطة مرجعية “لسوريا الديمقراطية”
بعكس السردية الشائعة، أن سوريا دولة بلا تجربة ديمقراطية، فالحقيقة أن سوريا اختُطفت من الديمقراطية.
بين عامي 1950 – 1958، شهدت البلاد مرحلة تعددية سياسية “نسبياً” بدستور أقرّ عام 1950، وانتخابات برلمانية تعددية، وصحافة نشطة، ونقابات مستقلة. انتهت هذه المرحلة مع تصاعد الانقلابات العسكرية، ثم الوحدة مع مصر عام 1958، وصولاً إلى انقلاب البعث عام 1963.
الغرض من الرجوع إلى الخمسينيات، هو التقاط الفرق بين عقلية المواطن السوري في الخمسينيات وعقلية المواطن اليوم، نقاش العقلية ليس نقاشاً “بالوعي الفطري”، بل بالبنية السياسية والاجتماعية. ففي مرحلة الخمسينات وجدت طبقة وسطى فاعلة، ونخب سياسية مدنية، ومجال عام مفتوح نسبياً.
أما اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود من الحكم الأمني، تآكلت هذه الطبقة، وتحوّل المواطن السوري إلى كائن منزوع السياسة، مشغول بالبقاء والبحث عن لقمة العيش، لا بالمشاركة.
هذا التحول ليس رأياً إنشائياً، لأنه وبحسب استطلاع واقع القوى الديمقراطية في سوريا أجراه “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة” عام 2025، وشمل فيه 174 مشاركاً من النخب السياسية والثقافية و15 مقابلة معمقة، يرى 75% من المشاركين أن القوى الديمقراطية ضعيفة التأثير، ويعزو 61% ذلك إلى غياب الحاضنة الشعبية، فيما يشير 51% إلى الانقسامات الداخلية. كل هذه الأرقام تعكس فجوة عميقة بين الخطاب الديمقراطي والنسيج الاجتماعي الفعلي.
نظرة السوريين إلى الديمقراطية اليوم.. وما المطلوب منهم ؟
هناك استطلاع مهم أجراه “البارومتر العربي” وهو شبكة أبحاث غير ربحية، بالتعاون مع مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، ووصف هذا الاستطلاع بأنه أول استطلاع رأي شامل على الإطلاق داخل سوريا في الفترة من 29 أكتوبر إلى 17 نوفمبر 2025، بالتعاون مع شريك محلي “آر إم تيم إنترناشونال“. من المفيد إلقاء الضوء على الاستطلاع.
نتائج الاستطلاع أفادت بأن، معظم السوريين لا يرون النظام الحالي ديمقراطياً تماماً، لكن 71% يعتقدون أن الديمقراطية رغم مشاكلها أفضل من البدائل. 29 محققاً ميدانياً أجروا مقابلات وجهاً لوجه مع 1229 شخصاً بالغاً، تم اختيارهم عشوائياً، في مكان إقامة كل مشارك، وكان الحديث باللغتين العربية والكردية.
الديمقراطية في وعي الشارع السوري اليوم، ليست مفهوماً نظرياً متماسكاً، بل مزيج من تطلعات عامة للعدالة والكرامة، وخوف عميق من الفوضى، وتجربة طويلة مع سلطة سابقة استخدمت شعارات “الشعب” لتبرير القمع.
والسوري اليوم جلّ تفكيره بتأمين العيش، لا بالانتخابات، وهذا لا يعني رفضاً للديمقراطية، بل غياباً لشروطها الاجتماعية. وهذا ما يجعل أي انتقال ديمقراطي منفصل عن إعادة بناء الاقتصاد والخدمات انتقالاً هشاً قابلاً للارتداد.
لكن وبعيداً عن الخطاب “الليبرالي”، الذي يفترض “مواطناً جاهزاً”، ما هو مطلوب من المجتمع السوري اليوم، نقاط رئيسية يجب عدم الخروج عنها، أولها إعادة تسيس المجتمع بشكل تدريجي، لا بشعارات براقة وكبرى كما السابق، بل من خلال قضايا محلية ملموسة ومُنظمة تتم المطالبة فيها بشكل سياسي وبصبغة سياسية بحته لا صبغة غيرها.
النقطة أو الخطوة الثانية، تتمثل في السعي لبناء تمثيل محلي، انطلاقاً من انتخابات البلديات، في إطار اختبار الديمقراطية في أضيق مستوى لها، يمكن ضبطه والمساءلة فيه. النقطة الثالثة، كسر منطق الغلبة سواء “بالدين أو الثورة أو المظلومية”، أو أي مصطلح يسعى للتحشيد لا البناء، فالديمقراطية إن أراد الشعب انتهاجها، لا تبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق اختلاف الآراء والمواقف لكن الوجهة واحدة “البناء لا غير”.
ما المطلوب من الدولة في سوريا لتحقيق الديمقراطية
وفق استطلاع مركز الشرق العربي 2025 حول سيادة القانون والعدالة والشرعية في سوريا والتي هي من واجبات الدولة، في مقياس سيادة القانون، يرى 47% أن الدولة تطبق القانون على الجميع إلى حدٍ كبير، بينما يعتبر 30% أنها تميز لمصلحة بعض الفئات، ويقول 12% إن التطبيق غير موجود إطلاقاً، ونحو 11% لا يعرفون أو رفضوا الإجابة.
تُظهر هذه النسب أن شرعية الدولة اليوم تُختبر يومياً في نقاط الاحتكاك، من خلال تقييم التعامل مع مجرمي الحرب أيام النظام البائد، والتعامل مع تجاوزات العناصر الأمنية الرسمية، وتقييم الاستجابة للطوارئ الأمنية الحاصلة في البلاد، وتقييم الخدمات الأمنية والشرطية الداخلية.
بينما أعرب المواطنون وفقاً لاستطلاع “البارومتر العربي“، أن الأمن لا يزال مصدر قلق كبير. 94% يشعرون بالأمان في أحيائهم، لكن تأمين احتكار السلاح يأتي في المرتبة الثانية بين التحديات الوطنية. 74% يريدون جمع السلاح من الجماعات المسلحة غير النظامية، و78% من الأفراد غير المرخص لهم. 63% يرون الخطف تهديداً خطيراً.
فالمطلوب من الدولة اليوم، ومن منظور واقعي، أن تؤمن الحاجات الأساسية أولاً، بدءاً من الأمن مصدر القلق الأول للشعب السوري حالياً، والعائق الأول لأي تجربة ديمقراطية يمكن أن تولد، وغيابه هو عامل تهديد أولي قبل أي تهديد خارجي. فهناك أغلبية ساحقة تعارض العنف خارج القانون، و9% فقط يرون أن الإجراءات خارج القضاء أكثر عدلاً، و19% يرونها أسرع. إلى جانب تأمين الغذاء والعمل، فمن دون ذلك تبقى الديمقراطية شعاراً فارغاً.
الخطوة الثانية التي تحتاجها الدولة في سوريا لإحقاق الديمقراطية، هي تحرير الحقل السياسي من الهيمنة الأمنية والعسكرية، وهذا ما كان خلاصة تقرير “القوى الديمقراطية الصادر عن المركز العربي للدراسات”، فأولويات تفعيل هذه القوى حسب استطلاع المركز، تمثّلت في تحسين التواصل مع المواطنين السوريين، عبر الإعلام والمنصات الرقمية، تم التصويت عليها بنسبة (65%)، وتطوير رؤية سياسية واضحة ومشتركة على الدولة تبنيها، بنسبة (55%)، وتشكيل قيادة تمثيلية جامعة، بنسبة (32%).
وقد أبدت غالبية المشاركين (75%) تأييداً لتشكيل قطب ديمقراطي موحد، لكن معظمهم اشترط وجود بيئة تنظيمية شفافة وضمانات للمشاركة. وفضّلت الغالبية نموذج تحالف مرن وتعددي يحترم استقلالية الأطراف، بنسبة (89.5%)، بدلاً من الانصهار في حزب واحد.
أكثر السيناريوهات ترجيحاً لمستقبل القوى الديمقراطية هو التوحيد التدريجي، بنسبة (47%)، يليه استمرار التشرذم والتراجع، بنسبة (33%)، في حين رجّحت نسبة 19.5% بروز قيادة جديدة توحد هذه القوى.
خلص التقرير إلى أن تفعيل القوى الديمقراطية في سورية مرهون بتحرير الحقل السياسي من الهيمنة الأمنية، ودعم الطبقة الوسطى، وتجديد النخب، وبناء مشروع وطني جامع يقوم على التعددية والبرامج العملية لا الأيديولوجية. ويوصي التقرير بتشكيل تحالف ديمقراطي مرن، وإطلاق ميثاق وطني جامع، وإصلاح البيئة القانونية والدستورية بما يضمن الحريات السياسية والتعددية، إلى جانب إعادة الاعتبار لمنظمات المجتمع المدني، وتوسيع قنوات التواصل مع السوريين في الداخل والخارج.
كما أن على الدولة في سوريا، في حال كان هناك تربص أو تأثير خارجي على شكل نظام الحكم في البلاد، فيجب عليها إدارة العلاقة مع الخارج ببراغماتية، عبر تنويع الشراكات الدولية، وعدم ربط شرعية الحكم برضا قوة دولية واحدة.
القوى الخارجية والديمقراطية “المد الوردي” نموذجاً
لنجعل السؤال عن موقف القوى الخارجية لاسيما “أمريكا” حول وجود تجربة ديمقراطية في سوريا واقعياً ونقرأه، تجربة “المد الوردي” في أمريكا اللاتينية تقدم مثالاً واضحاً. منذ بداية هذا القرن تم انتخاب حكومات يسارية في فنزويلا، بوليفيا، البرازيل، وغيرها، رفعت شعارات العدالة الاجتماعية وتقليص النفوذ الأميركي.
في البرازيل مؤخراً، وبعد فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في انتخابات 2022، شهدت البلاد 8 كانون الثاني 2023 اقتحام أنصار الرئيس السابق جايير بولسونارو، لمقرات الكونغرس ولمحكمة العليا والقصر الرئاسي.
رغم دعم الأمريكيين لحكومة بولسونارو، وتوصل المحكمة العليا في البرازيل إلى أنّ “جهات خارجية منها المخابرات المركزية الأمريكية” ساهمت في إيصاله إلى الحكم بانقلاب برلماني، لم تتمكن الولايات المتحدة من دعم حليفها. الخلاصة من هذه الإضاءة البسيطة التي لا يتسع المقال للإسهاب فيها، فلا أمريكا ولا غيرها من القوى الخارجية التي تعارض الديمقراطية كآلية تستطيع أن تفرض رغبتها متى شاءت.
الخلاصة، السؤال لا يجب أن يكون، هل تصلح سوريا لأن تكون دولة ديمقراطية؟ السؤال الأدق هو: هل يمكن لسوريا أن تُدار من دون ديمقراطية بعد كل ما جرى؟
الديمقراطية هنا ليست ضمانة جاهزة، ولا حلاً سحرياً، لكنها الإطار الوحيد القادر على إدارة التعدد والاختلاف بشكل سلمي، ومنع العنف المنهجي، وإعادة السياسة إلى المجتمع، وصونه من مختلقي الفوضى وأمراء الحرب. أما البدائل، فقد جُرّبت، وكانت كلفتها باهظة بما يكفي لإعادة تجريبها من جديد.. مهما كان القناع الذي ترتديه.