الكاتب: أحمد علي
ليست مشكلة الكهرباء في سوريا مسألة وقود فقط، ولا مسألة توليد فقط، فكلما جرى الحديث عن زيادة الإنتاج أو عن اتفاقات جديدة أو عن تمويل خارجي، عادت التفاصيل الأصغر لتفرض نفسها بقوة أكبر. مواصفات تتغير. مناقصة تتعثر. عدادات تتأخر. أسعار تتبدل قبل أن تستقر أدوات القياس والتحصيل. وهنا لا تبدو الأزمة أزمة نقص كهرباء وحدها، بل أزمة إدارة قطاع كامل تتنازع فيه الحاجة العاجلة مع قرارات فنية وتنظيمية لا تحظى بالثقة نفسها لدى جميع الفاعلين.
هذا ما يجعل الجدل الدائر حول المحولات والقواطع والعدادات أكثر من خلاف مهني ضيق. لأنه يمس قلب السؤال الحقيقي. كيف تُدار كهرباء سوريا في مرحلة يفترض أنها مرحلة إنقاذ وإعادة بناء؟ وهل يجري خفض الفاقد ورفع الكفاءة فعلًا، أم أن القطاع يتحرك بين نقص التمويل، واضطراب التوريد، وتعديلات متلاحقة في الشروط، من دون أن تتشكل بعد قواعد واضحة ومستقرة للسوق وللمؤسسات معًا؟
كهرباء سوريا بين العجز الكبير والقرارات الصغيرة
الصورة العامة معروفة، لكنها تستحق التثبيت قبل الدخول في التفاصيل. البنك الدولي قال في حزيران 2025 إن سنوات الحرب ألحقت بالشبكة الوطنية أضرارًا كبيرة، وإن الكهرباء المتاحة في كثير من المناطق لا تتجاوز ساعتين إلى أربع ساعات يوميًا. وفي الشهر نفسه أعلن عن منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات التحويلية وتقديم دعم فني لمؤسسات القطاع. وبعد ذلك بأسابيع، تحدثت رويترز عن اتفاق لتوسيع الشبكة بنحو 5000 ميغاواط، وهو رقم كبير إذا قيس بمستوى العجز القائم وحجم الطلب المؤجل على الكهرباء في البلاد.
لكن هذه الصورة الكبيرة لا تلغي أن فعالية أي تمويل أو أي قدرة توليد جديدة ستظل مرتبطة بحلقة أقل صخبًا وأكثر حساسية. ما الذي يدخل إلى الشبكة من معدات. بأي مواصفات. وبأي آلية شراء. وبأي درجة من الشفافية. لهذا لا تبدو قصة المحولات والقواطع والعدادات هامشًا على أزمة الكهرباء، بل جزءًا مباشرًا من تفسيرها. فالقطاع قد يحصل على تمويل أو وقود أو وعود استثمارية، ثم يخسر قسمًا من أثرها حين تبقى الإدارة اليومية للسوق وللعقود مضطربة أو محل نزاع.
حين تغيّر المواصفة معنى الكفاءة
التحقيق الذي استندت إليه هذه القراءة، إلى جانب إفادات أخرى منشورة ومفتوحة، يضع في الواجهة قرار تعديل نسب الضياعات المقبولة في محولات 20 على 0.4 كيلوفولت. هنا تبدأ المشكلة من نقطة تبدو تقنية جدًا، لكنها ليست كذلك في النتائج. فالضياعات ليست هامشًا في عمل المحولة، بل هي جزء من كفاءتها الفعلية. وكل رفع للحدود المسموح بها يعني عمليًا قبول محولات أقل كفاءة، حتى لو قُدم ذلك تحت عنوان التكيّف مع واقع الشبكة أو تخفيض الكلفة أو تسريع التوريد.
عاملون في السوق قالوا إن القرار أربك الشركات، وخفّض القيمة الفعلية لمخزونات موجودة، وغيّر الشروط بعد دخول فاعلين إلى السوق على أساس مواصفات كانت مستقرة نسبيًا. وفي المقابل، قالت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء إن القرار استند إلى دراسة فنية أخذت بعين الاعتبار ضعف الشبكة وتقادم المعدات والحاجة إلى تأمين محولات بأسعار أقل وجودة مناسبة، مع الاستناد إلى المعيارين IEC 60076 وIEEE C57 وتبنّي معيار سوري خاص يلائم الظروف المحلية.
المسافة بين الروايتين ليست صغيرة. فمنتقدو القرار يرون أن رفع الضياعات يفتح الباب أمام معدات أدنى كفاءة. ومدير المؤسسة يرى أن التعديل يخفف الفاقد العام ويخدم واقع الشبكة السورية كما هي لا كما يفترض أن تكون. وبين الموقفين يظهر السؤال الأهم. إذا كانت الشبكة متعبة إلى هذا الحد، فهل يكون الحل بخفض سقف الجودة المقبولة، أم بإعلان هذا الواقع بوضوح وربط أي تعديل بخطة انتقالية معلنة زمنًا وهدفًا؟
أهمية السؤال تتضاعف عندما توضع الأرقام على الطاولة. مهندس كهرباء تحدث في التحقيق عن مثال لمحولة باستطاعة 1000 كيلوفولت أمبير، وقال إن الفرق بين ضياعات بنسبة 1.8 في المئة وأخرى بنسبة 2.5 في المئة يمكن أن يعني نحو 7 كيلوواط مهدورة بصورة مستمرة، أي أكثر من 61 ألف كيلوواط ساعي سنويًا. قد يناقش مختصون هذا المثال أو يختلفون في بعض تقديراته، لكن المغزى واضح. الفارق الصغير على الورق يتحول إلى كلفة تشغيلية وفنية متراكمة في بلد يعاني أصلًا من نقص الكهرباء وارتفاع فاقد الشبكة.
المناقصات بين الضرورة والضبابية
المشكلة لا تقف عند المواصفة. فملف التعاقد نفسه يثير أسئلة أخرى. التحقيق نقل عن عاملين في السوق روايات تتعلق بمناقصات قواطع توتر 20 ألف فولت، تبدأ بإعلان أولي بسعر تقديري منخفض لم يتقدم إليه أحد، ثم تنتهي إلى تعاقد بالتراضي بعد رفع السعر بنحو 30 في المئة من 330 دولارًا إلى 420 دولارًا للقاطع الواحد. كما نُقلت تقديرات من شركة تعمل في هذا المجال تقول إن هذا النوع من القواطع يتراوح سعره عادة بين 100 و250 دولارًا بحسب الجودة والمنشأ والحالة، وهو فارق يفسر سبب الجدل أكثر مما يحسمه.
من الناحية القانونية، أوضح محام مختص أن التعاقد بالتراضي بعد فشل المناقصة ممكن في القانون السوري، لكنه مشروط بمحضر رسمي يثبت الفشل، وبمبررات واضحة، وبتسعير موضوعي، وبموافقات إدارية لازمة. هذا يعني أن النقاش لا يجب أن ينزلق تلقائيًا إلى اتهامات غير مثبتة، لكنه يعني أيضًا أن الاكتفاء بالقول إن القانون يتيح ذلك لا يكفي وحده لطمأنة السوق. ما يطمئنها هو نشر المبررات، وإظهار كيفية احتساب السعر، وتوضيح لماذا لم يُعد الإعلان بشكل أوسع إذا كانت المادة متاحة من أكثر من مورد.
المفارقة هنا أن الدولة ما تزال تمسك الجزء الأكبر من سوق المحولات والقواطع الخاصة بالمشاريع الصناعية ومراكز التحويل، بينما تتحدث في الوقت نفسه عن فتح الباب أمام الاستثمار وعن دور أكبر للقطاع الخاص. هذه المعادلة لا تستقيم إذا بقيت الشركات الصغيرة والمتوسطة تتحدث عن سوق مغلقة أو غير مفهومة، وعن شروط تتغير بسرعة، أو عن مشاريع لا تعرف كيف تدخل إليها إلا عبر قنوات ضيقة. السوق لا تحتاج فقط إلى أموال، بل إلى قاعدة لعب مستقرة. ومن دون ذلك، يصبح أي حديث عن المنافسة أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع عمل.
العدادات والتعرفة وإصلاح يبدأ من آخر السلسلة
ما يجري في المحولات والقواطع يتقاطع مع ملف آخر لا يقل دلالة، هو ملف العدادات الذكية والتعرفة. في أواخر 2025 طُرحت مناقصة رقم 4 لعام 2025 لتوريد 6.5 ملايين عداد ذكي تقريبًا مع بنية للقياس المتقدم. لكن المسار نفسه شهد تمديدًا وتعديلًا في شروط التوريد، ثم برز لاحقًا حديث عن إلغاء وإعادة إعلان بصيغة معدلة. بعض المواد المنشورة عن الملف أشارت إلى تعديل مواعيد الإغلاق، وتخفيف بعض شروط الضمان، وإعادة ترتيب جداول التوريد على مدى ثلاث سنوات. المعنى هنا واحد. الإصلاح الذي يفترض أن يبدأ بالقياس الدقيق والتحصيل المنظم ما يزال هو نفسه عالقًا داخل مناقصات متحركة وشروط غير مستقرة.
في هذه الأثناء، قررت وزارة الطاقة تعديل الاستهلاك المنزلي المقدر للقواطع إلى 400 كيلوواط ساعي لكل دورة بدلًا من 800، مع احتساب أول 300 كيلوواط بسعر 600 ليرة لكل كيلوواط والـ100 الباقية بسعر 1400 ليرة. الوزارة قالت إن القرار يهدف إلى تخفيف الضغط على الشبكة وتوحيد طريقة العمل في المحافظات في ظل عدم توفر العدادات الأحادية الطور لعدد من الاشتراكات. القرار يبدو، من هذه الزاوية، إجراءً إداريًا مؤقتًا. لكنه يكشف في الوقت نفسه أن الإصلاح يمضي من طرف الفاتورة قبل أن يكتمل من طرف القياس. أي أن الجباية تتقدم على البنية التي تجعل الجباية أدق وأكثر عدلًا.
وهنا تظهر عقدة أوسع. حين تتأخر العدادات، وتبقى المواصفات محل خلاف، وتتحرك المناقصات بين الإلغاء والتعديل، تصبح السياسة السعرية وحدها أداة غير كافية، بل وقد تتحول إلى أداة تولد نزاعًا اجتماعيًا جديدًا. لأن المواطن أو الصناعي لا يقرأ التعرفة الجديدة بوصفها رقمًا مجردًا، بل بوصفها جزءًا من صفقة كاملة. كم ساعة تأتي الكهرباء. ما مقدار الفاقد. هل تُشترى المعدات بكفاءة. هل السوق مفتوحة. وهل يدفع أكثر مقابل خدمة أفضل فعلًا أم مقابل إدارة ما تزال عاجزة عن ضبط نفسها؟
ما الذي يجري فعلاً
الجواب الأقرب إلى الدقة هو أن قطاع الكهرباء السوري يقف اليوم بين مسارين متداخلين. مسار أول كبير وواضح، عنوانه إعادة الإعمار السريع للقطاع عبر تمويلات ومشاريع وشراكات خارجية ومحلية. ومسار ثانٍ أقل ظهورًا لكنه أكثر حساسية، عنوانه الحوكمة اليومية للقطاع، من المواصفة إلى المناقصة إلى التعاقد إلى الجباية. وما لم يلتق المساران على قاعدة مؤسسية واضحة، فإن أي تقدم في الأول سيبقى مهددًا بالتآكل في الثاني.
من هنا لا تبدو الأزمة أزمة معدات سيئة فقط، ولا أزمة موظفين فقط، ولا أزمة تعرفة فقط. إنها أزمة ترتيب أولويات. هل المطلوب سد النقص بأسرع ما يمكن حتى لو انخفضت المعايير. أم المطلوب استخدام كل عقد وكل مناقصة وكل تعديل مواصفة بوصفه فرصة لرفع الكفاءة لا لتخفيضها. وهل تقاس السرعة بعدد ما يدخل إلى السوق، أم بما يضيفه هذا الداخل إلى عمر الشبكة وكلفتها واستقرارها في السنوات التالية.
القطاع يحتاج إلى كهرباء أكثر، هذا صحيح. لكنه يحتاج أيضًا إلى قواعد أوضح. إعلان فني مفصل يشرح لماذا تغيرت مواصفة الضياعات وما المدة التي ستبقى فيها. نشر أوسع لنتائج المناقصات وأسباب الانتقال إلى التعاقد بالتراضي حين يحدث. جدول واقعي للعدادات الذكية يربط التوريد بجاهزية الاتصالات والشبكات والتمويل. وربط أي تعديل في التعرفة أو التقدير بتحسن قابل للقياس في الخدمة وفي خفض الفاقد. من دون هذا كله، ستبقى القرارات تتراكم مثل حلول منفصلة، بينما تبقى المنظومة نفسها تدور حول المأزق نفسه.
لهذا فإن السؤال عن كهرباء سوريا اليوم لا يبدأ من المعمل أو المحطة فقط. يبدأ من الورقة التي تحدد المواصفة، ومن الجهة التي تضع السعر، ومن الطريقة التي يُعلن بها العقد، ومن قدرة الدولة على إقناع السوق والمستهلك معًا بأنها لا تبحث فقط عن تمرير النقص، بل عن بناء قطاع أكثر كفاءة وقابلية للحياة.
ما يجري في كهرباء سوريا هو أن العجز القديم ما يزال قائمًا، لكن لغة الإصلاح الجديدة لم تتحول بعد إلى قواعد ثابتة. وبين الاثنين تضيع الكهرباء نفسها، وتضيع معها الثقة.
اقرأ أيضاً: الطاقة الشمسية في طرطوس.. تحرك فردي لحل أزمة الكهرباء