الكاتب: أحمد علي
لا يعود المطار إلى العمل لأن طائرة هبطت مرة على مدرجه. تلك صورة مهمة، لكنها لا تكفي. وراءها مدرج يجب أن يخضع للاختبار، وبرج مراقبة، وإنارة ملاحية، وسور، وصالات، ومعدات، وشركات طيران، وقرار تشغيلي لا يحتمل المجاملة.
لهذا لا تبدو أعمال الصيانة في مطار دير الزور خبراً خدمياً عادياً. هي أقرب إلى اختبار لقدرة محافظة كاملة على الخروج من عزلتها الثقيلة. دير الزور لا تحتاج إلى مطار للوجاهة. تحتاجه لأن المسافة مع دمشق طويلة، ولأن الطرق البرية مكلفة ومرهقة، ولأن الشرق السوري لا يمكن أن يبقى معلقاً بين الحاجة إلى الحركة وبطء الوصول.
مطار دير الزور وسؤال العودة إلى الخريطة الجوية
تقدمت أعمال إعادة تأهيل مطار دير الزور المدني خلال الأسابيع الأخيرة إلى مرحلة متقدمة، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي. في 28 نيسان 2026، أوضح مدير الاتصال الحكومي في الهيئة علاء صلال، خلال جولة ميدانية، أن أعمال الصيانة بدأت منذ أكثر من شهرين ونصف، وأن المطار كان مدمراً بنسبة تجاوزت 80 في المئة، بما في ذلك المدارج والبرج وصالات القدوم والمغادرة والسور. كما أشار إلى أن نسبة الإنجاز في الأعمال الإنشائية بلغت نحو 80 إلى 85 في المئة.
هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تعني أن التشغيل أصبح مسألة محسومة. هناك فرق بين أن ينجز جزء كبير من التأهيل، وبين أن يصبح المطار جاهزاً لاستقبال حركة جوية منتظمة. المطار لا يفتح لأن الجدران اكتملت، ولا لأن المدرج صار صالحاً من حيث الشكل. التشغيل المدني يحتاج إلى فحص الأنظمة، واعتماد السلامة، وتجهيز الخدمات الأرضية، والتوافق مع شركات الطيران، وضمان قدرة المنشأة على استقبال الركاب وإدارة الحركة من دون ارتجال.
في 24 نيسان 2026، أوضحت الهيئة أن جزءاً مهماً من تأهيل المدرج والمرافق الأساسية قد أنجز، إلى جانب أعمال فنية أولية على الأنظمة الملاحية. وذكرت أن المرحلة الحالية تركز على استكمال التجهيزات الفنية، وإجراء اختبارات الجاهزية التشغيلية، ورفع كفاءة الخدمات المساندة قبل الوصول إلى التشغيل الكامل. هذه صياغة دقيقة. معناها أن العمل انتقل من إعادة بناء ما تهدم إلى اختبار قدرة ما بُني على العمل فعلاً.
مبنى الركاب والمكاتب الإدارية وصلا، بحسب المصدر نفسه، إلى نحو 90 في المئة من الإنجاز، وبقيت أعمال تشطيب نهائية مثل الدهان واستكمال البلاط وتركيب أجهزة التكييف. أما السور وصيانة المهبط فقد أعلن اكتمالهما، بينما تتواصل صيانة أحد المداخل المؤدية إلى ساحة وقوف الطائرات. أعمال التشجير وبوابة المدخل وصلت إلى نحو 70 في المئة، وتلبيس الحجر للمباني الإدارية ومبنى الركاب إلى نحو 95 في المئة. كما أصبحت أنظمة الإنارة الملاحية جاهزة، بانتظار وصول معدات خاصة لتركيبها ووضعها في الخدمة.
هذه التفاصيل تقول إن المشروع بات قريباً. لكنها تقول أيضاً إن القرب لا يلغي الشروط. المطار الخارج من حرب طويلة يحتاج إلى بداية هادئة، لا إلى إعلان أكبر من قدرته الواقعية.
مطار قديم ودور مؤجل
لا يبدأ تاريخ مطار دير الزور من ورشات الصيانة الحالية. يقع المطار على بعد نحو 4 كيلومترات من مدينة دير الزور، وتقدر مساحته بنحو 3 ملايين متر مربع، مع مدرج بطول 3000 متر وعرض 40 متراً، بحسب بيانات منشورة عن المطارات السورية. وكان مبنى الركاب يستوعب نحو 80 ألف راكب سنوياً. هذه ليست أرقام مطار ضخم، لكنها كافية لمحافظة بقيت لسنوات طويلة خارج شبكة النقل الجوي المنتظم.
في 2 شباط 2025، وصلت طائرة مدنية إلى مطار دير الزور في أول رحلة تجريبية للتأكد من جاهزيته، بعد توقف دام أكثر من 13 عاماً وفق تقارير متطابقة. كانت الرحلة اختباراً رمزياً بقدر ما كانت اختباراً فنياً. فالمدينة التي ارتبط اسمها طويلاً بالحرب والحصار والانقسام رأت طائرة مدنية تهبط من جديد. لكن التجربة لم تتحول فوراً إلى تشغيل منتظم.
هذا مفهوم. الرحلة التجريبية لا تعني فتح المطار. قد تهبط طائرة مرة واحدة لإثبات أن المدرج يستقبلها، لكن التشغيل اليومي يحتاج إلى جدول، ومشغلين، وصيانة دورية، ومراقبة جوية، وخدمات أمنية، وتجهيزات إسعاف وإطفاء، وقدرة على التعامل مع الحالات الطارئة. كما يحتاج إلى سوق سفر قادر على جعل الرحلات مستمرة، لا مجرد حدث احتفالي.
في 2 نيسان 2026، كانت وثيقة تنسيقية صادرة عن كتلة اللوجستيات الإنسانية تشير إلى أن مطار دير الزور ما يزال مغلقاً، بينما كان مطارا دمشق وحلب مفتوحين. هذا الفارق بين التجربة والإغلاق يشرح طبيعة المرحلة. المطار في طريقه إلى العودة، لكنه لم يعد بعد إلى جدول الحركة الجوية المعتادة.
ماذا يعني المطار للشرق السوري؟
أهمية مطار دير الزور لا تأتي من موقعه المحلي وحده. المحافظة تقع في قلب الشرق السوري، وترتبط بريف واسع، وبمدن وبلدات على نهر الفرات، وبطرق نحو البوكمال والحدود العراقية، وبحاجات زراعية وتجارية وخدمية متراكمة. لذلك فإن عودة المطار لا تعني تسهيل سفر الأفراد فقط، بل تعني اختباراً لإعادة ربط منطقة كاملة ببقية البلاد.
الطرق البرية ستبقى أساسية. لا يمكن لأي مطار أن يلغي دورها. لكنها ليست كافية وحدها، خصوصاً في بلد خرجت بنيته التحتية من حرب طويلة. النقل البري يتأثر بالأمن، وبحالة الطرق، وبكلفة الوقود، وبزمن الرحلة. أما النقل الجوي، حتى لو بدأ برحلات محدودة، فيختصر الزمن ويعيد إدخال المحافظة في حسابات الحركة الوطنية والإقليمية.
تقديرات البنك الدولي في تشرين الأول 2025 وضعت كلفة إعادة إعمار سوريا عند نحو 216 مليار دولار، بعد أكثر من 13 عاماً من النزاع. وقدرت الأضرار المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار. هذه الأرقام تضع مطار دير الزور في سياقه الصحيح. هو مشروع واحد داخل فاتورة ضخمة، لكنه مشروع ذو دلالة لأنه يربط بين إعادة الإعمار والخدمة اليومية والاقتصاد المحلي.
يمكن للمطار أن يخدم المرضى والطلاب والتجار والعاملين والمنظمات وشركات الخدمات. ويمكن أن يدعم حركة الشحن الخفيف واللوجستيات إذا جرى تطويره لاحقاً. لكنه لن يصنع وحده نهضة اقتصادية. هذه مبالغة. ما يستطيع فعله هو فتح مسار. أما بقية الطريق فتحتاج إلى كهرباء، وطرق، ومياه، وخدمات، وأمن، واستثمار، وإدارة محلية قادرة على تحويل الربط الجوي إلى فائدة ملموسة.
ما بين الصيانة والتشغيل
تعلن الأرقام تقدماً واضحاً، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الحاسم. متى تبدأ الرحلات؟ حتى الآن، لا يظهر من المصادر الرسمية تاريخ نهائي معلن لعودة التشغيل التجاري المنتظم. هناك حديث عن الإسراع، وعن العمل على مسارين متوازيين. الأول صيانة المطار وتجهيزه ووضعه في الخدمة، والثاني التواصل مع الشركات العاملة لإعادة تفعيله كمطار دولي يخدم المحافظات الشرقية.
رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري قال إن أكثر من 80 في المئة من أعمال التأهيل أنجزت، وإنه جرى الحصول على موافقات مبدئية من شركتين إقليميتين للدخول في مرحلة التقييم والتشغيل عند انتهاء إعادة التأهيل. وذكر أيضاً أن الهيئة تعمل على التواصل مع شركات طيران إقليمية، وأن الشركات الوطنية ستدرج المطار ضمن شبكة وجهاتها على مستوى الرحلات الداخلية أو الإقليمية.
هذه النقطة مركزية. تشغيل المطار لا تحدده الورشات وحدها. تحدده أيضاً شركات الطيران. فإذا اكتمل المبنى وبقيت الشركات مترددة، سيبقى المطار جاهزاً أكثر مما هو عامل. وإذا بدأت الرحلات قبل اكتمال منظومة الخدمات، قد يتحول الافتتاح إلى ضغط إداري وتشغيلي. النجاح يحتاج إلى توازن بين الرغبة في الإسراع وبين احترام شروط السلامة والجدوى.
العودة الواقعية قد تبدأ تدريجياً. رحلة داخلية محدودة، ثم اختبار انتظام التشغيل، ثم توسيع الوجهات إذا ثبت الطلب ونجحت الخدمات الأرضية. هذا المسار أقل صخباً، لكنه أكثر أماناً. المطار الخارج من ضرر واسع لا يحتاج إلى قفزة دعائية، بل إلى تشغيل مستقر يستطيع الناس الاعتماد عليه.
مطار دولي أم مطار يخدم الناس أولاً؟
ترد في التصريحات الرسمية إشارة إلى إعادة تفعيل المطار كمطار دولي يخدم المنطقة الشرقية. الوصف طموح ومفهوم، خصوصاً أن دير الزور قريبة من مسارات إقليمية ومن الحدود العراقية. لكن تحويل المطار إلى عقدة دولية يحتاج إلى شروط لا تختصر بالاسم. يحتاج إلى تجهيزات، واعتمادات، وخدمات جوازات وجمارك، واتفاقات تشغيل، وربط بري جيد حول المطار، وقدرة على تأمين المسافر والبضائع.
قد يكون الأجدى في البداية أن يقاس النجاح بقدرة المطار على خدمة سكان المحافظة بانتظام. رحلة داخلية مستقرة بين دير الزور ودمشق قد تكون أكثر قيمة من إعلان دولي واسع لا يستند إلى حركة فعلية. وربما تأتي الرحلات الإقليمية لاحقاً إذا أثبت المطار قدرته، وإذا وجدت الشركات أن الطلب موجود وأن التشغيل مجد اقتصادياً.
لا ينبغي التقليل من الطموح، ولا المبالغة فيه. المنطقة الشرقية تحتاج إلى بوابة جوية، وهذا صحيح. لكنها تحتاج أيضاً إلى بوابة تعمل بانتظام، لا إلى عنوان كبير يتعثر عند أول اختبار. المسافر لا يسأل كثيراً عن التصنيف إذا كانت الرحلة موجودة، والتذكرة معقولة، والخدمة مستقرة، والمواعيد محترمة.
المطار كاختبار للثقة
تضرر المطار بأكثر من 80 في المئة، وفق تصريحات الهيئة. هذا الرقم وحده يشرح حجم المهمة. فعندما تتضرر المدارج والبرج والصالات والسور، لا تكون الصيانة مجرد ترميم جزئي. هي إعادة بناء ثقة بمنشأة كاملة. والثقة في قطاع الطيران لا تبنى بالكلام، بل بالإجراءات.
المسافر يريد أن يعرف أن المدرج صالح، وأن الإنارة تعمل، وأن المراقبة الجوية قادرة، وأن خدمات الطوارئ حاضرة، وأن الرحلات لن تعلن ثم تلغى بلا تفسير. شركات الطيران تريد ضمانات تشغيلية ومالية وأمنية. والسلطات تريد أن تظهر قدرة على إعادة المرافق الحيوية إلى الخدمة، من دون أن تضع نفسها أمام تعهدات لا تستطيع تنفيذها بسرعة.
هذه الحلقة حساسة. إذا أعلن الافتتاح قبل اكتمال الاختبارات، قد تتضرر الثقة. وإذا تأخر الإعلان بلا توضيح، قد يشعر الناس أن المشروع عالق. لذلك تحتاج الهيئة إلى معلومات منتظمة ومحددة. ليس بالضرورة أن تعلن كل تفصيل فني، لكن عليها أن تقول أين وصلت الأعمال، وما الذي بقي، وما المتوقع في المرحلة التالية. الوضوح هنا جزء من الخدمة.
الناس في دير الزور اعتادوا وعوداً كثيرة. لذلك لا يكفي أن يقال إن المطار سيعود قريباً. المهم أن يروا خطوات قابلة للقياس.
الطريق إلى الخريطة الجوية
عودة دير الزور إلى الخريطة الجوية ليست حدثاً واحداً. هي مسار يبدأ من التأهيل، ويمر بالاختبار، ثم التشغيل المحدود، ثم الانتظام. كل مرحلة لها شروطها. والخطر أن تخلط المراحل في خطاب واحد، فيبدو المطار كأنه عاد قبل أن يعود فعلاً.
تحتاج المحافظة إلى مطارها. هذه حقيقة لا تحتاج إلى تزيين. لكن الحاجة لا تلغي ضرورة التدقيق. إذا عاد المطار برحلات داخلية منتظمة، فسيكسر جزءاً من العزلة. وإذا نجح في جذب رحلات إقليمية لاحقاً، فسيضيف بعداً اقتصادياً ولوجستياً. وإذا بقي مشروعاً مؤهلاً بلا تشغيل ثابت، فسيصبح مثالاً آخر على الفارق بين البناء والاستخدام.
الفرق هنا جوهري. فالبنية التحتية لا تكتمل عند انتهاء الإسمنت والدهان. تكتمل حين تدخل في حياة الناس، وحين تتحول من منشأة صامتة إلى خدمة تعمل.
مطار دير الزور يقترب من لحظة مهمة، لكنه لم يصل بعد إلى الجواب النهائي. إنجاز 80 إلى 85 في المئة من الأعمال الإنشائية، ووصول مبنى الركاب والمكاتب الإدارية إلى نحو 90 في المئة، واكتمال السور وصيانة المهبط، كلها مؤشرات جدية على تقدم المشروع. لكنها تبقى مؤشرات، لا إعلان تشغيل.
قد تعود المحافظة إلى الخريطة الجوية إذا اكتملت الاختبارات الفنية، ووصلت المعدات المتبقية، ودخلت شركات الطيران على خط التشغيل، وبدأت الرحلات بطريقة تدريجية قابلة للاستمرار. أما إذا بقيت العودة معلقة بين تصريحات التفاؤل وانتظار الجاهزية، فسيظل المطار قريباً من العمل، لا عاملاً.
دير الزور لا تحتاج إلى خبر افتتاح فقط. تحتاج إلى رحلات منتظمة. هناك فقط يصبح المطار أكثر من مشروع صيانة، ويصبح علامة على أن الشرق السوري بدأ يستعيد صلته بالبلاد من السماء أيضاً.
اقرأ أيضاً: دير الزور: مدن فوق آبار النفط لكن تحت خط الفقر!