بقلم: ريم ريّا
في ظلّ حالة عدم الاستقرار الدولي التي تتسم بتنافس حادّ على النفوذ وممرات الطاقة، سلط منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026 الضوء على سعي العالم الدؤوب لإيجاد سبل لإدارة الفوضى بدلاً من الاستسلام لها. ومع مشاركة عشرات الدول في مناقشة الأزمات من أوكرانيا إلى غزة، برزت سوريا كأحد أبرز الفاعلين، ليس فقط كساحة معركة كما توقع العالم، بل أيضاً كفاعل يسعى لإعادة تعريف مكانته الإقليمية من خلال دمج الدبلوماسية والاقتصاد وسلاسل التوريد.
منتدى أنطاليا.. منصة دبلوماسية في زمن عدم اليقين
يعقد منتدى أنطاليا الدبلوماسي سنوياً في تركيا، وهو منصة دولية تجمع رؤساء الدول ووزراء الخارجية وصناع السياسات لمناقشة أبرز التحديات العالمية. ويحمل المنتدى في دورته لعام 2026 شعار “مواجهة عدم اليقين لرسم ملامح المستقبل”. ولا يقتصر هذا الشعار على كونه مجرد شعار، بل يعكس واقعاً دولياً تتداخل فيه الأزمات الأمنية والاقتصادية، حيث أصبحت سلاسل الطاقة والإمداد أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القوة العسكرية.
لا يصدر المنتدى قرارات ملزمة، بل يوفر مساحة للحوار غير الرسمي والاجتماعات الثنائية، مما يجعله بيئة مواتية لفتح قنوات سياسية بين مختلف الأطراف. وتبرز أهميته بشكل خاص بالنسبة لدول مثل سوريا، التي تسعى إلى إعادة تموضعها في النظام الإقليمي والاستفادة من هذه المنصة التي تمكنها من التحرر من التبعات التقليدية.
اقرأ أيضاً: ماذا تقول دروس الجلاء عن معضلات الانتقال السوري اليوم؟
أجندة سوريا في أنطاليا.. خمس قضايا تعكس تحولاً استراتيجياً
خلال الاجتماع، عرضت سوريا نهجاً شاملاً يركز على خمس قضايا رئيسية تعكس تحولها من متلقٍ سلبي للأزمات إلى فاعلٍ مؤثر في حلها. ووفقاً لتصريح الباحث في وزارة الخارجية، عبيد غضبان، تركزت المناقشات على المحاور التالية:
أولاً، نهج سوريا تجاه عدم الاستقرار الإقليمي ودورها المحتمل في معالجته، مع التأكيد على تبني سياسة “الحياد الإيجابي”. ويمثل هذا محاولة واضحة لتقديم نفسها كقوة توازن لا كمصدر للصراع.
ثانياً، قضية الأمن الغذائي، وممرات الطاقة، وشبكات الاتصالات. وقد رسخت دمشق مكانتها كحلقة وصل جغرافية واستراتيجية بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الذي يربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.
ثالثاً، قضية الاستثمار وإعادة الإعمار الاقتصادي، مع التركيز على استقطاب التحالفات الدولية ورفع مستويات الدخل القومي، على الرغم من التحديات التي تفرضها العقوبات وضعف النظام المالي.
رابعاً، الوثيقة المتعلقة بالأمن الداخلي، ولا سيما الاتفاقيات مع قوات سوريا الديمقراطية وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية في سياق تعزيز الاستقرار الداخلي.
خامساً، الأجندة السياسية والدولية، والتي تشمل الانتقال السياسي، والتطوير المؤسسي، وتيسير عودة اللاجئين، فضلًا عن قضية العدوان الإسرائيلي وتعثر المفاوضات.
لا يبدو أن هذه الأجندة جاءت من قبيل الصدفة، بل تعكس محاولةً لتشكيل خطاب وطني يهدف إلى استعادة دوره، رغم أن الطريق أمامه محفوف بالعقبات.
سوريا وسلاسل الإمداد.. من الجغرافيا إلى الجيوسياسة
من أبرز جوانب النهج المتبع تجاه سوريا إعادة تعريفها كممر استراتيجي لسلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة. وقد أكد الرئيس أحمد الشرع على هذه الفكرة بوضوح، مشيراً إلى حاجة العالم إلى طرق آمنة وبديلة في أعقاب سلسلة من الأزمات واضطرابات الإمداد.
في هذا السياق، رسخت سوريا مكانتها كحلقة وصل بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا، مستفيدةً من موقعها الجغرافي وساحلها المتوسطي، فضلاً عن مشاريع إقليمية كمشروع “البحار الأربعة” والتكامل مع دول مثل أذربيجان. كما اتخذت خطوات ملموسة، مثل بدء تصدير النفط العراقي عبر الموانئ السورية، ما يشير إلى محاولة ترجمة هذه الرؤية إلى واقع اقتصادي.
يشير هذا النهج إلى أن سوريا تسعى إلى تحويل نفسها من عبء جيوسياسي إلى رصيد استراتيجي للاستثمار وتحوّل طموح، ما يعكس طريقة تفكير مختلفة عن السابق.
كما برزت قضية العلاقات مع إسرائيل بشكلٍ لافت في مناقشات المنتدى، حيث أكد الجانب السوري رغبته في التوصل إلى اتفاق أمني يضمن الاستقرار الإقليمي، مع إعادة تأكيد عزمه على تجنب الحرب. إلا أن المفاوضات لا تزال متعثرة بسبب رفض إسرائيل العودة إلى حدود عام 1974 واستمرار التوترات الإقليمية.
ويظهر موقف سوريا، لا سيما في ضوء التعديات الإسرائيلية على الأراضي السورية والتوغلات التي تجعل من المستحيل عملياً تبني موقف “الحياد”، في محاولة واضحة للموازنة بين موقف دبلوماسي مرن والواقع المعقد على الأرض. ومع ذلك، فإن مجرد اقتراح استئناف المفاوضات يعكس تحولاً في النهج من المواجهة المفتوحة إلى إدارة الصراع عبر القنوات السياسية.
نتائج المؤتمر.. تقدم محدود بدلاً من اتفاقيات حاسمة
لم يسفر منتدى أنطاليا عن اتفاقيات حاسمة، كما كان متوقعاً، نظراً لأن المؤتمرات عادةً ما تفضي إلى إصدار تصريحات أكثر من اتخاذ قرارات. مع ذلك، برزت نتائج ملموسة تمثلت في نشاط دبلوماسي مكثف، شمل لقاءات بين الرئيس السوري ونظيره التركي، بالإضافة إلى لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وقادة دوليين. ومن أبرز المحاور:
- تعزيز التقارب بين سوريا وتركيا من خلال مناقشة مشاريع مشتركة في قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية.
- تأكيد مكانة سوريا كشريك محتمل في الأمن الإقليمي وسلاسل الإمداد.
- توسيع شبكة العلاقات الدولية، بما في ذلك التعاون مع أوكرانيا وأذربيجان ودول الخليج.
ختاماً، تعكس مشاركة سوريا في منتدى أنطاليا 2026 تحولاً تدريجياً في وضعها الإقليمي، إذ تنتقل من دولة تعاني من أزمة إلى فاعل يسعى لإعادة تعريف دوره في قطاعات الطاقة والأمن والتجارة. ورغم استمرار وجود تحديات كبيرة، لا سيما في المجالين الاقتصادي والسياسي، فإن حضور سوريا على هذه المنصات يبشر ببداية عهد جديد يتسم بالدبلوماسية لا بالعزلة، وبالمصالح لا بالشعارات. ويعتمد تحويل هذا التحول إلى نتائج ملموسة على أمر نادراً ما تدعمه السياسة.. التنفيذ الفعلي، لا الخطابات الرنانة في المنابر العامة.