شركات

منحة البنك الدولي للسكك الحديدية في سوريا: كيف تُقرأ وما حدود تأثيرها؟

منحة البنك الدولي للسكك الحديدية في سوريا: كيف تُقرأ وما حدود تأثيرها؟

بقلم: ديانا الصالح

أكدت وزارة النقل السورية تخصيص نحو 200 مليون دولار للسكك الحديدية في إطار منحة مُقدّمة من البنك الدولي، كثمرة للاتفاق المبرم بين الطرفين في شهر شباط الماضي، بهدف تسريع وتيرة التعافي الاقتصادي وتعزيز قطاع النقل في البلاد.

ويربط ناشطون محليون التمويل الجديد بالدلالات السياسية التي قد تقود إلى حلول اقتصادية شاملة، حيث يعتقدون أنها بمثابة الإعلان عن العودة التدريجية لانخراط المؤسسات الدولية في سوريا بعد سنوات من العزلة الاقتصادية.

فيما يرى محللون اقتصاديون أن هذه المنحة رغم أهدافها المُعلنة لا ترقى إلى مستوى اقترانها بعملية إصلاح شامل أو تسريع التعافي الاقتصادي، بل تبدو أقرب إلى حلّ إسعافي مؤقت، نظراً لمحدودية المبلغ التمويلي مقارنة بحجم الضرر الذي يُقدر بمليارات الدولارات، ورغم الحديث عن احتمال توسيع التمويل مستقبلاً إلى مستويات أعلى قد تصل إلى مليار دولار إلا أن ذلك يبقى غير كافٍ لسدّ فجوة التمويل الكبيرة.

وفي هذا السياق، سنتناول في مقالنا الأهمية الاقتصادية لإعادة تأهيل السكك الحديدية في سوريا، والجوانب التحسينية التي تغطيها منحة البنك الدولي، إضافة إلى تسليط الضوء على تفاصيل الفجوة التمويلية والتحديات المرتبطة بها.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي…

منحة السكك الحديدية في سوريا

أعلنت وزارة النقل إجراء مباحثات مع البنك الدولي لتمويل مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية للسكك الحديدية، تشمل تحديث الأسطول من خلال صيانة القاطرات وتوريد أخرى جديدة، إضافة إلى التجهيزات الفنية الحديثة، ورفع كفاءة ومهارات الكوادر العاملة مع إعادة تأهيل الخطوط القائمة وتعزيز قدرتها التشغيلية، بما يُسهم في تحسين الأداء الفني والتشغيلي للقطاع ويدفع عجلة التعافي الاقتصادي.

وفي هذا الصدد، يشير مدير شؤون النقل البري علي أسبر، إلى خطة الوزارة الاستراتيجية لتحديث منظومة النقل السككي، والتي تتضمن ربط الإنتاج بالمراكز الصناعية وتحديث محاور نقل إقليمية لربط سوريا بالدول المجاورة والمرافئ البحرية، مما يعزز دور القطاع في دعم كل من الزراعة والصناعة إلى جانب تقليل تكاليف النقل والشحن وترسيخ التكامل بين مختلف القطاعات الإنتاجية.

الأهمية الاقتصادية لتحديث السكك الحديدية

تأتي الأهمية الاقتصادية لإعادة تأهيل السكك الحديدية في سوريا من الفوائد التي تعود على قطاعي الزراعة والصناعة اللذين يُعتبران أعمدة الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال ربط مناطق الإنتاج بالمراكز التصنيعية والأسواق، وهذا ما يوضحه مدير النقل البري، حيث يشير إلى الدور المحوري الذي يلعبه قطاع السكك في الدورة التنموية الزراعية والصناعية، عبر نقل المواد الخام إلى المعامل والمصانع، فضلاً عن إيصال المنتجات بصورتها النهائية إلى الأسواق المحلية والعالمية.

كما تتمحور إيجابيات تحديث هذا القطاع الحيوي بتلبيته لمتطلبات السرعة والتكاليف الاقتصادية والانتظام التي تحتاجها عدة صناعات غذائية إلى جانب الإسمنت والأسمدة، فضلاً عن تحقيقه التكامل بين المناطق الزراعية ومراكز الصناعة، مما يسهم في تحسين جودة سلاسل التوريد ويضمن تحقيق الاستدامة الإنتاجية، وفقاً لما أفاد به أسبر.

علاوة على ذلك، يُعتبر تطوير السكك الحديدية في سوريا عامل قوة تصديرية للمواد الزراعية والصناعية إلى الأسواق والمرافئ الدولية والإقليمية، لما يوفره من وسيلة آمنة ومضمونة ذات تكلفة منخفضة، وفي هذا الإطار يشير مدير النقل البري إلى الأهمية البيئية للسكك كونها أقل الوسائل انبعاثاً لثاني أكسيد الكربون وأكثرها كفاءة في الاستهلاك الطاقوي.

توجهات رسمية لتغطية حاجة القطاع

توجد عدة فوائد اقتصادية يراها المسؤولون في حال تطوير السكك الحديدية في سوريا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل منحة 200 مليون دولار كافية لتغطية الصيانة والتأهيل التي يحتاجها القطاع؟

استناداً للأرقام الكبيرة التي يحتاجها تأهيل قطاع السكك الحديدية والتي تقدر بالمليارات، يوضح وزير النقل يعرب بدر أن هناك عدة خيارات مطروحة لتغطية ذلك، وتتمحور حول إقامة تعاون وشراكات مع مستثمرين عرب، لإعادة تشغيل الأجزاء الأكثر ربحية من الشبكة، لكسب تمويل خارجي يعزز القدرة على تفعيل القطاع السككي مجدداً، مشيراً إلى السعي نحو توفير إيرادات من تلك الخطوة لاستخدامها في إصلاح الخطوط الأخرى بشكل تدريجي.

فجوة تمويلية وبوادر خير

شهدت الفترة الأخيرة عودة تدريجية لانخراط سوريا بالسياسات المالية الدولية، وهذا ما تجلى بتطور العلاقات مع البنك الدولي، حيث تحول الدعم الفني إلى تمويل خدمي، رغم ضعفه النسبي مقارنة بحاجة الإعمار الفعلية.

وكبادرة خير، يشير وزير المالية يسر برنية إلى أن دمشق طلبت إطلاق مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي، متوقعاً وصول البعثة خلال النصف الثاني من العام الجاري، مما يعزز مسار الإصلاح دون اللجوء إلى الاقتراض.

وعلى الرغم من الأهمية الرمزية لمنحة البنك الدولي التي يلتمسها عدد من المحللين السياسيين في التنشيط الجزئي للعلاقة السورية مع المؤسسات المالية العالمية، إلا أنها تعكس فجوة كبيرة بين الدعم المُقدم والحاجة التمويلية الحقيقية، حيث تُقدر تكاليف إعادة تأهيل قطاع السكك الحديدية في البلاد بحوالي 5.5 مليار دولار، وفقاً لبيانات رسمية.

وفي هذا السياق، تشير القراءات التحليلية إلى ضرورة توجه صناع القرار نحو تحقيق مقاربة تمويلية مجدية تشمل الاستثمارات المدروسة وإعادة دراسة أولويات الإنفاق لتتركز على المشاريع الأكثر إلحاحاً للاقتصاد المحلي.

علاوة على ذلك، يثير هذا التفاوت تساؤلات جوهرية حول محدودية أثر المنح مقارنة بحجم احتياجات البلاد الفعلية، وما إذا كانت آليات التمويل الحالية كافية لدعم مشاريع إعادة الإعمار التي تُقدر بنحو 216 مليار دولار.

وفي هذا السياق، طرح الباحث الاقتصادي محمد العلبي عبر منشور سابق على فيسبوك عدة تساؤلات حول قدرة الجهات المعنية على الاستمرار في السياسات الاقتصادية الحالية دون الالتزام ببرنامج إصلاحي أو توجه نحو الاقتراض والمنح المشروطة، مشيراً إلى أهمية مشاورات المادة الرابعة كمؤشر على مستوى الجدية للانخراط في الإطار الدولي.

يبدو أن منحة البنك الدولي لقطاع السكك الحديدية في سوريا تفتح ملفاً أوسع يتعلق بقدرة التمويل الدولي على إحداث تغيير فعلي في قطاع يحتاج استثمارات ضخمة بعيداً عن الغوص في متاهات القروض، فهل تنجح السياسات الاقتصادية بتحويل هذه المبادرات إلى دفع لمسار التعافي؟

اقرأ أيضاً: السكك الحديدية.. مجرد خطوط أم مفتاح سوريا السري للتعافي الاقتصادي؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.