سياحة و سفر

«آغرو سيريا» 2026: هل تقود المعارض التخصصية عودة الاستثمار الزراعي وسلاسل الإنتاج؟

«آغرو سيريا» 2026: هل تقود المعارض التخصصية عودة الاستثمار الزراعي وسلاسل الإنتاج؟

الكاتب: أحمد علي

ليست كل المعارض الاقتصادية سواء. بعضها يكتفي بأن يثبت أن النشاط لم يمت بعد، وبعضها ينجح في أن يفعل أكثر من ذلك، أي أن يجمع في مكان واحد ما تفرّق خلال سنوات بين المنتج والمورّد والمستثمر والجهة المنظمة. لهذا السبب بالذات، لا يمكن النظر إلى “آغرو سيريا” 2026 بوصفه مناسبة دعائية عابرة، ولا بوصفه دليلاً كافياً على أن الاستثمار عاد. هو أقرب إلى اختبار عملي، يبيّن إن كانت السوق الزراعية السورية قادرة على أن تتحرك من جديد، ولو ببطء.

المعرض الذي تنطلق دورته الرابعة في دمشق بين 9 و12 نيسان يأتي بعد دورة ثالثة في 2025 شاركت فيها أكثر من 120 شركة محلية وعربية ودولية، وعلى مساحة قاربت 8000 متر مربع، مع تركيز رسمي واضح على أن الزراعة لم تعد ملفاً قطاعياً ضيقاً، بل مدخلاً من مداخل التعافي الاقتصادي. لكن هذا كله لا يحسم السؤال. ما الذي يمكن أن تصنعه المعارض المتخصصة فعلاً في بلد يواجه أزمة زراعية بهذا الحجم، وما الذي يبقى خارج قدرتها مهما اتسعت المشاركة وتكاثرت الأجنحة.

الاستثمار الزراعي في سوريا بين الحاجة والاختبار

الحديث عن الاستثمار الزراعي في سوريا لم يعد ترفاً ولا بنداً مؤجلاً. منظمة الأغذية والزراعة أطلقت في آذار 2025 خطة طوارئ وتعافٍ لثلاث سنوات تستهدف نحو 9.8 ملايين شخص في المجتمعات الريفية، مع احتياج تمويلي قدره 286.7 مليون دولار. المعنى المباشر لذلك أن استعادة الزراعة لم تعد مسألة إنتاج فقط، بل مسألة معيشة وغذاء واستقرار اجتماعي أيضاً.

وفي أيلول 2025 قالت المنظمة نفسها إن سوريا تواجه أسوأ أزمة زراعية منذ عقود، وقدّرت محصول القمح بين 900 ألف و1.1 مليون طن فقط، مع فجوة تبلغ 2.73 مليون طن، وهي فجوة تكفي للتأثير في أكثر من 16 مليون شخص على امتداد عام كامل. هذه الأرقام تعطي المعرض معناه الحقيقي. فهو لا يدخل إلى قطاع يريد التوسع الطبيعي فحسب، بل إلى قطاع يحاول أولاً أن يمنع مزيداً من التراجع.

من هنا تبدو أهمية “آغرو سيريا” محددة وواضحة في آن معاً. المعرض يقول إن السوق الزراعية السورية ما زالت قادرة على جمع الفاعلين فيها، من موردي البذور والأسمدة وأنظمة الري إلى شركات الطب البيطري والمكننة والطاقة البديلة والتوضيب والتخزين. وهو، في الوقت نفسه، يختبر ما إذا كانت هذه السوق قادرة على الانتقال من مجرد الحاجة إلى مستلزمات الإنتاج، إلى بناء علاقات أعمال أكثر انتظاماً داخل سلاسل الإنتاج نفسها.

ما الذي يتيحه المعرض

في الأدبيات الاقتصادية الحديثة، لا تُفهم المعارض المتخصصة بوصفها واجهات عرض فقط، بل بوصفها أسواقاً مؤقتة وعناقيد مؤقتة أيضاً. أي إنها أماكن تتركز فيها خلال أيام قليلة عمليات كان يمكن أن تستغرق أشهراً، من التعارف إلى المقارنة إلى اختبار التكنولوجيا إلى بناء الثقة الأولية اللازمة للتفاوض. هذا التعريف يبدو مناسباً جداً للحالة السورية، لأن إحدى مشكلات السوق هنا ليست نقص الاحتياج، بل انقطاع الصلات بين أطرافها خلال سنوات طويلة.

حين يجتمع في مساحة واحدة موردو أنظمة الري، وشركات الأدوية البيطرية، ومصنّعو المعدات، وشركات الحفظ والتوضيب، مع جهات حكومية ومهنيين ومستثمرين محتملين، فإن قيمة المعرض لا تعود محصورة بما يُعرض على الطاولات. القيمة تصبح في إعادة ترتيب المشهد أمام الجميع، وفي اختبار إمكانية الربط بين حلقات بقيت متباعدة. هنا فقط يمكن أن يبدأ الكلام الجدي عن الوكالات، وخدمات ما بعد البيع، ومراكز الصيانة، واتفاقات التوريد، لا عن البيع الفردي المتقطع وحده.

لكن هذا الاحتمال يجب أن يُفهم ضمن حدوده. المعرض يسرّع التعارف ويخفض كلفة البحث ويخلق لحظة تفاوض، ولكنه لا يؤمن التمويل، ولا يعالج اختناقات الاستيراد، ولا يحل مشكلة النقل والطاقة والتخزين. بعبارة أبسط، هو يفتح الباب، لكنه لا يكفي وحده لدفع السوق إلى الداخل.

من العرض إلى السوق

هنا تبدأ المسألة الفعلية. البنك الدولي قال في تقريره الصادر في تموز 2025 إن الناتج المحلي السوري تقلص بأكثر من 50 بالمئة منذ 2010، وإن نصيب الفرد من الدخل القومي هبط إلى نحو 830 دولاراً في 2024، مع نمو متوقع بحدود 1 بالمئة فقط في 2025. وأشار التقرير إلى أن تخفيف العقوبات يفتح نافذة تحسن، لكنه لا يزيل سريعاً قيود السيولة، وضعف الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، ومشكلات التجارة والاستثمار.

هذا يعني أن الحديث عن عودة الاستثمار الزراعي في سوريا عبر المعارض وحدها سيكون حديثاً أكبر من الواقع. الشركة التي تعرض مضخة أو خط فرز أو نظام ري تحتاج في النهاية إلى مصرف يموّل، وإلى مشترٍ يستطيع الدفع، وإلى إجراءات استيراد واضحة، وإلى شبكة صيانة مستقرة، وإلى سوق نهائية قادرة على الاستهلاك.

وحتى التسهيلات الأوروبية المعلنة في شباط 2025، ومنها تعليق قيود في قطاعات الطاقة والنقل ورفع بعض الكيانات، وبينها المصرف التعاوني الزراعي، من قوائم التجميد، لا تعني أن المجال صار مفتوحاً بلا قيود. هي تعني فقط أن هامش الحركة اتسع مقارنة بما كان عليه سابقاً.

لذلك، إذا أريد للمعرض أن يتجاوز قيمته المعنوية، فعليه أن يتصل بما هو أبعد من الأجنحة. خطوط ائتمان للمستلزمات، تشجيع للمزارعين، تخفيف كلف النقل والطاقة، دعم للري الحديث، وربط أوضح بين الزراعة والتصنيع الغذائي والحفظ والتخزين. من دون هذا الامتداد، يبقى أفضل معرض شاشة كبيرة لسوق صغيرة ومتعبة.

مقاربات من العراق والمغرب

المقارنة مع بلدان أخرى لا تقدّم وصفة جاهزة، لكنها تساعد على فهم ما الذي يجعل المعرض الاقتصادي يؤدي وظيفة حقيقية. في العراق، تحولت معارض مثل “Agro Pack & Food Iraq” إلى منصة أعمال واضحة المعالم.

دورة 2025 جمعت 346 عارضاً من 21 دولة، وأكثر من 10 آلاف مشارك، مع تركيز منظم على الربط بين العارضين وكبار المشترين، وعلى اللقاءات الثنائية وبوابات الأعمال المسبقة. المعرض هناك لم يحل أزمات الزراعة العراقية، لكنه صار جزءاً من آلية سوق تتكرر فيها صفقات الوكالات والتوريد والخدمات، لا مجرد مناسبة بروتوكولية.

وفي المغرب، يقدم “SIAM” درساً من نوع آخر. المعرض لم يكتسب أهميته لأنه كبير فقط، بل لأنه صار جزءاً من سياسة زراعية أوسع. المنصة الرسمية للقاءات الأعمال فيه تعرض نفسها أداة لربط الشركات والمستثمرين والمؤسسات، فيما تشير جهات بحثية دولية إلى أنه يستقطب ما يقارب مليون زائر، ويعمل كمساحة تلتقي فيها التكنولوجيا والبحث والتسويق والسياسات العامة. هنا لا يبقى المعرض حدثاً قائماً بذاته، بل يدخل في بنية مؤسساتية قادرة على التقاط نتائجه والبناء عليها.

سوريا ليست العراق ولا المغرب، والفوارق في التمويل والبيئة المؤسسية وحجم السوق كبيرة. لكن المقارنة تبقى مفيدة لأنها تضع معياراً عملياً للحكم. نجاح المعرض لا يقاس بعدد الزوار فقط، بل بما يتركه بعد الإغلاق، وكلاء جدد، عقود توريد، مراكز خدمة، وشراكات تنتقل من الورق إلى التنفيذ.

العقدة خارج الأجنحة

من هذه الزاوية، يبدو السؤال عن “آغرو سيريا” أدق من ثنائية النجاح أو الفشل. المعرض ليس مجرد عرض عضلات، لأن القطاع الزراعي السوري يحتاج فعلاً إلى منصات تعيد وصل المنتجين بالموردين والتقنيين والمستثمرين، وتخفف عزلة السوق بعد سنوات طويلة من الانقطاع.

وفي الوقت نفسه، لا يصح تحميله ما لا يحتمل، لأن عنق الزجاجة الحقيقي ما زال خارج قاعات العرض، في التمويل، والري، والطاقة، والنقل، والقدرة الشرائية، وآليات المتابعة بعد انتهاء الفعالية.

إذا خرجت الدورة الحالية بشبكات توزيع أوضح، ووكلاء جدد، واتفاقات صيانة وتوريد، وروابط أقوى بين مستلزمات الإنتاج والتصنيع الغذائي، فسيكون المعرض قد أدى وظيفة اقتصادية حقيقية. أما إذا بقي أثره محصوراً في الصور والتصريحات والانطباعات الإيجابية، فسيظل حدثاً مفيداً في المعنى المعنوي، لكنه محدود في المعنى الاستثماري.

النتيجة الأقرب إلى الواقع هي أن “آغرو سيريا” 2026 لا يكفي وحده ليكون دليلاً على عودة الاستثمار الزراعي في سوريا، لكنه يصلح لأن يكون اختباراً جدياً لهذه العودة. والاختبار هنا لا يُقاس بما جرى تحت الأضواء فقط، بل بما سيجري بعدها، في المصارف، وفي الحقول، وفي المخازن، وفي السوق نفسها.

اقرأ أيضاً: موسم اللوزيات مهدد في طرطوس.. والزراعة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.