اقتصاد

بعد خميس النبات… هل يوجد قلعة في حمص؟

بعد خميس النبات… هل يوجد قلعة في حمص؟

بقلم هلا يوسف

حين تقف في وسط مدينة حمص وتتأمل ذلك التل المرتفع، ستدرك أن المكان يحمل وراء حجارته الصامتة قصص وحكايا سطرتها حضارات متعاقبة عبر آلاف السنين. هناك، على ارتفاع يطل على أحياء المدينة، تقف قلعة حمص شاهدة على تاريخ طويل بدأ قبل أن تتشكل ملامح المدينة الحديثة، واستمر حتى يومنا هذا، حيث ما تزال آثارها تروي قصة الإنسان والمكان.

في الجنوب الغربي من مدينة حمص، تتربع قلعة حمص على ارتفاع يبلغ نحو 32 متراً عن مستوى المدينة وقرابة 533 متراً عن سطح البحر، لتكون واحدة من أبرز الشواهد الأثرية في سوريا، ومركزاً تتقاطع فيه حكايات السكن والدين والحرب والحياة اليومية.

التل نفسه ليس عادياً، فأسفله صخري طبيعي، بينما أعلاه تشكل بفعل الإنسان، ليأخذ هيئة مخروط ناقص يبلغ محيطه نحو 900 متر، ويحيط به خندق دفاعي كان جزءاً من نظام حماية المدينة. وقد أظهرت المكتشفات الفخارية في طبقاته السفلى أن هذا الموقع كان مأهولاً منذ النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، مما يرجح أنه كان النواة الأولى لمدينة حمص القديمة قبل توسعها في العصر الروماني.

من جذور ضاربة في القدم إلى مركز ديني

مع دخول الرومان إلى حمص، شهدت المدينة تحولاً كبيراً، خاصة مع وصول جوليا دومنا، ابنة كاهن معبد الشمس، إلى عرش الإمبراطورية الرومانية. عندها توسعت المدينة من شكل دائري حول التل إلى مخطط مستطيل وفق الطراز الهلنستي الروماني. وخلال تلك المرحلة، أصبح تل حمص مركزاً دينياً مميزاً، أشبه “بأكروبول”، إذ احتضن معبداً لإله الشمس “إيلاغابال”.

وقد تأكد وجود هذا المعبد بعد العثور على مذبح حجري منقوش باليونانية، يشير إلى تقديمه للإله إيلاغابال. لكن مع انتشار المسيحية وانحسار الوثنية، بدأ دور التل يتغير تدريجياً، ليتحول في العصر البيزنطي إلى موقع عسكري دفاعي، ممهداً لظهور القلعة بصورتها المعروفة لاحقاً.

القلعة… مدينة داخل الأسوار

في العصور الإسلامية، وخاصة في العهد الأيوبي، برزت قلعة حمص كحصن متكامل. فقد قام أسد الدين شيركوه بتوسيعها وتحصينها بشكل كبير، وتشير الكتابات المنقوشة على البرج الشمالي إلى أنه أمر بعمارتها سنة 594 هجرية، ويبدو أنه أولى القلعة اهتماماً خاصاً خلال فترة حكمه الطويلة التي امتدت 45 عاماً.

من الداخل، لم تكن القلعة مجرد موقع عسكري، بل بدت كمدينة ملكية مصغرة، تضم دوراً للسكن، ومستودعات، ومسجداً، وكل ما يلزم لإقامة الحاكم وحاشيته وحامية القلعة. وقد اشتهر مسجد القلعة باحتوائه على نسخة من المصحف العثماني الذي تم إرساله إلى حمص، قبل أن ينقل فيما بعد إلى جامع خالد بن الوليد، ثم إلى القسطنطينية.

أما من حيث البناء، فقد اتخذت القلعة طابع القلاع الأيوبية والمملوكية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حيث تعلو منحدراتها أبراج مربعة تحيط بها، وما يزال أحد هذه الأبراج في الجهة الشمالية الشرقية محتفظاً بمظهره الخارجي. كما تم اكتشاف صهريج مائي عميق يصل إلى 27 متراً، مؤلف من عدة طوابق متصلة بأدراج، ويعد من النماذج النادرة في العمارة الأيوبية.

ومن معالمها أيضاً مغارة كبيرة تتجه نحو الجنوب، تقع على مستوى الخندق، وهي كهف طبيعي يُقال أنه توسع لاحقاً نتيجة إزالة الصخور الكلسية لاستخدامها في صناعة الكلس.

تحولات القلعة عبر العصور

مع تطور الأسلحة النارية في العهد العثماني، تراجع الدور الدفاعي التقليدي للقلاع، إلا أن قلعة حمص بقيت تستخدم كموقع استراتيجي لتثبيت المدافع. وفي تلك الفترة، تم شق المدخل الغربي الحالي لتسهيل إدخال المدافع.

لكن القلعة تعرضت لاحقاً لتخريب كبير، خاصة خلال الحملة المصرية بقيادة إبراهيم باشا، حيث تم إزالة طبقات البازلت من سطوحها لاستخدامها في بناء مستودعات عسكرية عُرفت باسم “الدبويا”. وفي عام 1911، استكملت هذه العملية عندما قامت بلدية حمص باقتلاع ما تبقى من حجارة البازلت من سفوح القلعة وبناء مخازن في الجهة الشرقية من الصومعة، التي تحولت إلى مستودع للمحروقات “كازخانة”، وما تزال هذه المنشآت قائمة حتى اليوم.

أما في العهد الفرنسي، فقد تحولت القلعة إلى موقع عسكري مغلق، حيث قام الفرنسيون بتسوية أرضها وهدم ما تبقى من مبانيها، كما وسعوا المدخل الغربي ورصفوه لتحرك آلياتهم. ومنعوا الأهالي من الاقتراب منها، خاصة بعد أن أصبحت مصدراً للقصف خلال الأحداث، ولا سيما في عام 1945.

وقد أدى ذلك إلى اندثار كثير من معالم القلعة، إذ ردم خندقها، وفقدت معظم تصفيحاتها الحجرية، وتهدمت أسوارها، ولم يبقَ منها سوى أجزاء محدودة، رغم كشف بعض أساساتها وترميم البرج الشمالي عام 1952، إضافة إلى اكتشاف الباب الشمالي الشرقي الذي يشبه في تصميمه مدخل قلعة حلب.

القلعة في ذاكرة الناس

بالرغم من الصبغة العسكرية التي صبغت بها القلعة، إلا أنها لم تكن بعيدة عن حياة الناس، بل ارتبطت بعادات شعبية مميزة، من أشهرها “خميس القلعة” أو “خميس النبات”. ففي أواخر العهد العثماني، كان الناس يتجمعون فوق القلعة في احتفال طريف، يتدافعون حول بئر قديمة تُعرف “بجب البنات”، ويقذفون الحجارة فيها، منتظرين صوت ارتطامها ليحددوا حظوظهم، فالصوت القوي يعني حظاً سعيداً، بينما الصمت يدل على خيبة الأمل.

وكانت النساء والفتيات يتقاطرن بأعداد كبيرة للمشاركة في هذا الطقس الشعبي، حتى ضاق بهن المكان، فينتشرن في المناطق المجاورة. واستمرت هذه العادة حتى دخول الفرنسيين إلى حمص عام 1920، حيث منعوا الأهالي من الصعود إلى القلعة، فتوقفت تلك الطقوس التي كانت تضفي على المكان روحاً إنسانية خاصة.

في النهاية، شكلت قلعة حمص رمزاً من الرموز الأثرية التاريخية والاجتماعية، وعلى الرغم من تغير شكلها وهيكلها عبر السنين، إلا أنها ما تزال محتفظة بذاكرتها، والدليل على ذلك إحياء خميس النبات وخروج الصبايا إلى القلعة، لتكون إرادة البقاء أقوى من حملات الاندثار.

اقرأ أيضاً: وادي النصارى: من الفوار إلى الحصن

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.