سياحة و سفر

إعادة إعمار القابون وجوبر بين وعود الاستثمار ومخاوف فقدان الأرض

إعادة إعمار القابون وجوبر بين وعود الاستثمار ومخاوف فقدان الأرض

بقلم هلا يوسف

على الرغم من نفض غبار الحرب العسكرية عن معظم الأراضي السورية، إلا أن شبح الدمار لا يزال يلاحق عائلات تتخذ من المخيمات وبيوت الإيجار مأوى لهم على أمل إعادة بناء منازلهم وأحيائهم بأسرع وقت. لكن الحقيقة المرة هو أن إعادة الإعمار ليست كلمة سهلة، بل تغص بالكثير من التحديات والحقوق وأحياناً الاستغلال لحاجة الناس. هذا ما ظهر بوضوح في ملف القابون وجوبر، حيث وجد الأهالي أنفسهم أمام خيارات صعبة، بين القبول بمشاريع لا تضمن لهم ما يعتبرونه حقاً عادلاً، أو التمسك بمواقف قد تؤخر عودتهم إلى مناطقهم لسنوات إضافية.

بعد شهر تقريباً من عقد الاجتماع في مبنى محافظة دمشق حول إعادة إعمار القابون وجوبر، والذي وصف بالحاسم والمحتدم. بدت المسارات الاستثمارية المطروحة للمشروع غير منصفة بحق السكان على حد وصفهم. ففي بداية الاجتماع وضع محافظ دمشق الحضور أمام واقع مالي صعب، مؤكداً أن حجم الدمار الذي تجاوز 75% يحتاج إلى ميزانيات ضخمة تفوق قدرة الدولة، ما يعني أن الاعتماد على الموارد المحلية وحدها لم يعد خياراً واقعياً. وبالتالي المسارات المطروحة لإعادة إعمار الأحياء هي الأكثر واقعية بالنسبة له.

وكانت المحافظة قد أنشأت في وقت سابق وحدات لتوثيق الملكيات بالتعاون مع جهات دولية مثل “الوكالة الألمانية للتعاون الدولي” (GIZ)، والعمل على مسح المناطق المتضررة وإزالة الألغام، تمهيداً لإعداد مخطط تنظيمي جديد. لكن هذه الإجراءات رغم أهميتها، لم تكن كافية لطمأنة الأهالي، الذين يرون أن المشكلة الأساسية ليست في التنظيم بقدر ما هي في طبيعة الحلول المطروحة.

خيارات إعادة الإعمار بين الطرح الرسمي والواقع

خلال الاجتماع تم عرض أربعة مسارات رئيسية لإعادة الإعمار، لكن اللافت أن ثلاثة منها بدت وكأنها مستبعدة مسبقاً. فمسار القروض الدولية مرفوض بسبب شروطه السياسية المعقدة، وفي حال الاتجاه نحو المنح الخارجية فمن المؤكد أنها ستكون بطيئة بين 5-7 سنوات ومرهونة بإرادات الدول المانحة، بينما يعد خيار إعادة الإعمار الأهلي غير عملي بسبب ضعف الإمكانيات الفردية وعدم قدرة السكان على تمويل بنية تحتية متكاملة.

بهذا الشكل بدا أن الخيار الوحيد المطروح بجدية هو الاستثمار عبر الشركات الكبرى. وهنا بيت القصيد، حيث كان الحديث عن مشاريع ضخمة تمتد على مساحات واسعة، مع أبراج سكنية حديثة بين 8 و 14 طابقاً، مقابل استحواذ الشركات على 50% من المساحات المبنية، وتحملها الكامل لتكاليف البنية التحتية المتطورة، إضافة إلى وعود بتأمين فرص عمل كبيرة “200 ألف فرصة عمل”. كما تم طرح أرقام لافتة، مثل استثمارات تصل إلى عشرات المليارات بقيمة “21 مليار دولار”، ومساحات بناء بملايين الأمتار المربعة “9 ملايين متر مربع”.

لكن هذا الطرح رغم ضخامته، لم يُقابل بالحماس المتوقع. فبالنسبة للأهالي، المشكلة لا تكمن في شكل الأبنية أو عدد الطوابق، بل في كيفية توزيع الحصص. إذ إن العرض يقضي بحصول الشركات على نسبة كبيرة من المساحات المبنية مقابل تكفلها بالبنية التحتية، وهو ما يعني عملياً تقليص حصة المالكين مقارنة بما هو متعارف عليه في مشاريع التعهد التقليدية.

إلى جانب ذلك، هناك عوامل إضافية تزيد من تعقيد المشهد، مثل وجود أنفاق تمتد تحت حي جوبر لمسافات طويلة، بعضها كان يستخدم لأغراض عسكرية خلال سنوات الحرب. هذه الأنفاق لا تشكل فقط تحدياً هندسياً، بل ترفع من كلفة إعادة الإعمار، مما ينعكس بشكل غير مباشر على نسب التعويض المطروحة.

بالرغم من الاعتراضات، لم يكن رد المحافظ هادئاً أو قابلاً للمساومة. فقد شدد على وجود فارق قانوني واضح بين الملكيات النظامية وتلك المصنفة كزراعية، معتبراً أن هذا التمييز ينعكس بالضرورة على طبيعة الحقوق والتعويضات. ومع تصاعد النقاش، لوح بخيار بديل وصفه البعض بالقاسي، يتمثل في نقل المشروع بالكامل إلى مناطق أخرى مثل القدم أو العسالي في حال استمرار الرفض، مقدماً العرض المطروح على أنه فرصة استثنائية قد لا تتكرر لاحقاً.

التعويض بين الحسابات الرقمية والهواجس الإنسانية

النقطة الأكثر حساسية في الاجتماع كانت بلا شك آلية التعويض. هنا تحول النقاش من عرض أرقام ومشاريع إلى حالة من التوتر الواضح. فالفئات المقترحة للتعويض، خاصة فيما يتعلق بالأراضي الزراعية والمناطق العشوائية، اعتبرها كثيرون مجحفة، لأنها تساوي بين أوضاع مختلفة وتمنح حقوقاً جزئية لفئات واسعة من السكان.

عبر عدد من أهالي القابون وجوبر عن مواقف متباينة، لكنها تلتقي عند نقطة أساسية: القبول بإعادة الإعمار مشروط بالحفاظ على الحقوق. أحد سكان القابون لخص هذا الموقف بقوله إنهم مع أي مبادرة تسرع عودة الحياة إلى الحي، لكن ليس على حساب ملكياتهم. وفي حال غياب ضمانات واضحة، يفضل كثيرون خيار البناء الذاتي، حتى لو كان أبطأ. أما إذا فرض مسار الاستثمار، فيرى البعض أن الحد الأدنى المقبول هو التعامل وفق نموذج التعهد التقليدي، بحيث يحصل مالك الأرض على نصف البناء على الأقل، مع احتفاظه بحق التصرف بما يعلوها.

في جوبر، بدا القلق أكثر حدة عند الحديث عن العدالة في التوزيع. فالمشاريع المطروحة، كما يراها بعض السكان، لا تراعي واقع الملكيات المشتركة وكثرة الورثة. المثال الذي يتكرر كثيراً هو لعائلات تملك مساحات متوسطة 500 متر، لكنها موزعة على عدد كبير من الأبناء، ما يعني أن الحصص المقترحة لن تكفي لتأمين سكن للجميع. بالنسبة لهؤلاء، المسألة لا تتعلق فقط بالنسبة، بل بقدرتهم الفعلية على البقاء في منطقتهم.

بينما يرى آخرون أن النسب المطروحة، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى نحو 30% من البناء، لا تنسجم مع ما هو متعارف عليه في السوق، حيث يجري غالباً تقاسم المشروع مناصفة بين المالك والمتعهد، مع اختلافات ترتبط بموقع الأرض وكلفتها. هذا التباين في التقديرات يعزز شعوراً عاماً بأن المعايير غير واضحة، وأن هناك فجوة بين ما يطرح رسمياً وما يعتبره السكان منصفاً.

في المقابل، لا تغيب وجهة نظر مختلفة ترى أن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. فإعادة بناء حي كامل لا تعني تشييد أبنية فقط، بل تتطلب إنشاء بنية تحتية جديدة بالكامل، من شبكات المياه والصرف الصحي إلى الطرقات والكهرباء والاتصالات، إضافة إلى المساحات الخدمية. هذه التكاليف الكبيرة، بحسب هذا الرأي، تبرر حصول الشركات على حصة أكبر، خاصة أن استرداد الاستثمار قد يستغرق سنوات طويلة.

ومع ذلك يبقى الجدل قائماً حول كيفية توزيع هذه الكلفة، ومن يتحملها فعلياً. فهناك من يرى أن جزءاً كبيراً منها يقتطع بشكل غير مباشر من حصص المالكين عبر تقليص نسب البناء أو تخصيص مساحات للخدمات. في حين يعتقد آخرون أن تطوير المنطقة وفق معايير حديثة سيرفع من قيمة العقارات مستقبلاً، ما يعني أن المالك سيستفيد على المدى البعيد، حتى لو خسر جزءاً من حصته الحالية.

وسط هذه الآراء المتباينة، يبرز أيضاً بعد آخر للنقاش يتعلق بطبيعة المنطقة نفسها. فموقع جوبر والقابون القريب من مركز المدينة، وطبيعة أراضيهما التي تسمح ببناء مرتفع، يجعلان منهما هدفاً لمشاريع استثمارية كبيرة. هذا الأمر يثير لدى بعض السكان شعوراً بأن الاهتمام بالمكان لا ينفصل عن قيمته الاقتصادية، وليس فقط عن كونه منطقة سكنية لأهلها.

في النهاية، تبدو إعادة إعمار القابون وجوبر أمام مفترق طرق حقيقي. فالمشكلة لم تعد في توفر المشاريع أو غيابها، بل في كيفية تنفيذها، ومن سيستفيد منها فعلياً. وبين لغة الأرقام التي تتحدث بها الجهات الرسمية، والواقع اليومي الذي يعيشه الأهالي، تظهر الحاجة الملحة لإيجاد صيغة أكثر عدلاً ووضوحاً. صيغة تضمن أن إعادة البناء لا تعني فقط تشييد أبنية جديدة، بل إعادة الحياة إلى المكان بأهله، لا بديلاً عنهم.

اقرأ أيضاً: كم سنة تحتاج سوريا لإعادة الإعمار؟ سيناريوهات محتملة لمسار التعافي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.