شركات

أيمن جابر.. الرجل الذي غيّر مفهوم الصناعات الثقيلة في سوريا

أيمن جابر.. الرجل الذي غيّر مفهوم الصناعات الثقيلة في سوريا

يمكن النظر إلى تاريخ الصناعات الثقيلة في سوريا من خلال مرحلتين مختلفتين: مرحلة ما قبل أيمن جابر، ومرحلة ما بعد أيمن جابر.

ليس لأن صناعة الحديد بدأت معه، وإنما لأن الرجل قدم نموذجاً مختلفاً للصناعي السوري؛ نموذجاً لم يكتفِ بامتلاك المصنع وتشغيله، بل سعى إلى إدخال العلم والتكنولوجيا والبحث والتطوير والجودة إلى قلب العملية الصناعية.

مهندس يفكر بعقلية الصناعي

لم يدخل أيمن جابر عالم الصناعة كتاجر يبحث عن الاستثمار فحسب، بل دخل إليه من بوابة الهندسة والعلم.

درس الهندسة الميكانيكية – قسم الإنتاج، وتخصص لاحقاً في علم المواد وهندستها، وهو ما انعكس بصورة واضحة على الطريقة التي تعامل بها مع الصناعة.

كان يؤمن بأن شراء الآلات لا يصنع وحده دولة صناعية، وأن القيمة الحقيقية تكمن في امتلاك الإنسان القادر على فهم التكنولوجيا وتطويرها.

ومن هنا جاءت فلسفته التي يمكن اختصارها بثلاث كلمات:

العلم – الصناعة – الإنسان.

من الصناعات التقليدية إلى الصناعة الحديثة

بدأ جابر مشروعه الصناعي في مجال المعادن بتأسيس مصنع لسحب الأسلاك المعدنية في صنوبر جبلة عام 1998، قبل أن ينتقل إلى مشروع أكبر بكثير تمثل في الشركة العربية لدرفلة الحديد ASCO.

ومع هذه التجربة تغير حجم الطموح.

فبدلاً من المنشآت الصغيرة وأساليب الإنتاج التقليدية، دخلت خطوط الإنتاج الحديثة والطاقة الإنتاجية الكبيرة ومعايير الجودة إلى المشهد، ووصلت الطاقة الإنتاجية المنشورة للمشروع إلى نحو 300 ألف طن من الحديد المدرفل سنوياً.

وبدأت منتجات الشركة لاحقاً الوصول إلى أسواق خارج سوريا.

لم يكن هدف جابر أن يقول إن سوريا تستطيع إنتاج الحديد فقط، بل أن يثبت أن الصناعة السورية تستطيع إنتاج سلعة قادرة على المنافسة.

المصنع بالنسبة إليه لم يكن مجرد مصنع

وهنا يظهر الجانب الأكثر تميزاً في شخصية أيمن جابر.

فهو لم يكن يرى الجامعة عالماً والمصنع عالماً آخر.

كان يؤمن بعقل الشباب السوري، وبأن النظريات التي يدرسها طالب الهندسة يجب أن تنتقل من الكتب إلى المختبرات، ثم من المختبرات إلى خطوط الإنتاج.

وتحول هذا التفكير لاحقاً إلى تجربة عملية موثقة.

ففي عام 2016 شارك أيمن جابر مع باحثين من جامعة تشرين في بحث علمي متخصص حول استخدام المعالجة الحرارية بالتيرمكس لتحسين الخواص الميكانيكية لقضبان فولاذ التسليح المصنعة في ASCO.

وبعد ذلك ناقش في جامعة تشرين رسالة دكتوراه كان موضوعها مرتبطاً مباشرة بالصناعة التي عمل فيها، حول التطوير النوعي لخط إنتاج حديد التسليح باستخدام تقنية المعالجة الحرارية مع الحفاظ على الطاقة الإنتاجية للخط.

وهنا ربما نجد أفضل تفسير لطريقة تفكير جابر.

فالمصنع بالنسبة إليه لم يكن مكاناً للإنتاج فقط، بل مختبراً كبيراً للبحث والتطوير.

أيمن جابر.. ما قبل وما بعد

لهذا يمكن القول إن تجربة أيمن جابر صنعت فاصلاً في مسار الصناعات المعدنية الخاصة في سوريا.

قبله كانت الصناعة موجودة، لكنها بقيت في جانب كبير منها تقليدية ومحدودة الطموح والتكنولوجيا.

ومع تجربته برز نموذج مختلف:

مصنع كبير، خطوط إنتاج متطورة، بحث علمي، تطوير للمنتج، اهتمام بالجودة، انفتاح على الأسواق الخارجية، وعلاقة مباشرة بين الجامعة والمصنع.

لقد كان يؤمن بأن الصناعة لا تتطور باستيراد التكنولوجيا فقط، بل عندما يصبح المهندس السوري قادراً على فهمها وتطويرها وإضافة شيء إليها.

وربما كان هذا أحد أهم أفضاله على الصناعة السورية.

فأيمن جابر لم يحاول بناء مصنع فقط، بل حاول بناء عقلية صناعية مختلفة.

عقلية ترى في الطالب مشروع مهندس، وفي المهندس مشروع باحث، وفي الباحث شريكاً للصناعي، وفي المصنع مؤسسة للمعرفة بقدر ما هو مؤسسة للإنتاج.

لذلك، فإن الأثر الذي تركه أيمن جابر لا يمكن اختزاله بعدد المصانع أو أطنان الحديد التي أنتجتها خطوطه.

الأثر الحقيقي كان في الفكرة.

فكرة أن سوريا قادرة على الانتقال من الصناعة التقليدية إلى الصناعة القائمة على العلم، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى محاولة فهمها وتطويرها.

ولهذا، حين يُكتب تاريخ الصناعات الثقيلة السورية، سيبقى من المشروع الحديث عن مرحلتين:

صناعة ما قبل أيمن جابر... وصناعة ما بعد أيمن جابر.

مازن عصام

مازن عصام

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.