الكاتب: أحمد علي
يرتسم شعور بالهدوء والأمل كلما توقفت البنادق، وهذا حال السوريين ما بعد الهدنة والاتفاق الأخير ما بين الحكومة وقسد رغم أن الهدن لا تصنع السلام وحدها، لكنها تمنح الناس فرصة حياة أقل خوفاً.. من هنا جاء الاهتمام بالاتفاق الأخير الذي أُعلن بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في 30 كانون الثاني 2026، لأنه يطرح سؤال تجاوز حرب الإخوة كما أسميناها هنا أو منع عودتها في الشمال الشرقي.
لم يقتصر الارتياح الذي ظهر على جمهور طرف بعينه، بل بدا رغبة عامة في تجنب جولة قتال جديدة، خصوصاً في الجزيرة التي عاشت سنوات من توتر الأمن وتعدد السلطات. لكن الارتياح يرافقه حذر، لأن تجربة اتفاق الحكومة السورية وقسد مع الاتفاقات الجزئية تُظهر أن النصوص وحدها لا تكفي، وأن الاختبار يبدأ عند التطبيق.
اتفاق الحكومة السورية وقسد
يقدَّم الاتفاق بوصفه تثبيتاً لوقف إطلاق النار وتحويله إلى مسار اندماج تدريجي. من أبرز بنود الاتفاق انسحاب الطرفين من خطوط تماس، والسماح لقوات تابعة لوزارة الداخلية بالدخول إلى مدن رئيسية في الشمال الشرقي مثل الحسكة والقامشلي، مع الإشارة إلى استمرار أدوار شرطية محلية. كما ورد أن بنوداً تتعلق بدمج قوات قسد ضمن تشكيلات عسكرية رسمية ستُنفذ عبر ألوية أو وحدات جديدة ضمن هياكل الدولة، بالتوازي مع دمج مؤسسات الإدارة المدنية في مؤسسات الدولة.
وتحدثت المعطيات عن إنهاء عملي لمشروع إدارة ذاتية امتد لسنوات عبر إدماج الهياكل المدنية في مؤسسات دمشق، مع الحديث عن ضمانات لحقوق مدنية وتعليمية تخص الكرد وعودة تدريجية للنازحين.
كما أشارت التقارير إلى أن بعض النقاط بقيت موضع نقاش، ومنها قضايا تتعلق بوحدات خاصة داخل قسد وبكيفية توزيع الصلاحيات داخل المدن. ونشرت وكالة سانا نصاً قالت إنه بنود اتفاق من نقاط متعددة، ما يعكس محاولة لتقنين المسار، ولو أن ترجمة البنود ستبقى رهناً بميزان الثقة والتطبيق.
وجاء الاتفاق بعد جولة قتال وتجارب اندماج سابقة لم تُستكمل، ما يفسر الإلحاح على خطوات متدرجة. وهذا السياق يرفع سقف التوقعات، لكنه يرفع أيضاً كلفة الفشل، ويجعل الاستمرار في التهدئة مصلحة مشتركة للناس.
لماذا أثار ارتياحاً عاماً؟
يرى كثير من المتابعين أن قيمة الاتفاق الأولى ليست في الصياغة، بل في خفض منسوب الخوف. سكان الجزيرة يحتاجون استقراراً يضمن حركة التجارة، وعودة المدارس، وتراجع احتمالات النزوح. كما أن قبول فكرة الحوار بين طرفين سوريين يعطي إشارة إلى أن أدوات السياسة لم تُغلق تماماً.
وفي نقاشات محلية كثيرة، يتجاور مطلب وحدة سوريا وسيادتها مع مطلب الاعتراف بالتعدد القومي والاجتماعي. الجمع بينهما يمنع تقديم الاستقرار على حساب الحقوق، ويمنع أيضاً تحويل التنوع إلى ذريعة للتصادم.
مع ذلك، لا يحمل هذا الارتياح معنى التفويض المفتوح لأي طرف. يتعامل كثيرون مع الاتفاق بوصفه خطوة لتجنب كلفة الحرب، لا بوصفه تسوية نهائية. وآخرون يذكرون بأن الضمانات الثقافية أو التعليمية تحتاج إطاراً قانونياً واضحاً وآليات تطبيق ومراجعة، حتى لا تصبح بنداً رمزياً يسهل تجاوزه عند أول أزمة أو تبدل في موازين القوى.
اختبار التطبيق على الأرض
تطبيق اتفاق الحكومة السورية وقسد هو نقطة الضعف المعتادة في اتفاقات ما بعد الصراع. دمج القوى العسكرية يعني ضبط السلاح ضمن قرار موحد، لكنه يطرح أسئلة عن الرواتب والتجنيد والانضباط والقضاء العسكري، وعن كيفية التعامل مع الانتهاكات المحتملة من دون تسييس التحقيقات. ويزداد التعقيد مع وجود قضايا لم تُحسم بالكامل بعد، مثل مستقبل بعض الوحدات المتخصصة داخل قسد.
أما دمج الإدارة المدنية فيتطلب طمأنة السكان بأن الخدمات لن تتراجع وبأن التمثيل المحلي لن يُصادر. يصبح مطلوباً تحديد جداول زمنية واقعية، وتوفير آليات تظلم، وبناء قنوات تواصل شفافة، لأن الغموض يولد شائعات، والشائعات تتحول سريعاً إلى استقطاب.
كما أن عودة النازحين ليست مجرد إعلان، بل تحتاج أمن طرق، وإجراءات قانونية، ومساعدات لإعادة السكن والرزق، وإشارات واضحة بأن الدولة لن تعيد إنتاج ممارسات الإقصاء أو العقاب الجماعي.
مخاطر التعطيل وتضارب المصالح
التخوف من تعطيل اتفاق الحكومة السورية وقسد مفهوم. وقد يأتي عبر خروقات متفرقة، أو عبر تصعيد إعلامي يعيد إنتاج لغة التخوين، أو عبر عرقلة بيروقراطية تُفرغ الدمج من معناه. ويذهب بعض المراقبين إلى أن مثل هذه العرقلة قد تخدم مصالح شبكات محلية تستفيد من اقتصاد الحرب، أو مصالح أطراف إقليمية ترى في أي تقارب تهديداً لحساباتها، أو مصالح دولية تفضل إدارة الأزمة لا إنهاءها.
في هذا المشهد يبرز دور الرعاة الخارجيين. تحدثت التقارير عن مساع أميركية وفرنسية لتثبيت الهدنة والدفع نحو إجراءات لبناء الثقة. وهذا الدور قد يساعد إذا التزم بدعم تطبيق واضح ومتسق، وقد يتحول إلى مصدر توتر إذا بدا منحازاً أو متقلباً. كما تشير بعض مراكز البحث إلى أن وساطة مستمرة قد تكون ضرورية لتفكيك العقد المتعلقة باللامركزية وتقاسم الصلاحيات، لأن هذه الملفات لا تُحل بخطوة واحدة.
من اتفاق ثنائي لوطني
يبقى السؤال الأكبر هو حدود ما يحققه اتفاق الحكومة السورية وقسد بمفرده. الاتفاق، مهما كان مهماً، يظل ثنائياً، بينما الأزمة السورية أوسع وتتداخل فيها ملفات سياسية ودستورية وحقوقية واقتصادية. لذلك تبدو الخطوة اللاحقة، وفق ما تقترحه أصوات مدنية عديدة، هي تحويل الهدنة إلى بداية مسار وطني لا يستثني أحداً، ويُشرك قوى سياسية ومجتمعية من مختلف المناطق، ويضع قواعداً للتمثيل والمساءلة وتكافؤ الفرص.
يستند هذا الطرح إلى فكرة أن أي تسوية مستقرة تحتاج إطاراً شاملاً يقوده السوريون ويضم السوريين، وهي روح تتقاطع مع ما يدعو إليه قرار مجلس الأمن 2254 من أجل عملية سياسية جامعة.
أخيراً، يصبح دعم اتفاق الحكومة السورية وقسد أكثر جدوى حين يُقرأ بوصفه خطوة أولى لتخفيف العنف وبناء الثقة، لا بوصفه نهاية الطريق. وإذا أُريد له أن يكون بداية تجاوز لحرب الإخوة، فإن المعيار سيكون قدرة السوريين على حماية المجتمع من خطاب الاستقطاب القومي، وعلى تفضيل مصالح الناس اليومية على حسابات النفوذ، وعلى الدفع باتجاه اتفاق سوري شامل يربط الجزيرة بسائر الملفات الوطنية من الدستور إلى العدالة وإعادة الإعمار، ويمنح السوريين إحساساً بأن التهدئة ليست صفقة بين طرفين بل مصلحة عامة، وحينها فقط يمكن للاتفاق أن يتحول من محطة إلى مسار…
اقرأ أيضاً: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا