روايات

ازدياد الصادرات التركية إلى سوريا.. إخلال بالميزان التجاري وتدمير للمنتج المحلي

ازدياد الصادرات التركية إلى سوريا.. إخلال بالميزان التجاري وتدمير للمنتج المحلي

بقلم هلا يوسف

تلعب تركيا دوراً محوراً في دعم الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق. شملت سبل الدعم الجانب الاقتصادي الذي يشكل عصب الحياة السورية في مرحلتها الانتقالية. حيث فتحت تركيا وسوريا صفحة جديدة في التبادل التجاري، واستثمار الفرص لإعادة الإعمار. في هذا المقال سنطلع على حجم التبادل التجاري بين البلدين، وتأثير زيادة الاعتماد على المنتجات التركية بالنسبة للمنتجات الوطنية المحلية.

حجم التبادل التجاري والتصريحات الرسمية

أشارت الإحصائيات الصادرة عن مجلس المصدرين في تركيا أن الصادرات التركية إلى سورية بلغت خلال عام 2025 نحو 69% مقارنة بعام 2024، إذ ارتفعت من 1 مليار و514 مليوناً و101 ألف دولار في 2024 إلى حوالي 2 مليار و568 مليون دولار في عام 2025.

واستحوذ قطاع الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية والمنتجات المصنعة على أعلى معدل نمو، بنسبة 35.4% وبقيمة بلغت 700 مليون و76 ألف دولار، فيما جاء قطاع المواد الكيميائية ومشتقاتها في المرتبة الثانية بقيمة 299 مليوناً و84 ألف دولار، واحتل قطاع الكهرباء والإلكترونيات المرتبة الثالثة بقيمة 224 مليوناً و311 ألف دولار.

وأشار جلال قاضو أوغلو، رئيس قسم شؤون التجارة مع سورية في اتحاد المصدرين الأتراك، لوكالة “الأناضول” ، إلى أن هذا الارتفاع جاء نتيجة الجهود الكبيرة المبنية على أسس منهجية ومستدامة خلال العام. وأضاف أن عام 2025 شهد تأسيس علاقات تجارية مستقرة ومنظمة بشكل أكبر، مع تلبية احتياجات المصدرين بالتعاون مع السلطات المختصة، ومع الحفاظ على سرعة الاستجابة وإيجاد الحلول العملية لتحقيق النتائج المرجوة.

ولفت قاضو أوغلو إلى أن الصادرات التركية لم تعد تقتصر على المناطق الحدودية، بل امتدت إلى مختلف مراكز الإنتاج في تركيا، مشيراً إلى أهمية الاستقرار الإقليمي الذي ساهم في بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد، وأن إعادة دمج سورية في شبكات التجارة الإقليمية يعزز التجارة بين البلدين ويفتح طرقاً أوسع للأسواق في الشرق الأوسط وأفريقيا والخليج.

من جهة أخرى أعلنت وزارة التجارة التركية أن إجمالي عائدات تركيا من صادراتها لدول الجوار بلغ 28 ملياراً و352 مليوناً و370 ألف دولار في 2025، مقارنة بـ 27 ملياراً و92 مليوناً و772 ألف دولار في 2024، بزيادة بلغت 4.6%، شملت دولاً مثل سورية والعراق وأذربيجان وبلغاريا وإيران واليونان. كما سجل إجمالي صادرات تركيا من السلع 273.4 مليار دولار في 2025.

وأكد نائب وزير التجارة التركي أوزغور فولكان آغار إلى أن العلاقات التجارية مع المناطق السورية والحكومة الجديدة بدأت تتطور بشكل ملحوظ بعد الإطاحة بالنظام السابق، ومن المتوقع أن تتحسن الأرقام مع استقرار الوضع السياسي.

الآثار السلبية على المنتج المحلي والاقتصاد السوري

بالرغم من هذا النمو، يرى الخبراء أن الوفرة الكبيرة للسلع التركية في الأسواق السورية تشكل ضغطاً على المنتج المحلي السوري وعلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وفي هذا الخصوص يشير الدكتور إبراهيم قوشجي، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إلى أن ارتفاع قيمة الصادرات التركية ليس مجرد تبادل تجاري، بل هو تغير كبير في أساسيات الاقتصاد السوري، بمعنى أنه يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين كل مستلزمات الإنتاج، من المواد الأولية والمعدات الصناعية وقطع الغيار إلى البرمجيات.

وأضاف قوشجي أن المنتجات التركية في الأسواق السورية، بما في ذلك الأغذية واللحوم والمعلبات والألبسة والأواني الزجاجية والمعدات الصناعية، تمثل نوعاً من المنافسة الحادة للمنتج المحلي. فالمنتج المحلي يواجه منافسة مباشرة من السلع التركية، وفي الوقت نفسه يعتمد على مستوردات تركية لتأمين مدخلات الإنتاج، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار والسياسات التجارية الخارجية. بالإضافة إلى أنه يشكل تهديد للمنشآت الصغيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي مقارنة بانخفاض أسعار المنتجات التركية، مع غياب دعم حكومي كافي، مما يضع هذه المنشآت في موقف ضعيف ويحد من قدرتها على المنافسة.

ويحذر الخبراء من فتح السوق السورية أمام جميع المنتجات التركية دون سياسات حمائية، مشيرين إلى أن هذا يحد من قدرة المنتج السوري على المنافسة، رغم الحاجة لبعض الواردات التي لا تنتج محلياً بكفاءة، خصوصاً في القطاعات الصناعية والزراعية والصحية.

الدعم التركي لسورية الجديدة والمقارنة مع المرحلة السابقة

على صعيد التعاون الاستراتيجي، تسعى تركيا إلى دعم إعادة إعمار سورية واستعادة اقتصادها، بما يتجاوز هدف الربح التجاري المباشر. وقد تجسدت هذه الجهود بتوقيع 14 بروتوكول تعاون خلال زيارات وزير التجارة التركي عمر بولاط إلى دمشق، شملت الصناعة والطاقة والنقل والتحول الرقمي، ودعم البنية التحتية للمناطق الصناعية، بالإضافة إلى تأسيس لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وافتتاح مركز تقني بالتعاون مع مؤسسة “ميكست” لنقل تجربة التحول الرقمي الصناعي.

ووفق موقع المجلس الأطلسي الأميركي، تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 حوالي 1.9 مليار دولار. أما عام 2010 فقد وصل حجم التبادل التجاري إلى نحو 2.5 مليار دولار، منها 1.84 مليار دولار صادرات تركية مقابل 660 مليون دولار واردات سورية، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى مستويات شبه صفرية مع المناطق الخاضعة لنظام الأسد السابق، بينما استمر التبادل مع المناطق المحررة بقيم تراوحت بين 2.5 و3 مليارات دولار.

على المستوى الميداني وصف التاجر محمد فؤاد من إدلب حركة التجارة بأنها شبه أحادية الاتجاه من تركيا إلى سورية، خصوصاً في مواد البناء والمواد الغذائية، مع تزايد عمليات إعادة الإعمار وعودة النازحين. وأشار إلى أن الرسوم الجمركية المعدلة ما زالت تسمح بدخول البضائع التركية بأسعار منخفضة وجودة مرتفعة، ما يجعلها مهيمنة على السوق، خاصة في مجالات البناء والمفروشات والأدوات الكهربائية.

أما محروس الخطيب رجل الأعمال السوري، فرأى أن قطاع الترانزيت يشكل الفرصة الأهم لسورية، باعتبارها منفذاً برياً رئيسياً للبضائع التركية المتجهة إلى الخليج، وهو ما قد يتيح بناء صناعة خدماتية تحقق عوائد كبيرة.

وأكد الخبير التركي باكير أتاجان أن تركيا لا تنظر إلى السوق السورية بعين الربح فقط، بل تسعى إلى دعم إعادة الإعمار والبنية التحتية، معتبراً أن عودة الحياة الطبيعية إلى سورية وتمكين اقتصادها يعد رهان استراتيجي.

في النهاية، تشكل العلاقات التركية السورية أهمية كبيرة للبلدين، لكن في المقابل طغيان المنتجات التركية في الأسواق السورية يحرم المنتجات المحلية من التسويق لنفسها بشكل جيد. كما أن تكلفة الإنتاج المخلية تجعل من الصعب منافسة البضائع التركية ذات الجودة العالية والأسعار المنخفضة. وبذلك يجب على الحكومة السورية معالجة هذا الأمر قبل أن يفقد السوريين ثقتهم بالمنتج الوطني.

اقرأ أيضاً: تركيا في أحداث حلب: هدفاً أم فاعلاً في الاستهداف؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.