الكاتب: أحمد علي
حين تتحول الحدود من خط على الخريطة إلى امتحان يومي لقدرة الدولة على الإمساك بأرضها، يصبح الجنوب السوري أكثر من مساحة تماس عسكرية، يصبح مرآة لما استطاعت دمشق ترميمه بعد انهيار السلطة السابقة في كانون الأول 2024، وما عجزت بعد عن استعادته بالكامل. فمنطقة الفصل التي يفترض أن تبقى محكومة باتفاق 1974 عادت إلى الواجهة مع دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي إليها، ثم مع استمرار وجوده وتوسعه الهندسي والميداني، بينما السلطة الجديدة في دمشق تحاول في الوقت نفسه إعادة تركيب مؤسساتها، وتوحيد الفصائل، وامتصاص تشققات الداخل.
ولذلك فإن السؤال عن حماية السيادة هنا لا يبدأ من مشهد الدبابات وحده، بل من معنى السيادة نفسه، هل تُستعاد بدفعة واحدة عبر مواجهة مفتوحة، أم تُبنى تدريجياً عبر مزيج معقد من الأمن والدبلوماسية وإعادة بناء الدولة.
الجنوب السوري وحدود الردع
بحسب تقارير قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، لم يكن ما جرى بعد 8 كانون الأول 2024 حادثاً عابراً، فالأمم المتحدة تحدثت عن دخول قوات إسرائيلية إلى منطقة الفصل، ثم عن نقاط عسكرية وحواجز وطرق مغلقة ونشاطات إنشائية رأت أنها تخالف اتفاق فض الاشتباك. وفي تقريرها الصادر في كانون الأول 2025 قالت القوة الدولية إن الجيش الإسرائيلي أبقى على عشرة مواقع وعززها، وإنه واصل أعمال التجريف وإقامة العوائق في منطقة الفصل.
في المقابل، قدّمت إسرائيل هذه الخطوات بوصفها إجراءات دفاعية مؤقتة، ثم أعلن بنيامين نتنياهو في شباط 2025 مطالبته بنزع السلاح من القنيطرة ودرعا والسويداء، ومنع أي قوات سورية جديدة من الانتشار جنوب دمشق. وهنا يتضح جوهر المعضلة، فالجنوب السوري لم يعد مجرد خط دفاع أمامي، بل صار منطقة يريد كل طرف أن يعيد تعريفها بشروطه، دمشق بوصفها جزءاً من سيادتها القانونية، وإسرائيل بوصفها حيزاً أمنياً تريد ضبطه بما ينسجم مع مقاربتها العسكرية.
دولة تعود من الشظايا
لكن السؤال الأصعب لا يتعلق فقط بما يفعله كيان الاحتلال الإسرائيلي، بل بما تستطيع دمشق فعله فعلاً، فالسلطة الجديدة أعلنت منذ الأيام الأولى بعد التغيير أنها ماضية في دمج الفصائل تحت مظلة وزارة الدفاع، ثم بدأت تدريجياً استعادة مساحات واسعة من الشمال والشرق خلال 2025 وبداية 2026. غير أن بناء جيش وطني موحد، وتثبيت قيادة مركزية، وفرض انضباط واحد على جغرافيا خرجت طويلاً من يد الدولة، ليست مهمة تُنجز بقرار سياسي أو بخطاب تعبوي.
ويختزن الجنوب السوري تحديداً صعوبة إضافية، لأن القنيطرة ودرعا والسويداء ليست فقط محافظات حدودية، بل بيئات محلية لها حساسياتها وتوازناتها وعلاقاتها الموروثة من سنوات الحرب والتسويات والاقتصادات الهشة. لهذا تبدو قدرة دمشق على حماية السيادة مرتبطة أولاً بقدرتها على أن تكون دولة حاضرة ومقبولة داخل هذه المحافظات، لا مجرد سلطة ترفع علمها فوق الأبنية الرسمية.
ومع أن مؤشرات الاقتصاد وإعادة الانفتاح تحسنت، كما تعكسه خطوات رفع العقوبات الاقتصادية وتقارير صندوق النقد الدولي، فإن هذا التحسن ما يزال في طور البناء، ولا يكفي وحده لتحويل التعافي السياسي إلى احتكار كامل للعنف الشرعي في الجنوب السوري.
تفاوض يطارد الوقائع
من هنا يمكن فهم لجوء دمشق إلى مسار أقل ضجيجاً وأكثر براغماتية، فخلال 2025 كشفت رويترز عن قنوات غير مباشرة ثم لقاءات مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين ركزت على التهدئة ومنع الانزلاق عند الحدود. وهذا المسار لا يعني قبولاً سورياً بالأمر الواقع، بل يعكس إدراكاً لميزان قوى لا يسمح بحرب مفتوحة من دون كلفة هائلة على دولة ما تزال ترتب بيتها الداخلي.
وتضيف الأمم المتحدة إلى هذا المسار ثقلاً قانونياً وسياسياً، إذ شدد مجلس الأمن في قراره الصادر في 29 كانون الأول 2025 على وجوب احترام اتفاق 1974، وعلى ألا يكون هناك أي نشاط عسكري داخل منطقة الفصل، مع تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة حتى 30 حزيران 2026.
وقيمة هذا المسار أنه يمنع تثبيت الرواية الإسرائيلية بوصفها أمراً طبيعياً، ويُبقي الجنوب السوري ملفاً مفتوحاً في القانون الدولي وفي الدبلوماسية الإقليمية، أما حدّه الواضح فهو أنه لا ينتج انسحاباً سريعاً، بل يشتري الوقت ويمنع التدهور الكامل، ريثما تصبح كلفة البقاء الإسرائيلي أعلى من كلفة التراجع.
السويداء واختبار الشرعية
الداخل نفسه قال شيئاً مهماً في صيف 2025، فحين انفجرت اشتباكات السويداء، تحولت الفوضى المحلية سريعاً إلى باب لتدخل إسرائيلي مباشر وصل إلى ضربات في دمشق قالت إسرائيل إنها جاءت لحماية الدروز. وبعد ذلك تحدثت الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان عن انتهاكات خطيرة وضرورة المحاسبة.
الدرس هنا لا يخص السويداء وحدها، بل يخص الفكرة كلها، إذ لا يمكن حماية الجنوب السوري من الخارج إذا بقيت هشاشته الداخلية قابلة للاستثمار من كل طرف، فالدولة التي تريد تقليص هوامش التدخل لا يكفيها أن تنشر قوات، بل تحتاج أيضاً إلى علاقات ثقة محلية، وإلى أمن غير انتقائي، وإلى إدارة حساسة لمخاوف الأقليات والعشائر والبلدات التي عاشت سنوات طويلة خارج المركز أو على هامشه، فكل تصدع محلي غير معالج قد يتحول إلى ثغرة سياسية، ثم إلى مبرر أمني، ثم إلى تدخل عسكري يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
سيادة تتقدم بلا صخب
لهذا تبدو الإجابة الأكثر واقعية أقل درامية مما توحي به لغة الحدود، فدمشق لا تبدو قادرة اليوم على حماية السيادة في الجنوب السوري عبر حرب مفتوحة، لا بسبب غياب الإرادة فقط، بل لأن كلفة الحرب أكبر من طاقة الدولة وهي تعيد بناء جيشها ومؤسساتها واقتصادها، ولأن الجنوب السوري نفسه ما يزال يتأثر بأي ارتجاج إقليمي، كما ظهر حتى في آذار 2026 مع تعليق الدوام المدرسي في المحافظات الجنوبية بسبب التوترات العابرة للحدود.
لكن، لا يعني هذا عجزاً كاملاً أو قبولاً بالأمر الواقع، فما تستطيع دمشق فعله هو منع التوغّل من التحول إلى قاعدة مستقرة لا نقاش حولها، وذلك عبر مسارات تتكامل ولا تتصارع، تعزيز حضور الدولة أمنياً وخدمياً في القنيطرة ودرعا والسويداء، وتوسيع قنوات التهدئة والضغط الدولي لإبقاء الوجود الإسرائيلي موصوفاً كخرق لا كترتيب دائم، وتضييق الفراغات التي تسمح بتحويل الجنوب السوري إلى ساحة رسائل بين قوى أكبر، فالسيادة هنا لا تُسترد بضربة واحدة، بل تُعاد صياغتها خطوة خطوة، وكل خطوة ناجحة تقلل احتمال الحرب المفتوحة، وتزيد في الوقت نفسه قدرة دمشق على أن تقول إن الجنوب السوري ما يزال جزءاً من الدولة، لا مجرد أرض مؤجلة على هامش النزاع…
اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تكرر «إسرائيل» سيناريو الصومال في الجنوب السوري؟!