الكاتب: أحمد علي
إعلان زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بكين يلتقط لحظة تتجاوز البروتوكول العادي لتشير إلى أن العلاقات السورية الصينية قد تدخل طوراً مختلفاً عن كل ما عرفته خلال عقود، فما يبدو زيارة عمل أولى لمسؤول رفيع في حقبة ما بعد التحول السياسي بدمشق، قد يتحول إلى اختبارٍ لإرادة الطرفين في تحويل التاريخ الطويل من التواصل إلى مسار عملي في الإعمار والاعتراف والتوازنات الأمنية.
وعلى العموم، من الملاحظ أن خرائط النفوذ في الشرق الأوسط تتبدل، وتعيد الصين ترتيب أولوياتها في المنطقة على قاعدة البراغماتية وربط البنى التحتية، فيما تبحث القيادة السورية الجديدة عن مخارج اقتصادية وسياسية تعيد وصل الداخل بالعالم وتخفف أعباء الحرب والانهيار.
وسط هذه الحركة، تلوح قضايا حساسة: الاعتراف الدولي، دور العقوبات، ومسألة الأمن العابر للحدود، وهكذا تتقدم الزيارة باعتبارها لحظة قياس لسرعة وعمق العلاقات السورية الصينية في زمن إعادة الصياغة.
العلاقات السورية الصينية: البدايات الحديثة
تعود بدايات العلاقات السورية الصينية بصيغتها الحديثة إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية في 1 آب 1956، بعد مسار تقارب أعقب مؤتمر باندونغ وأجواء عدم الانحياز.. منذ ذلك التاريخ، حافظ الطرفان على قنوات سياسية مستقرة نسبياً، توزعت بين تبادل تمثيل دبلوماسي وتشاورات سياسية وتعاون محدود في الاقتصاد والثقافة، مع حرص صيني تقليدي على احترام سيادة الدول وعدم التدخل المباشر، وهذا الثابت المؤسِّس ظل قاعدة لسلوك بكين حيال دمشق عبر الحقب المتعاقبة.
من عدم الانحياز إلى اليوم
خلال الحرب الباردة وما تلاها، اشتغلت العلاقات السورية الصينية على إيقاع خطاب مناهض للهيمنة الغربية وتفضيل الحلول السياسية للنزاعات، ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، بدت مقاربة بكين حذرة، رافضة لتغيير الأنظمة بالقوة ومؤكدة أولوية السيادة ووحدة الأراضي. وظهر ذلك في مواقف متكررة داخل مجلس الأمن، حيث عارضت الصين مشاريع قرارات لا تتوافق مع رؤيتها للحل وتوزانها بين الإغاثة واحترام مؤسسات الدولة.
وهذه المقاربة انسجمت أيضاً مع هواجس أمنية صينية تتصل بمقاتلين أويغور قاتل بعضهم في سوريا، ما رفع ملف مكافحة الإرهاب إلى مرتبة أولوية في الحوار الثنائي.
شراكة 2023: محطة فاصلة
قفزت العلاقات السورية الصينية خطوة إلى الأمام في 22 أيلول 2023، حين أعلن الرئيسان شي جينبينغ وبشار الأسد في هانغتشو تأسيس «شراكة استراتيجية» خلال زيارة الأسد لحضور افتتاح آسيا 2023.
وشكل الإعلان ترسيماً سياسياً لرغبة بكين في لعب دور أوضح في مسارات الاستقرار وإعادة الإعمار مستقبلاً، ورسالة دعم لدمشق في وقت كانت فيه قنواتها الدولية محدودة، وهذه المحطة أضافت بعداً رسمياً إلى تقارب بدأ مبكراً مع دخول سوريا مبادرة «الحزام والطريق» مطلع 2022.
الحزام والطريق والإعمار: فرص ومخاطر
انضمام سوريا في 12 كانون الثاني 2022 إلى مبادرة «الحزام والطريق» مهّد لأطر تعاون تخطيطية في البنية التحتية والطاقة والاتصالات، لكنه ظل أسير بيئة معقدة: عقوبات دولية، هشاشة مالية، ومخاطر تشغيلية عالية. لذا توزعت توقعات «اقتصاد ما بعد الحرب» بين تفاؤل بإمكان جذب شركات صينية خبيرة في المشاريع الثقيلة، وتحفظات تتعلق بكلفة المخاطر واشتراطات التمويل وشفافية العقود.
لهذا، ستختبر زيارة الشيباني قدرة الطرفين على تحويل الوثائق الموقَّعة إلى جداول تنفيذ، خصوصاً في ممرات نقل وطاقة صغيرة قابلة للإنجاز وبتكلفة سياسية منخفضة.
ما بعد سقوط الأسد
منعطف كانون الأول 2024 في سوريا غيّر قواعد اللعبة، فبعد سقوط سلطة بشار الأسد وتحديداً في 21 شباط 2025، سُجّل أول لقاء علني بين الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع والسفير الصيني بدمشق، في إشارة إلى إبقاء خطوط التواصل مفتوحة رغم تبدل المشهد، وهذه التطورات نقلت العلاقات السورية الصينية إلى حوار مع سلطة جديدة تسعى لاعتراف دولي وخيارات اقتصادية عملية، فيما توازن بكين بين إرث علاقاتها السابقة ومقتضيات الواقعية السياسية.
زيارة الشيباني إلى الصين
يأتي الإعلان عن توجه أسعد الشيباني إلى بكين كأول زيارة رسمية لوزير خارجية سوري في الحقبة الانتقالية، بما يضع العلاقات السورية الصينية تحت الضوء. وترتسم على أجندة المباحثات ملفات متشابكة: مسارات الاعتراف الدولي التدريجي بالحكومة الجديدة، تحرير التجارة والخدمات المالية عبر قنوات إنسانية ثم تجارية، مساهمة صينية مدروسة في مشاريع إعادة إعمار سريعة العائد، وتفاهمات أمنية حول مكافحة الجماعات الإرهابية العابرة للحدود.
كما يُنتظر نقاش خاص بممرات «الحزام والطريق» الملائمة لوضع سوريا الحالي، واشتراطات الشفافية والحوكمة في أي تمويل، فإشارات مبكرة من خطابات الشيباني في مؤسسات فكرية غربية توحي برغبة في «تصحيح السمعة» وبناء ثقة مع العواصم الكبرى، وهو ما يجعل بكين شريك اختبار مبكر.
خلاصة واستنتاجات
تبدو العلاقات السورية الصينية أمام مفترق طرق، خصوصاً مع التحفظ الصيني على قرار مجلس الأمن 2799 الصادر بحق سوريا قبل حوالي أسبوع، فالتاريخ السياسي يمنحها قاعدة صلبة من الهدوء والتدرج، ومبادرة «الحزام والطريق» تعرض إطاراً عملياً للتعاون، لكن النجاح يتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، وضوح الإطار القانوني داخل سوريا وإرساء بيئة استثمار آمنة؛ ثانياً، مسار دولي يخفف من عوائق العقوبات أو يبتكر قنوات تمويل محمية؛ ثالثاً، توافق أمني يطمئن بكين حيال المخاطر العابرِة للحدود المرتبطة بقضية المقاتلين الأجانب.
فإذا نجحت زيارة الشيباني في فتح مسارات تنفيذية صغيرة وواقعية، فستنتقل العلاقات السورية الصينية من العناوين العريضة إلى النتائج الملموسة، أما إن بقيت العناوين أكبر من القدرة على التنفيذ، فستظل العلاقة رهينة «إدارة الوقت» بانتظار وضوح أوسع في المشهدين الداخلي والإقليمي. وبين هذين الخيارين، ستكشف الشهور المقبلة إن كانت بكين ستغتنم فرصة رسم ملامح دور جديد في شرق المتوسط، أم تكتفي بتثبيت موقعها كلاعبٍ يراقب ويتدخل عند الضرورة.
اقرأ أيضاً: في الصين نموذج برّاق: ما السبيل لعودة الأدمغة السورية المهاجرة؟!