صحة و جمال

بين الإغراء الجغرافي والوقائع القاسية.. هل سوريا بديل واقعي عن هرمز؟!

بين الإغراء الجغرافي والوقائع القاسية.. هل سوريا بديل واقعي عن هرمز؟!

الكاتب: أحمد علي

ليست كل فكرة لامعة قابلة للحياة، وبعض الأفكار تربح في لحظة تداولها أكثر مما تربح عند إخضاعها للخرائط والأنابيب والكلفة والوقت… من هذا النوع يجيء الكلام عن إمكان أن تكون سوريا بديلاً عن مضيق هرمز، وهو كلام يلتقط عنصراً حقيقياً لا يمكن إنكاره، أي الموقع السوري المفتوح على المتوسط والواقع في قلب تقاطعات برية واسعة، لكنه يقفز فوق أسئلة أثقل من الجغرافيا وحدها. فالممرات لا تُبنى بالرغبة، وأسواق الطاقة لا تغيّر عاداتها بعبارة سياسية عابرة، والدول التي تبحث عن بدائل عاجلة لا تختبر نظريات أنيقة بل تبحث عن بنية جاهزة، وضمان أمني، وتمويل واضح، وتفاهمات عابرة للحدود.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو فكرة سوريا بوصفها بديل هرمز أقرب إلى تصور نظري طويل المدى منها إلى خيار واقعي يمكن التعويل عليه الآن أو حتى في الأجل المتوسط.

سوريا بديل هرمز نظرياً

جاء الحديث على لسان المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك حين تكلّم عن ضرورة البحث عن بدائل لمضيق هرمز والبحر الأحمر، ورأى أن سوريا يمكن أن تلعب دوراً عبر الأنابيب. وهذا الطرح يستند إلى منطق مفهوم في ظاهره، فالدولة التي تطل على شرق المتوسط وتجاور العراق والأردن وتركيا ولبنان تبدو على الورق مرشحة للعب دور عقدة عبور، لا سيما إذا جرى وصلها بمشروعات إقليمية أوسع من نوع الربط بين الخليج والبحر المتوسط والبحر الأسود.

غير أن الفكرة، رغم جاذبيتها السياسية، لا تصبح واقعية لمجرد أن الخريطة تسمح بتخيلها، ذلك أن السؤال الحاسم ليس هل تستطيع سوريا أن تكون ممراً نظرياً، بل هل توجد اليوم منظومة إنتاج ونقل وتخزين وتصدير وأمن وتمويل تجعل من هذا الممر بديلاً فعلياً عن واحد من أهم عنقي الزجاجة في تجارة الطاقة العالمية؟ ربما هنا تبدأ المسافة بين الشعار والوقائع…

أين تتعثر الجغرافيا

الخلل الأول في فكرة سوريا بديل هرمز أن هرمز ليس مجرد طريق يمكن استبداله بخط على اليابسة، بل هو بوابة الخروج الأساسية لجزء ضخم من نفط الخليج وغازه المسال، وفي هذا السياق تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو عشرين مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية عبرت المضيق في عام 2025، بينما توضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن قرابة خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية مرّت منه أيضاً، ومعظمها من قطر.

وهذا يعني عملياً أن أي بديل حقيقي يحتاج أولاً إلى إخراج الطاقة من الخليج من دون المرور عبر هرمز، ثم نقلها عبر أراضٍ مستقرة إلى مرافئ قادرة على الشحن أو إلى شبكات استهلاك واسعة.

وهنا بالذات تظهر المشكلة، فسوريا لا تختصر هذه العقدة، لأن القسم الأكبر من صادرات المنطقة، وخصوصاً صادرات قطر والعراق والكويت، يبقى أسير الجغرافيا الأولى قبل أن يصبح أسير الجغرافيا السورية، ولذلك فإن الحديث عن سوريا بديل هرمز يتجاهل أن الجزء الأصعب من المسألة يقع قبل الوصول إلى سوريا لا بعدها.

أنابيب أكثر من كلام

وعلى سبيل النقاش فقط، توجد بدائل جزئية أكثر مباشرة من المسار السوري، فالسعودية رفعت صادراتها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر بالاستفادة من خط الشرق والغرب ذي السعة الكبيرة، والإمارات تملك خطاً يصل إلى الفجيرة خارج المضيق، والعراق يحاول منذ سنوات توسيع منافذه نحو جيهان التركي واستعادة خطوط معطلة أو محدودة القدرة. ولا نقول هنا إن هذه بدائل، وإن كانت فهي بدائل ليست كاملة بدليل أن هذه الدول ذاتها تعتمد على هرمز، لكنها قائمة وتخدم دول الإنتاج نفسها، ولهذا تبدو أكثر واقعية من الرهان على إنشاء مسار جديد طويل ومعقد يمر عبر سوريا.

وإذا كان هذا صحيحاً على مستوى البدائل المنافسة، فهو يصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى الداخل السوري نفسه، فالبنك الدولي قدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مع أضرار واسعة طالت البنية التحتية (هناك تقديرات أعلى وصلت حوالي 500 مليار دولار). وحتى استئناف تصدير شحنة نفط سورية من طرطوس في 2025 جرى التعامل معه بوصفه حدثاً استثنائياً بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، لا بوصفه دليلاً على جاهزية البلاد لتصبح مركز عبور إقليمي ضخم. بكلمات أخرى، البلد الذي ما زال يعمل على استعادة جزء من قدرته الأساسية لا يبدو مؤهلاً بعد لحمل وظيفة استراتيجية بهذا الحجم.

الأمن قبل الاقتصاد

الممرات الكبرى لا تعيش على الخرائط فقط، بل على الثقة، وهذه الثقة لها شروط ثقيلة، تبدأ من استقرار السلطة والسيادة على الأرض، ولا تنتهي عند أمن الحدود والتمويل والعقود طويلة الأجل، فالمستثمر الذي يضع مليارات الدولارات في خط طاقة عابر للحدود لا يشتري فكرة رومانسية عن الموقع، بل يشتري يقيناً قانونياً وأمنياً وسياسياً يمتد لعقود.

وسوريا، رغم التحولات التي شهدتها ومحاولات فتح الباب أمام التعافي الاقتصادي، لا تزال في طور التعافي المؤسسي والخدمي، كما أن بيئتها الإقليمية المباشرة لم تدخل بعد مرحلة هدوء مستقر يسهّل إطلاق مشروع بهذه الحساسية. حتى باراك نفسه، في الشرح المنسوب إليه، أقر بأن أنابيب المنطقة تاريخياً لم تعمل بكفاءة، وأن الحروب وضعف الاستثمار والأمن عطّلتها طويلاً، وهذا الإقرار يضع الفكرة في مكانها الصحيح، فهي ليست خطة جاهزة بل أمنية سياسية تصطدم بالشروط التي تجعلها قابلة للحياة.

بديل أم دور مساعد

من الإنصاف القول إن الموقع السوري قد يمنح البلاد مستقبلاً فرصة للعب دور مساعد في شبكات النقل الإقليمي، سواء في النفط أو الغاز أو التجارة البرية الأوسع، لكن الدور المساعد شيء، والبديل عن هرمز شيء آخر تماماً. فالبديل الحقيقي يجب أن يكون قادراً على استيعاب أحجام هائلة من الطاقة بسرعة، وعلى خدمة المنتجين الأساسيين، وعلى العمل في ظروف أزمة لا في ظروف مثالية فقط.

وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن سوريا تقترب من هذا المستوى، ليس لأن موقعها ضعيف، بل لأن الموقع وحده لا يكفي، فالمعادلة الفعلية تحتاج إلى شبكة أنابيب عابرة لعدة دول، ومحطات ضخ وتخزين وتصدير، وتفاهمات سيادية معقدة، واستثمارات بمليارات الدولارات، وسنوات من العمل الهادئ، قبل الوصول إلى مرحلة يمكن فيها اختبار الفكرة تجارياً.

لذلك يبدو الاستنتاج الأكثر توازناً أن سوريا بديل هرمز ليست وصفاً واقعياً للمرحلة الراهنة، بل عنواناً سياسياً أكبر من قدرة الأرض على حمله الآن، وأقصى ما يمكن قوله، استناداً إلى المعطيات المتاحة، إن سوريا قد تُطرح مستقبلاً كممر إضافي إذا نضجت الشروط، لكنها ليست بديلاً عملياً ولا سريعاً ولا مضموناً عن مضيق هرمز.

اقرأ أيضاً: عندما يهتز الإقليم.. اقتصاد سوريا تحت ضغط الجغرافيا السياسية

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.