الكاتب: أحمد علي
قد يبدو مشهد الصنابير الجافة في دمشق، مدينة الياسمين والبساتين، ضرباً من الخيال. كيف تعطش مدينة ارتوت على مدى آلاف السنين من نهر بردى وينابيع الجبال المحيطة؟ ولكن تهديدات كبيرة تواجه عين الفيجة اليوم تجعل هذا الكابوس احتمالاً وارداً. نبع الفيجة ليس مجرد نبع عادي؛ إنه الشريان المائي الذي يغذي دمشق بأغلب حاجتها من مياه الشرب منذ العصور القديمة. ومع تعرض هذا المصدر الحيوي لأخطار غير مسبوقة، يتساءل ساكنو دمشق بقلق: هل دمشق مهددة بالعطش فعلاً؟ للبحث عن إجابة، ينبغي فهم كيف وصل الحال إلى هذه الأزمة وما الخطوات المطلوبة لتجنب تحول دمشق إلى مدينة عطشى.
تهديدات عين الفيجة وشبح عطش دمشق
من سفح جبل القلعة في وادي بردى تتفجر مياه نبع عين الفيجة بغزارة مدهشة، إذ تصل غزارته في سنوات الوفرة إلى نحو 30 متراً مكعباً في الثانية خلال فصل الربيع. هذه المياه العذبة تمتاز بنقاوة استثنائية جعلتها من أجود مياه الشرب في العالم، وقد اعتمدت عليها دمشق كمصدر رئيسي للماء منذ القدم. استُخدم نبع الفيجة منذ العصور القديمة لتزويد دمشق بالمياه عبر شبكة أنفاق وقنوات تعود إلى العهد الروماني. وفي العصر الحديث، شهدت عشرينيات القرن الماضي نقلة نوعية بتأسيس لجنة خاصة عام 1922 لجرّ مياه الفيجة إلى دمشق عبر نفق حديث اكتمل عام 1933، مما ضمن تدفق الماء من النبع إلى كل أحياء العاصمة. لا عجب إذاً أن يسمى نبع الفيجة شريان دمشق المائي؛ فهو يؤمّن ما بين 70% إلى 80% من مياه الشرب لنحو خمسة ملايين من سكان دمشق وريفها. لكن هذا الشريان الحيوي بات ينبض بضعف شديد في الآونة الأخيرة. فقد شهدت غزارة الفيجة تراجعاً حاداً إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من ستة عقود.
خلال شتاء 2024/2025 سجّل النبع أدنى معدل تصريف له منذ عام 1956، إذ انخفضت التغذية المطرية إلى أقل من 30% من معدلاتها المعتادة. ومع هذا الشح غير المسبوق، تراجع تدفق مياه النبع إلى أقل من نصف طاقته المعتادة. تشير بعض التقارير إلى أن غزارة الفيجة هبطت في ذروة الجفاف إلى قرابة 2 متر مكعب في الثانية فقط، مقارنةً بـ 30 متراً في أوقات الوفرة، ما ينذر بكارثة مائية خانقة إذا استمر الوضع على حاله.
ما أسباب هذا التدهور الخطير في مورد المياه الأول للعاصمة؟ العامل الأول طبيعي ومناخي، يتمثل بتوالي سنوات الجفاف وتراجع الهطولات المطرية بسبب التغير المناخي. الشتاء الفائت كان من أشد المواسم جفافاً؛ فقد هبط معدل الأمطار في دمشق إلى نحو 25% فقط من المعدل السنوي المعتاد. هذا النقص الحاد في التغذية الطبيعية قلّص مخزون المياه الجوفية الذي يغذي الفيجة وينابيع المنطقة.
إلى جانب ذلك، هناك عوامل بشرية وإدارية جسيمة ساهمت في الأزمة. فخلال سنوات الفوضى والحرب الأخيرة، انتشر حفر الآبار العشوائية في محيط النبع وحوض وادي بردى دون حسيب أو رقيب. تشير دراسات إلى أن عدد الآبار غير المرخصة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2010، ما أدى إلى استنزاف جائر للمياه الجوفية المغذية للنبع. كثير من هذه المياه المسحوبة تُستهلك في ري مزارع خاصة أو تعبئة مسابح وحدائق فارهة، فيما تُحرم دمشق من حصتها الطبيعية. وإلى اليوم لا تزال بعض تلك الآبار غير الشرعية تضخ بلا رقابة ضمن منطقة الحرم المائي للنبع. كذلك أدت سنوات الحرب إلى تدمير أو تخريب أجزاء من البنية التحتية لمنظومة مياه الفيجة. خرجت أجزاء كبيرة من أنفاق وخطوط جرّ المياه عن الخدمة لفترات طويلة، وتأخر إصلاحها بسبب العمليات العسكرية.
تعاني شبكة التوزيع من التهالك؛ إذ يهدر ما يزيد عن 45% من المياه في الشبكة بسبب التسربات وسوء الصيانة. هذا الفاقد الهائل يعني أن قرابة نصف الماء النقي الذي يصل دمشق لا يستفاد منه فعلاً، مما يفاقم شح المياه حتى في الظروف العادية.
وقد طرح البعض تفسيرات خارجية لأزمة مياه دمشق، كمشاريع المياه في مرتفعات جبل الشيخ المحتلة (الجولان) بأنها وراء تجفيف النبع عبر سحب المياه الجوفية قبل وصولها للأراضي السورية. لكن الخبراء يؤكدون أن القصة أكثر تعقيداً من مجرد شماعة خارجية. صحيح أن قمم جبل الشيخ الثلجية تعد خزاناً مائياً يغذي ينابيع المنطقة، حيث يتجه جزء من مياهها شرقاً نحو حوض بردى-الفيجة وجزء آخر غرباً نحو ينابيع الأردن؛ إلا أن بعض الدراسات الهيدرولوجية تشير إلى أن آبار المياه التي حفرتها «إسرائيل» في منطقة الجولان تستخرج المياه من طبقات مختلفة وبعيدة عن الخزان المغذي لنبع الفيجة، وبالتالي يبقى تأثيرها محدوداً ولا يصل إلى منابع دمشق حالياً ولا في المستقبل المنظور.
العوامل الداخلية المحلية تبقى هي الأوضح والأخطر: مناخ جاف، استنزاف فوق المعقول للمياه الجوفية، وتهالك إداري وبنيوي في إدارة الموارد. نتيجة لكل ما سبق، بتنا نرى أزمة مياه خانقة تتجسد في حياة الدمشقيين اليومية. صار تقنين المياه القاسي جزءاً من روتين الحياة في العاصمة؛ إذ قد لا تصل المياه إلى بعض الأحياء سوى بضع ساعات كل عدة أيام. واضطر آلاف السكان إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار باهظة، حيث ارتفعت تكلفة خمسة براميل ماء إلى نحو 50 ألف ليرة سورية وأحياناً أكثر من ذلك، في وقت تعاني فيه معظم الأسر من ضائقة معيشية خانقة. ويحكي الأهالي كيف أصبحت فترات انقطاع المياه الطويلة تفرض تنظيم حياتهم اليومية بالكامل حول مواعيد ضخ الماء؛ فمواعيد الاستحمام والغسيل وحتى الطبخ باتت مرهونة بالساعات القليلة التي تتوفر فيها المياه. مشهد الاصطفاف حول صهاريج المياه، واصطفاف البراميل البلاستيكية فوق أسطح البيوت وفي الشرفات، أضحى مألوفاً في دمشق التي كانت يوماً فيحاء خضراء.
بالنسبة لمدينة عُرفت تاريخياً بحدائقها الغنّاء ونوافيرها الرقراقة، فإن التحول إلى العطش الجماعي أمر غير مسبوق ويبعث على القلق العميق. السؤال الذي كان افتراضياً بالأمس أصبح مطروحاً بجدية اليوم: ماذا لو جفّ نبع الفيجة تماماً؟ هل سنشهد صنابير دمشق صامتة بلا ماء لأسابيع وربما شهور؟ وهل سيُجبر سكان هذه الحاضرة العريقة على النزوح الجماعي بحثاً عن أبسط مقومات الحياة – الماء؟
لم يعد هذا الطرح ضرباً من الخيال العلمي، فقد حذّر خبراء بأن استمرار الاستنزاف الحالي دون ضبط قد يحوّل دمشق إلى “مدينة أشباح” إذا نضبت مواردها المائية. ويؤكد أحد المتخصصين في شؤون المياه الجوفية أن الوضع المائي بلغ مرحلة حرجة، مشدداً على أن هدر المياه بات مسألة وجود، قائلاً: “إذا لم يُرشد استخدام المياه ستصبح دمشق مدينة أشباح” – في إشارة إلى احتمال نزوح السكان عن مدينتهم العطشى إن عجزت عن إروائهم.
الحلول قبل أن تعطش دمشق
في مواجهة هذا الخطر الوجودي المحدق بعين الفيجة ودمشق، لا بد من تحرك سريع وشامل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. الحلول المطروحة لتفادي سيناريو عطش العاصمة تتوزع بين إجراءات إسعافية عاجلة وإصلاحات استراتيجية بعيدة المدى:
- ضبط فوري لاستنزاف الموارد: الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً هي وقف النزيف في حوض الفيجة عبر حملة صارمة على حفر الآبار العشوائية. ينبغي إغلاق جميع الآبار غير المرخصة التي تستنزف مياه النبع ومحاسبة المخالفين بلا تهاون. إن فرض الإدارة الصارمة على موارد المياه الجوفية في حرم النبع وحمايته المباشرة هو المفتاح لضمان استدامة تدفقه. ضمن هذا الإطار أيضاً، يتوجب التنسيق مع الجانب اللبناني لضبط استجرار المياه الجوفية في المناطق الحدودية المشتركة (مثل بلدة طفيل وغيرها) لمنع استنزاف حوض الفيجة من خارج الحدود. فالمياه الجوفية بطبيعتها مورد عابر للحدود، والتعاون الإقليمي في إدارتها أمر لا مفر منه.
- تعزيز المصادر البديلة وصيانة البنية التحتية: بالتوازي مع حماية النبع، يجب إعادة تأهيل واستثمار مصادر المياه الاحتياطية في دمشق. لدى المدينة الآن مئات الآبار الجوفية التي تم تشغيلها كبدائل لتراجع الفيجة، حيث أعلنت مؤسسة مياه دمشق أن نحو 1700 بئر تضخ لتغذية دمشق وريفها حالياً لتعويض النقص. لكن قسماً كبيراً من هذه الآبار يواجه انخفاضاً في المنسوب أو أعطالاً في المضخات ونقصاً في الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيلها. لذا فإن صيانة هذه الآبار وتأمين مستلزماتها من مضخات وكهرباء بات أمراً حيوياً لضمان استمرار قدرتها على العطاء. كما يتعين إدارة الضخ من الآبار الاحتياطية بحكمة لمنع استنزافها هي الأخرى، فلا تُستخدم إلا بالقدر والوتيرة التي تضمن استدامتها ريثما يستعيد نبع الفيجة عافيته. إضافة لذلك، لا بد من معالجة مشكلات شبكة التوزيع المهترئة التي تتسبب بهدر يقارب نصف المياه كما أسلفنا. الاستثمار في إصلاح خطوط المياه المتصدعة واستبدال الشبكات القديمة سوف يستعيد كميات كبيرة من المياه المهدورة، ويخفف الضغط عن الموارد الشحيحة أصلاً. إنه “هامش الأمان” الذي لا يجوز إهماله؛ فكل قطرة ماء نوفرها عبر الصيانة تقلّل الحاجة لسحب المزيد من المخزون المتناقض.
- ترشيد الاستهلاك وفرض الرقابة: على صعيد آخر، يصبح وعي المواطن وترشيده للاستهلاك خط دفاع لا يقل أهمية. لا بد من إطلاق حملات توعية تشجع السكان على توفير كل قطرة وعدم الإسراف في استخدام الماء. وفي الوقت نفسه، تطبيق قوانين صارمة لمنع هدر مياه الشرب في غير ضرورات الشرب والمنزل. وقد بدأت المؤسسة العامة لمياه الشرب بدمشق بالفعل تطبيق برنامج تقنين صارم يشمل العاصمة وريفها، إلى جانب التلويح بعقوبات مشددة على المخالفين وفق نظام استثمار المياه الموحد – بما في ذلك فرض غرامات مالية مضاعفة على من يستخدم ماء الشرب لأغراض مثل رش الشوارع وغسل السيارات وري المسابح والحدائق الخاصة. هذه الرقابة الصارمة على الاستهلاك، مع ما قد تسببه من انزعاج للبعض، أضحت ضرورة ملحّة لضمان عدالة التوزيع ومنع الهدر العبثي في هذا الظرف الحرج.
- خطط استراتيجية بعيدة المدى: على المدى الطويل، لا مفر من إعادة التفكير بشكل جذري في استراتيجية المياه للعاصمة. أزمة مياه دمشق مركّبة جاءت نتيجة تراكب عوامل مناخية وإدارية وبنيوية وتقنية، ما يعني أن الحل لن يكون سحرياً أو فورياً. إذ ينبغي العمل على عدة محاور إصلاحية: بدءاً من تبني إدارة مائية حديثة وشفافة تقوم على بيانات علمية دقيقة، مروراً بتقليل الفاقد في الشبكة إلى الحد الأدنى، ووصولاً إلى استكشاف مصادر غير تقليدية للمياه. لقد حان الوقت للنظر في حلول كانت تعد بعيدة المنال فيما مضى – مثل تحلية المياه ونقلها إلى الداخل، أو معالجة مياه الصرف الصحي لإعادة استخدامها في الري والصناعة – كخيارات جدية لدعم أمن المياه. ورغم كلفة هذه المشاريع، فإن كلفة عدم وجود ماء أعظم بما لا يقاس. كما أن تعزيز التعاون الإقليمي في تقاسم الموارد المائية والتبادل الشفاف للبيانات الهيدرولوجية مع دول الجوار، أصبح ضرورة لضمان إدارة عادلة ومستدامة للمخزون المائي المشترك. فالمياه قضية تتخطى الحدود السياسية، وأزمة المناخ تجعل من التعاون لا التنافس السبيل الوحيد لتجنب عطش مشترك في المستقبل.
باختصار، إنقاذ عين الفيجة يعني إنقاذ دمشق من شبح العطش. هذه المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة فحسب، بل هي تكاتف بين الجهات الرسمية والخبراء والمجتمع المحلي وكل مواطن يشرب من مياه دمشق. الإدراك الشعبي يزداد بأن كل ليتر ماء أصبح ثميناً، وأن الحفاظ على هذا المورد بمثابة الحفاظ على الحياة نفسها في العاصمة. لقد نجت دمشق عبر تاريخها الطويل من حصارات وحروب وكوارث لا حصر لها، فكيف نقبل أن يكون العطش هو التهديد الذي قد يكتب فصلها الأخير؟
الأمل ما زال قائماً بتدارك الوضع إن توفرت الإرادة وحسن الإدارة. وكما يقول المثل: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج» – والاستثمار في حماية مياه دمشق اليوم هو الوقاية التي ستجنبنا الندم غداً. وإن لم نفعل، فقد تغدو تحذيرات الكتب السماوية واقعاً مريراً… وردَ في القرآن الكريم: «قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غَوراً فمن يأتيكم بماءٍ معين». فلنحفظ لنا نبع الفيجة معيناً دافقاً قبل أن نجد أنفسنا بلا ماءٍ معين!
اقرأ أيضاً: رفع حالة الطوارئ.. تقنين مائي حاد في دمشق خلال الصيف