رياضة

ثروات زراعية ضخمة في الجزيرة: رهان اقتصادي وتحديات كبيرة

ثروات زراعية ضخمة في الجزيرة: رهان اقتصادي وتحديات كبيرة

بقلم هلا يوسف

لم تكن معركة شمال شرق سوريا معركة عسكرية ذات أبعاد استراتيجية فقط، بل حرب من أجل الموارد الطبيعية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد السوري، ومن يمتلك الخزان الطبيعي لهذه الموارد يمتلك القوة الاقتصادية التي تمده بالمال. ومن هنا يأتي الحديث في هذا المقال بعيداً عن الموارد النفطية، لنتجه نحو حجم الإنتاج الزراعي للمنطقة الشرقية. وأهميته بالنسبة للاقتصاد والأمن الغذائي، والتحديات التي تواجه الملف الزراعي في تلك المنطقة.

تشكل الجزيرة السورية التي تضم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، نحو 41% من مساحة البلاد، وهي إحدى أهم المناطق الاقتصادية والاستراتيجية في سوريا. فهي ليست مجرد أراضٍ واسعة، بل سلة الغذاء وخزان المياه والطاقة والنفط، مما يجعل السيطرة عليها عملية محورية ضمن خطط الدولة لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز الأمن الغذائي بعد سنوات طويلة من النزاع والانقسام. ويشير خبراء الزراعة إلى أن التطورات الأخيرة في شرق البلاد تمثل بداية مرحلة جديدة، لكنها ما تزال محاطة بتساؤلات حول قدرة الدولة على تحويل هذه السيطرة الجغرافية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة على صعيد الغذاء والطاقة، وتخفيف الضغوط على الاقتصاد الكلي.

حجم الثروات والموارد في الجزيرة

تحتضن الجزيرة السورية نحو 64% من الموارد المائية في البلاد، وتعد مركزاً رئيسياً للزراعة والثروة الحيوانية. فهي تنتج أكثر من مليوني طن من القمح سنوياً، أي أكثر من نصف الإنتاج الوطني، مع تركيز نحو 45% منه في الحسكة والرقة، بما يعادل حوالي 1.8 مليون طن. وتتصدر الجزيرة أيضاً إنتاج القطن بنسبة 62%، حيث تمثل الحسكة وحدها 38% من الإنتاج، وهو ما يجعلها ركيزة أساسية لصناعة النسيج. إلى جانب ذلك، تمثل الثروة الحيوانية أكثر من 37% من الإنتاج الزراعي، بقيمة تقدر بنحو 3.17 مليارات دولار، وكانت الحسكة تضم قبل الأزمة أكبر قطيع أغنام في البلاد بأكثر من 3 ملايين رأس.

يؤكد خبراء الزراعة مثل مهند الأصفر، المدير التنفيذي لشركة أكمافيد أن هذه الكتلة الإنتاجية لم تكن مجرد أرقام، بل شكلت ركيزة للاستقرار الاقتصادي، سواء من حيث استقرار أسعار الغذاء أو خفض فاتورة الاستيراد. ويشير إلى أن محافظة الحسكة وحدها كانت تسهم بنحو ثلث إنتاج القمح الوطني، إلى جانب دورها المحوري في إنتاج القطن والشعير والمحاصيل العلفية التي تدعم الثروة الحيوانية.

كانت مساهمات الجزيرة في الاقتصاد الوطني تتجاوز 27% مطلع الألفية، لكنها تراجعت إلى 19% بعد عام 2011 بفعل النزاعات التي أصابت البنية الإنتاجية بالشلل، ما انعكس على الأمن الغذائي والناتج القومي. ووفق تقديرات وزارة الزراعة الأميركية لموسم 2024–2025، توزع إنتاج القمح في المحافظات الثلاث على النحو التالي: الرقة 23%، الحسكة 22%، دير الزور 10%، ما يوضح مركزية الجزيرة في أي سياسة وطنية للغذاء والاكتفاء الذاتي.

أثر استعادة السيطرة على الاقتصاد والأمن الغذائي

استعادة الدولة نحو ثلث الأراضي الزراعية في الجزيرة تمثل خطوة استراتيجية لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني. ويشير الدكتور أسامة القاضي المستشار الأول في وزارة الاقتصاد، إلى أن عودة السيطرة توفر موارد مباشرة للخزينة العامة، وتحسن مستوى المعيشة وتعزز القدرة على إدارة المالية العامة، خاصة أن نحو ثلث الناتج القومي السوري قبل عام 2011 كان يعتمد على النفط والغاز المتركزة في المنطقة.

ويؤكد عبد السلام العمر الباحث الاقتصادي، أن السيطرة على الجزيرة تشكل تغيراً جوهرياً في معادلة الأمن الغذائي والميزان التجاري، إذ تسمح للدولة بإعادة هيكلة سياسة القمح والانتقال من الاعتماد على الاستيراد إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الجزئي.

كما تعد السدود الكبرى في الجزيرة مثل الفرات وتشرين، عنصراً أساسياً للاستقرار، إذ كانت قبل الحرب تزود الشبكة الوطنية بما يتراوح بين 800 و1000 ميغاواط. وبالتالي إعادة دمج هذه السدود قد يخفف أزمة الكهرباء ويحسن ري آلاف الهكتارات الزراعية ويخفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي، مما يعزز فرص الاستثمار ويقلل الاعتماد على الاستيراد.

فقد برز تحرير مشروع ري القطاع السادس في محافظة دير الزور كمؤشر عملي على حجم الرهان الاقتصادي المرتبط بهذه التحولات. ويمتد المشروع على مساحة تقارب 12 ألف هكتار، ويضم محطتين تحتوي كل منهما على سبع مجموعات ضخ، إضافة إلى نحو 12 مأخذاً مائياً على القناة الرئيسية بطول 15 كيلومتراً. ويؤكد مهند الأصفر أن استعادة المشروع يعيد إلى الواجهة دور الجزيرة في دعم الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، بعد أن بقيت آلاف الهكتارات خارج الخدمة سنوات طويلة.

التحديات الاقتصادية والإدارية والفساد

على الرغم من الإمكانات الكبيرة التي تحتويها منطقة الجزيرة، واستعادة الحكومة السورية السيطرة عليها فإن ذلك لا يعني تعافياً فورياً. فالخطر الأكبر يكمن في إدارة الموارد ضمن اقتصاد منهك يحتاج إلى تمويل وتكنولوجيا وحوكمة فعالة، وثقة داخلية وخارجية. ويشير أيمن ديوب الخبير الاقتصادي في هذا الخصوص، إلى أن استعادة الشرق إذا تم إدارتها اقتصادياً بشكل صحيح، يمكن أن تشكل نقطة انعطاف في الاقتصاد الكلي عبر تخفيف فاتورة استيراد الغذاء والطاقة، وتحسين إدارة الدعم، وتعزيز الأمن الغذائي، وهي عوامل مترابطة تؤثر مباشرة على معدلات التضخم والاستقرار الاجتماعي. لكنه يحذر من أن غياب التخطيط قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها داخل الجغرافيا المستعادة.

ويشير المحلل الاقتصادي يونس الكريم إلى أن المناطق الشرقية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى استقرار أمني وعسكري وتأثيرات الجفاف. ويشدد على أن معالجة هذه القضايا تتطلب دعماً حقيقياً، بما في ذلك تأمين المياه وتشغيل معامل الأسمدة لتخفيض تكاليف الإنتاج وتعزيز القطاع الزراعي.

وتكشف المعطيات في الرقة عن ملفات فساد واسعة خلال سنوات سيطرة “قسد”، ضمن ما يعرف “بمشروع الرائد”. فبعد تجميد لجان توزيع الأراضي رسمياً عام 2013، تحولت العملية تدريجياً إلى سوق سوداء علنية، يتم إدارتها من شبكات تبيع حقوق الانتفاع بمبالغ ضخمة بعيداً عن الرقابة القانونية.

وتعتمد الصفقات على التلاعب بالقيود والمخططات، فيما تتراوح أسعار الأراضي بين 20 ألف دولار لمساحة 30 دونماً في المواقع العادية، وتصل إلى 100 ألف دولار في المواقع الاستراتيجية مثل محيط دوار حزيمة، وتشمل مساحات واسعة مثل مزرعة حطين (600 دونم) ومزرعة الأسدية (1400 دونم) ومحيط مؤسسة ساريكو وعدة قنوات ري رئيسية.

وقد علق وزير المالية محمد يسر برنية على عودة دير الزور والرقة إلى إدارة الدولة السورية بأنها تمثل تحولاً استراتيجياً ينعكس مباشرة على الموارد المالية والموازنة العامة وخطط إعادة الإعمار. ويضيف أن استعادة خيرات الجزيرة من النفط والغاز والثروات الزراعية والحيوانية يوفر هامشاً مالياً يسمح بالتوسع في الإنفاق الاستثماري، بينما يمتد أثر الزراعة والمياه إلى قطاع الطاقة عبر إعادة دمج السدود في الشبكة الوطنية، ما يخفف عجز الكهرباء ويخفض كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي.

باختصار، عودة إدارة المناطق الشرقية إلى الدولة السورية يعني فرصة كبيرة لإعادة رسم الاقتصاد الوطني، لكن في المقابل نجاح هذه الفرصة يعتمد بشكل كبير على كفاءة المسؤولين عن الملفات المختلفة الخاصة بموارد تلك المنطقة.

اقرأ أيضاً: تدمير جسري الرقة.. حين يدفع المدنيون ثمن المواجهات العسكرية

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.