رياضة

حقول قمح الرقة تدق ناقوس الخطر: الأسمدة تخنق المحصول .. هل اقتربت النهاية؟

حقول قمح الرقة تدق ناقوس الخطر: الأسمدة تخنق المحصول .. هل اقتربت النهاية؟

بقلم: ديانا الصالح

مناشدات قديمة وتتجدد، بأصوات فلاحي الرقة الذين باتوا اليوم على حافة العزوف عن زراعة القمح، لا سيما بعد ارتفاع أسعار الأسمدة القياسي، إلى جانب غلاء تكاليف الإنتاج على رأسها الحراثة والمبيدات والمحروقات، وسط ما يصفه المزارعون بالإهمال الحكومي لمطالبهم.

وفي هذا السياق، يثور تساؤل ملحّ: هل تكفي خطط ورقية دون حلول عاجلة تحمي أهم المحاصيل الاستراتيجية وركيزة الأمن الغذائي في سوريا؟

للمزيد من التفاصيل حول قضية محصول القمح في الرقة وتداعياتها، تابع مقالنا التالي..

تدهور محصول القمح في الرقة

يواجه الفلاحون في محافظة الرقة تحديات تتعلق بتكاليف الإنتاج والتملح وهي مشكلات باتت مألوفة لدى معظم مزارعي سوريا، ولكن اليوم الخطر يتصاعد ويكاد يحدق بأحد أهم ركائز الأمن الغذائي وهو محصول القمح نتيجة للارتفاع القياسي بأسعار السماد، وعلى الرغم من المناشدات المتكررة إلا أنه لا وجود لآذان صاغية وفقاً لشهادات الأهالي.

وفي ارتفاع غير مسبوق، يشير فلاحون في الرقة إلى قيامهم بزراعة محاصيلهم على نفقتهم الخاصة دون أي دعم حكومي أو قروض، وسط تكاليف إنتاجية أرهقت كاهلهم، وفي مقدمتها الأسمدة، حيث يبلغ فيه سعر كيس السماد أكثر من 60 دولار، فقد وصل سعر الطن إلى ما يزيد عن 700 دولار، بينما كان قبل شهور لا يتجاوز 400 و450 دولار.

إلى جانب أزمة أسعار الأسمدة التي تخنق محصول القمح في الرقة، تأتي الكهرباء لتحبط أي مساعٍ لري المزروعات، التي تعتمد على المضخات الكهربائية، في ظل تقنين قاسٍ، حسب شهادات على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرين أيضاً إلى انخفاض جودة المزروعات بشكل ملحوظ نتيجة لعدم القدرة على تحمّل تكاليف شراء الأسمدة والمخصبات.

لا يتوقف الرقم عند 700 دولار، فبالنسبة لمزارع لديه 10 و15 دونماً، فإن ذلك يستنزف قيمة منتجه بالكامل تقريباً، لا سيما مع اقتراب الحصاد وعدم الإنبات بشكل صحيح نتيجة لقلة الري في ظل ارتفاع أسعار المحروقات، حيث وصل سعر برميل المازوت إلى ما يقارب 150 دولار.

كما يستنكر المزارعون تحول الاهتمام الحكومي نحو الصناعة على حساب الزراعة في محافظة الرقة، مشيرين إلى أن المدينة زراعية وليست صناعية، الأَولى هو الدعم للقطاع الزراعي ثم التوجه للمقومات الصناعية، مطالبين بتأمين الأسمدة بأسعار مدعومة إلى جانب دعم المحروقات، لحماية مواسم لا سيما محصول القمح في الرقة.

فيما يكمن الخطر الأكبر بتكرار الشكاوى من عدة محافظات مثل دير الزور والحسكة من إهمال وزارة الزراعة لمطالبهم، محذرين من دمار المواسم وسط عزوف كبير عن الزراعة، والانتقال إلى العمل بأجور يومية، مع إبداء استعداد الكثيرين للهجرة خوفاً من البطالة وفقدان لقمة العيش.

تحديات جديدة أمام الأمن الغذائي

في تحذير سابق، يوضح الخبير الزراعي حسام القصار أن الوضع الحقيقي يحمل صورة أكثر قتامة، فالإنتاج يصل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، مما يمثل تهديداً صريحاً للأمن الغذائي في سوريا، فعجز الإنتاج سيدفع إلى الاعتماد على الاستيراد مما يضغط على العملة الصعبة، ويؤدي في النهاية إلى ارتفاع سعر الخبز وغيره من المواد الغذائية الرئيسية، إلى جانب زعزعة الاستقرار الاجتماعي وتردي الأوضاع الاقتصادية، مما يضاعف حجم الفقر والبطالة لا سيما في الأرياف.

ويعزو القصار سبب تدني إنتاج محصول القمح في الرقة إلى الاختناق الاقتصادي، الناجم عن الارتفاع القياسي في التكاليف الإنتاجية التي شكّلت عبئاً لا يُحتمل لغالبية الفلاحين، وسط معادلة خاسرة وغير متكافئة فجنون أسعار المستلزمات الإنتاجية، يقابله انخفاض وتقلب في أسعار المحاصيل، مما اضطر إلى تحول الكثيرين من زراعة القمح إلى محاصيل أخرى أقل تكلفة، في ظل فشل السياسات الزراعية الداعمة وفقاً لوصفه، فلا وجود لتأمين زراعي ولا قروض ميسرة إلى جانب التعقيد البيروقراطي.

التملح يخطف الأرزاق

تتوالى الأزمات الزراعية على محافظة الرقة كغيرها من المدن الزراعية السورية، ولكن مخاوف التصحر باتت مرسومة على أراضي ريف الرقة أكثر من غيرها، والتي تتجلى بالجفاف، والتملّح الناجمين عن قلة الأمطار وتراجع ساعات الري، واستنزاف مياه الآبار الرديئة إلى جانب ارتفاع نسبة التبخر، ورداءة شبكات الصرف الزراعية، وفقاً لخبراء زراعيين.

تعقيباً على ذلك، أكد مدير الزراعة في محافظة الرقة، محمد الخدلي، سعي المديرية إلى تنفيذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الفنية للحد من التملح والتصحر، مشيراً إلى مباشرة فرق الصيانة تنظيف المصارف الزراعية، بما يسهم في مرونة تصريف مياه الري، فضلاً عن منع ارتفاع المنسوب إلى الأراضي الزراعية.

حلول مقترحة

بالنسبة للحلول المقترحة لإنقاذ محصول القمح في الرقة، فقد باتت محفوظة عن ظهر قلب نتيجة لطرحها المتكرر من قبل الخبراء والباحثين في المجال الزراعي، والتي تتمحور حول تقديم قروض وتعويضات للمزارعين، مع توسيع غطاء التأمين الزراعي إلى جانب إصلاح برامج الدعم وتقديم الحوافز المالية لأهالي الأرياف الزراعية، فضلاً عن دعم الأسمدة والمحروقات، والمستشارين الزراعيين الذين يشكلون عصب الإنتاج بتقديم المشورة والنصائح في ترشيد استخدام الأسمدة والطرق الذكية لتلافي الأضرار.

وفي هذا الصدد، يرى الخبير الزراعي القصار أنه لا بد من اتخاذ تدابير عاجلة مثل التوجه الفعلي نحو إدارة مسألة الموارد المائية، من خلال برامج ترشيد استهلاك المياه، وتطوير أنظمة الري، إلى جانب بناء سدود صغيرة لتجميع مياه الأمطار، كما يجب اعتماد تقنيات حديثة للزراعة الذكية، إضافة إلى إصلاح ومراجعة نظام الدعم للفلاحين مع توفير الدفع بشكل مباشر، وتحسين التأمين الزراعي، فضلاً عن توفير القروض الميسرة بسهولة.

أزمة واسعة النطاق

الرقة ليست الوحيدة في مضمار المظلومية والإهمال الحكومي كما يصف الخبراء، فسهل الغاب أيضاً تعرض لتضرر نحو 8237 دونماً من أراضيه الزراعية بشكل كامل، بينها 7503 دونم مزروعاً بمحصول القمح، وعلى الرغم من معرفة السبب الفني المتمحور حول سوء التصريف في المنطقة، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لدفع الجهات المعنية إلى حل مشكلة المصارف التي لم تُعزل لأكثر من 15 عاماً، حسبما أشار مدير الهيئة العامة لتطوير الغاب، عبد العزيز القاسم.

والقائمة تطول، فالجزيرة بشكل عام تعاني من تدني الخدمات المقدمة للمزارعين وتدهور المحاصيل، مع ورود أنباء من مصادر إعلامية عن إصابة بعض الحقول بأحد أخطر أنواع الفطور السامة “الإرغوت“، مما يضع عدة علامات استفهام حول حقيقة الأمر وغياب التوضيح الرسمي.

بين تعالي أصوات الاستغاثة الزراعية وتهديدات الأمن الغذائي، يطرح السؤال نفسه: هل تكفي خطة خمسية دون حلول عاجلة تخص شخص الفلاح؟

كثيرة هي الانتقادات التي طالت الاستراتيجية الخمسية لوزارة الزراعة السورية، حيث يتساءل خبراء اقتصاديون حول سبب غياب الأهداف الرقمية وتوضيح سياسة وآليات التمويل إلى جانب الاستمرار في تقليص الإنفاق العام الذي يحتاجه المزارعون أكثر من أي وقت مضى، وسط انتقاد لما وصفوه بالغموض حول تحديد الموارد المالية لتحقيق الزراعة الذكية وغيرها من التوصيفات مع تراجع الدور الحكومي الاستثماري، مع عدم الإشارة إلى التزام فعلي بدعم أهم المحاصيل الاستراتيجية “القمح” سواء من الناحية السعرية أو التسويقية.

وفي تصريح سابق للخبير الزراعي حسام القصار، أشار إلى أن النجاح في الخروج من أزمة القمح تتطلب إرادة سياسية قوية مع خطة استراتيجية عمل شاملة، إضافة إلى تقديم الدعم غير المشروط للفلاح، موضحاً أن هناك فرق واضح في الخيارات إما الاستمرار بخطط نظرية بعيدة عن الواقع، أو التوجه نحو استراتيجية وطنية شاملة تحيي سلة خبز السوريين، بالاستفادة من تجربة العراق الناجحة في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

تتعدد الأسباب والمتضرر واحد، فمن أزمة محصول القمح في الرقة إلى تهديد الأمن الغذائي السوري، تكمن قضية وجودية تتطلب إرادة سياسية حقيقية لانتشال الشعب السوري من الوقوع في براثن المجاعة وسوء التغذية، فهل تنجح الجهات المعنية في تدارك الأزمة قبل الوصول إلى نهاية طريق لا رجعة منها؟

اقرأ أيضاً: الحسكة: حين تصبح ساعة الري أغلى من سنبلة القمح..

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.