الكاتب: أحمد علي
فتح قرار إداري واحد ملف ضريبة الكحول ووضعها في واجهة النقاش العام في سوريا، ليس لأن الأمر مرتبط بالكحول وحده، بل لأنه يمتد من المزارع والمعمل إلى التاجر والمستهلك والحدود. تحولت لصاقة تُلصق على زجاجة إلى مدخل لسؤال أكبر عن كيفية جمع الإيرادات، وكيف يمكن تشديد الرقابة من دون دفع الطلب نحو التهريب أو السوق غير النظامية.
في هذا السياق ظهر تفاعل مباشر بين الخبير الاقتصادي السوري والمستشار في الشؤون المصرفية عامر شهدا ووزير المالية محمد يسر برنية، بدأ برسالة من شهدا تنتقد القرار، ثم برد من الوزير، ثم بتعقيب ثان من شهدا. وقيمة هذا الحوار، قبل كلّ شيء، هي أنه أخرج حجج الطرفين إلى العلن، وسمح للناس بمتابعة مسار القرار خطوة خطوة.
ضريبة الكحول تتصدر النقاش
صدر القرار الرقم 120 بتاريخ 27 كانون الثاني 2026، والذي يقضي برفع سعر لصاقة المشروبات الكحولية إلى ألف ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي مئة ألف بالقديمة. وألزم القرار بجرد فوري للصاقات لدى المنتجين والمستوردين والمرخصين واستيفاء فروق القيمة. وتقارير محلية ربطته بقانون رسم المواد الكحولية رقم 165 لعام 1945 وتعديلاته وببدء تنفيذه بعد نشره في الجريدة الرسمية.
قرار اللصاقة بين الرقم والسوق
تُعامل الكحول في كثير من الدول ضمن الضرائب الانتقائية، وهي ضرائب تُفرض على سلع بعينها لأهداف مالية وصحية في آن واحد. صندوق النقد الدولي يشير إلى أن التصميم الأكثر اتساقاً وعدالة يكون عادة مرتبطاً بمحتوى الكحول أو بحجم الكحول الصافي، لأنه يربط العبء بدرجة الضرر المتوقعة أكثر مما يربطه باسم المنتج أو شكل العبوة.
أما اللصاقة نفسها فتُقدَّم كأداة رقابية ضد التهريب، لكن نجاحها لا يتوقف على وجودها المادي. إذ ترى أدبيات التحكم بالإيرادات أن الطوابع الضريبية تساعد أكثر عندما تُدمج مع التتبع والترخيص والرقابة الميدانية، وقد تكون محدودة الأثر إذا ظلت وحدها بلا إنفاذ كاف. لذلك فإن ضريبة الكحول لا تُختبر نظرياً، بل في سوق تتأثر بفروق الأسعار مع دول الجوار وبقدرة الدولة على تطبيق القانون عملياً على الأرض، ومنع التزوير وضبط القنوات غير النظامية.
رسالة شهدا وملامح الاعتراض
اعتبر عامر شهدا، في رسالته إلى الوزير، أن رفع سعر لصاقة المشروبات الروحية خطأ ستكون تداعياته سلبية على الخزينة، لأن ارتفاع العبء قد يشجع التهريب ويحرم الدولة من موارد كانت تحصلها من السوق النظامية.
كما حذّر من أثر محتمل على معمل الميماس إذا تراجع تسليم العنب للمعمل وما يتبعه من تراجع في الإنتاج والتصدير. وذهب إلى أن الكميات المسلّمة قد تنخفض بين 60 و70 في المئة، وأن تراجع الإنتاج سيؤثر على التصدير الذي قال إنه يشكل الجزء الأكبر من مبيعات المعمل.
وتشير تعريفات منشورة عن الشركة إلى أنها تأسست في زيدل بمحافظة حمص وتنتج العرق والنبيذ ومنتجات أخرى مرتبطة بتصنيع العنب. وفي تقارير اقتصادية سابقة ذُكر أن الشركة صدّرت شحنات من عرق الميماس إلى الولايات المتحدة وتحدثت عن توسع أسواقها الخارجية.
الشق الاجتماعي كان أساسياً في اعتراض شهدا أيضاً. قال إن انتشار أدوات التقطير المنزلية مثل الكركي في مناطق زراعة العنب قد يعيد إنتاج العرق البلدي وتداوله خارج القنوات المرخصة، ما يعني أن جزءاً من إيراد ضريبة الكحول قد يذهب إلى جيوب غير مرخصة بدل الخزينة. وأضاف أن هذا التحول قد يمنح أسواقاً مجاورة، ومنها لبنان، فرصة توسع على حساب المنتج المحلي.
رد الوزير وحدود التبرير
في رد للوزير محمد يسر برنية، جاء الدفاع ضمن إطار أوسع من الكحول وحدها. قال الوزير: ارتفاع الضريبة على الكحول سيطال كذلك منتجات الدخان ومشروبات الطاقة والمنتجات عالية السكر، أي أن الاستهداف يتجه إلى المنتجات الضارة بالصحة.
وقال الوزير: الهدف من اللصاقة هو مكافحة التهريب، وإن نسب الارتفاع مماثلة للعديد من الدول، مع تأكيده أن مجموعة من أصحاب المعامل المرخصة طلبت الاجتماع وأن الوزارة ستستمع لهم وتنظر في الأمر من باب المصلحة العامة. وأضاف أن الضريبة ستكون منافسة مع دول الجوار وأقل منها، وأن مقارنة العبء ستُجرى للتأكد.
وهذا التبرير الصحي ينسجم مع اتجاهات عالمية أكثر تشدداً تجاه الكحول، ومنظمة الصحة العالمية في أوروبا أعلنت أن لا مستوى آمناً من استهلاك الكحول عندما يتعلق الأمر بالصحة، وأشارت إلى أن الأدلة المتاحة لا تثبت وجود عتبة يتوقف عندها أثره المسرطن. ومع ذلك، تبقى فعالية السياسة مرتبطة بالتفاصيل، لأن المبدأ الصحي لا يمنع تلقائياً توسع التهريب إذا انكسر ميزان الأسعار والرقابة.
ما بعد السجال العلني
لم يتوقف النقاش عند هذا الحد، فتعقيب شهدا الثاني لم يقتصر على العدالة الضريبية. شكك في تبرير الصحة العامة، وقال إن ضرر الكحول يقع على من يستهلكه لا على الصحة العامة، وضرب مثالاً بسياسات يرى أنها ترفع التلوث وتطال الجميع، وفق تعبيره.
وفي الجانب الضريبي، انتقد توحيد قيمة اللصاقة على سعات مختلفة، وقدر أن الزيادة بلغت نحو 350 في المئة على سعر بعض العبوات، واقترح ربط الرسم بالسعة أو بسعر البيع. وتتقاطع فكرة الربط بالسعة مع توصيات دولية تربط الضريبة بمحتوى الكحول أو بالكحول الصافي. ثم حذر من تنشيط التهريب إذا اتسعت الفجوة مع دول الجوار.
في المقابل، لم يكن شهدا الصوت الوحيد، فالتقارير المحلية نقلت آراء لاقتصاديين مثل يونس الكريم تحدثوا عن أن رفع كلفة سلعة محددة في سوق هش قد يعيد تشكيله عبر الندرة وتوسع السوق السوداء، حتى لو كان الهدف تنظيمياً. وبين هذين الموقفين تقف أسئلة تنفيذية مثل القدرة الفعلية على ضبط الحدود، ومدى إشراك المنتجين المرخصين في تفاصيل التطبيق، وحجم الموارد المخصصة للرقابة.
ختاماً، تحوّلت ضريبة الكحول إلى اختبار مزدوج لوزارة المالية، اختبار في الإيراد واختبار في الثقة. فالنجاح يعني زيادة التحصيل من دون انفلات التهريب، والفشل يعني انتقال الإيراد إلى قنوات غير رسمية كما يخشى المعترضون.
وبين الاحتمالين، يبقى الحوار والوصول إلى تفاهم مع أصحاب المعامل المرخصة فرصة لتحويل السجال من منشورات متبادلة إلى نقاش يوازن بين الصحة العامة والعدالة الضريبية وواقع السوق. وسيكون المقياس العملي لنجاح القرار ما ستظهره الأسعار في الأسواق وحركة التهريب، لا ما يُقال في منشورات أو تصريحات، خلال الأسابيع القادمة على أرض الواقع.
اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يكون الطعام مسبباً للإدمان؟