منوعات

زراعة الورد في جبلة: تجربة اقتصادية مزدهرة وفرص واعدة

زراعة الورد في جبلة: تجربة اقتصادية مزدهرة وفرص واعدة

بقلم هلا يوسف

من بين مشاتل تنضح بالجمال والألوان برزت زراعة الورد بشكل محدود ضمن المحميات الزراعية في جبلة منذ عشرين عاماً. إلا أن سقوط النظام السابق أعطى المجال للكثير من الشباب للعودة إلى أرضهم واكتشاف خيراتها المعهودة التي حالت بينهم وبينها الخدمة العسكرية، لتكون الآن مصدراً لرزقهم، وتنافس الزراعات التقليدية نظراً لقلة تكاليفها، ومردودها الاقتصادي الجيد، وقدرتها على مقاومة الظروف المناخية المختلفة. ومع مرور الوقت، أصبحت زراعة الورد خياراً استثمارياً مهماً للمزارعين في المنطقة، خاصة بعد أن أثبتت نجاحها مقارنة بزراعة الخضار التي تتعرض أحياناً للخسارة.

وجدت الكثير من العائلات في جبلة وريفها حياتها وسط الورد لتتوسع زراعتها خصوصاً في منطقة عين شقاق، التي أصبحت عنوناً أساسياً للمشهد الزراعي ومصدراً مهماً للدخل لكثير من العائلات، وتظهر التجربة كيف يمكن للقطاع الزراعي أن يتكيف مع الظروف الاقتصادية والمعيشية.

تنوع الأصناف وأماكن الزراعة

تشمل زراعة الورد في جبلة أصنافاً متعددة تلبي احتياجات السوق المحلي، من أبرزها الورد الجوري، والكريزنتيم، والجيبسوفيلا، والسوليداغو، والمنثور، والزنبق البلدي، واللويزيانا، إلى جانب نباتات الزينة المستخدمة في تنسيق الباقات مثل ورق الصالون ومونتيسيرا.

وبحسب رئيس دائرة زراعة جبلة، المهندس باسل ديوب، تصنف زراعة الورد إلى قسمين: أزهار قطف ونباتات زينة. ويبلغ عدد البيوت المحمية المزروعة بالأزهار القطف في جبلة 2272 بيتاً، بينما يبلغ عدد بيوت الزينة 107 بيوت. يتركز العدد الأكبر من بيوت الأزهار في مركز الإرشادية عين شقاق بمجموع 1303 بيوت، تليها قرية سيانو بمجموع 459 بيتاً، ثم الروضة 107 بيوت، بينما توجد أعداد أقل في باقي القرى والأرياف. أما العدد الأكبر لبيوت الزينة، فيوجد في قرى حميميم بمعدل 100 بيت، مع تزايد التوسع في هذه الزراعات مقارنة بالمواسم السابقة.

يبلغ إنتاج البيت الواحد من الورود نحو 6000 وردة وسطياً، بينما تكلفة إنشاء البيت الواحد تقارب 18 مليون ليرة سورية. ويشير ديوب إلى أن أهم الأصناف المزروعة تغطي حاجة السوق المحلي وتعتبر مربحة للمزارعين، إلا أن هناك صعوبات تتعلق بارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، بدءاً من تجهيز البيت المحمي، وزراعته، وتسميده، ومكافحة الآفات، والري، واليد العاملة، وصولاً إلى القطاف والتسويق، حيث تتقلب الأسعار حسب العرض والطلب، ويظل التسويق محصوراً غالباً بالسوق المحلية.

التحديات التسويقية وآفاق التطوير

رغم النجاح الواضح الذي حققته زراعة الورد، إلا أن التسويق ما يزال التحدي الأكبر أمام المزارعين، إذ يتم استيراد كميات كبيرة من الورد من الدول المجاورة رغم وجود وفرة من الإنتاج المحلي، مما يجعل تصديره إلى المحافظات الأخرى صعباً. كما يؤدي الكساد أحياناً إلى انخفاض سعر الورد، مما يضر بموسم المزارع.

وتبرز فرص مهمة لتطوير هذا القطاع من خلال إنشاء مصانع لإنتاج العطور وماء الورد لتصديرها، ما يوفر مردوداً عالياً ويضيف قيمة حقيقية للمنتج المحلي. كما يمكن إنشاء تعاونيات زراعية أو وحدات تصنيع صغيرة لتنظيم الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية.

بينما يعود إقبال المزارعين على زراعة الورد إلى عدة عوامل منها دورة الإنتاج السريعة التي تتيح القطاف كل شهرين تقريباً، إنتاجية عالية تضمن دخل مستمراً، وتنوع الأصناف لتلبية جميع احتياجات السوق. كما تم استغلال بعض الفراغات في البيوت المحمية لزراعة الخضار لسد الحاجة المحلية، ما يعكس ذكاء المزارعين في استثمار المساحات المتاحة بكفاءة.

القيمة الاقتصادية والاجتماعية للورد

تمثل تجارة الورد ونباتات الزينة نشاطاً مجزياً في جميع المواسم، رغم تفاوت الأسعار حسب العرض والطلب والمناسبات. ففي أوقات الأعياد والمناسبات الخاصة، يرتفع الطلب على الورود بشكل كبير، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. أما في الفترات العادية، فيظل السوق المحلي متوازناً مع إمكانية تحسين العائد عبر التصدير.

ويتيح إنتاج الورود المجففة والأعشاب العطرية فرصة إضافية لتعزيز القيمة الاقتصادية، حيث تستخدم ورود جبلة في صناعة الخلطات العشبية والعطور الطبيعية وماء الورد، مستفيدة من جودتها العالية وقدرتها على الاحتفاظ بالخصائص الطبيعية.

وتساهم زراعة الورود أيضاً في توفير فرص عمل جديدة، خاصة للنساء في الريف، إذ توفر دخلاً مستقراً وجهداً أقل مقارنة ببعض الزراعات التقليدية، مع إمكانية العمل ضمن بيئة آمنة وصديقة.

بالإضافة إلى ذلك، لم يعد إنتاج الورود محصوراً بالسوق المحلي، بل وصل إلى أسواق دمشق وحلب وتجاوز الحدود إلى لبنان، مستفيداً من جودة البتلات المطلوبة أيضاً في صناعة ماء الورد والخلطات العشبية.

القيمة المضافة المفقودة وفرص الاستثمار

رغم نجاح التجربة، يوضح الخبراء أن “القيمة المضافة الضائعة” كبيرة، إذ لم يتم استثمار الصناعات التحويلية المحلية مثل إنتاج زيت الورد، الذي يمكن أن يصل إنتاجه إلى أكثر من 1200 كغ سنوياً بقيمة نحو 7 ملايين دولار وفق الأسعار العالمية. وتنتج المنطقة سنوياً نحو خمسة آلاف طن من الورد الطازج، ما يمثل فرصة كبيرة لتأسيس تعاونيات زراعية ووحدات تقطير، وبناء علامة تجارية وطنية قادرة على المنافسة عالمياً في قطاع العطور ومستحضرات التجميل.

وتعتبر زراعة الورد بديلاً عقلانياً لبعض المحاصيل التقليدية مثل الليمون، إذ تتيح دورة إنتاجية قصيرة كل شهرين تقريباً، ما يضمن سيولة مالية مستمرة ويحمي الأرض من ركود المواسم التقليدية. كما تتراوح تكلفة تجهيز البيت البلاستيكي بين خمسة وسبعة ملايين ليرة سورية، مع مناخ معتدل مناسب لنمو الورود، ما يقلل الحاجة إلى وسائل التدفئة المكلفة.

أما الواقع الميداني فيحتاج نجاحه إلى دعم تمويلي وتثقيفي للمزاعين المبتدئين، حيث يفتقر المزارعون للخبرات الفنية في تقنيات التقطير الحديثة، ما يجعل دعم الصناعات التحويلية أمراً ضرورياً لتحقيق الاستفادة الكاملة من الإنتاج المحلي.

ختاماً، على الرغم من أن زراعة الورد في جبلة لم يكن جديداً، إلا أن ازدهاره حالياً يمثل نقطة تحول كبيرة اجتماعية واقتصادية، وسط توفر الإمكانيات الكبيرة للتصدير من ناحية، ودعم السوق المحلية بصناعات تحويلية منه، مما يحقق تنمية مستدامة للكثير من العائلات.

اقرأ أيضاً: الوردة الدمشقية.. عطر أعاد تعريف لغة الورد في العالم

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.