بقلم: ديانا الصالح
مع اقتراب الموسم السياحي في الربيع والصيف، تتجه الأنظار نحو السياحة في سوريا ومدى تعافيها وقدرتها على جذب السياح، سواء من الداخل أو من الخارج، وعلى الرغم من التحسن الذي شهده القطاع خلال العام الماضي والأرقام الرسمية المُعلنة التي تشير إلى ارتفاع أعداد الزوار، لا تزال توضع عدة علامات استفهام حول مدى استدامة هذا التعافي، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية لشريحة واسعة من السوريين، إلى جانب تذبذب الثقة بالوضع الأمني والاستقرار والتوترات الإقليمية التي تنعكس بدورها على حركة السفر العالمية والاستثمار السياحي.
وبينما تسعى الجهات المعنية إلى إبراز سوريا كوجهة سياحية تتعافى تدريجياً، تبرز الفجوة الواضحة بين الخطابات الإعلامية والواقع المعيشي، مما يجعل الموسم السياحي المقبل تحت مجهر المحليين لأداء هذا القطاع، ومدى قدرته على تحقيق نمو فعلي ومستدام.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
السياحة في سوريا تحت المجهر
وفقاً لتقديرات وزارة السياحة السورية، فقد تخطى عدد الزوار 3.5 مليون خلال 2025، مما يعكس العودة التدريجية لهذا القطاع وإن وُصفت بالخجولة مقارنة بالأرقام الأعلى قبل عام 2011، التي سجلت استقبال 8.5 مليون سائح، وكانت تشكل إيرادات السياحة في ذلك الوقت نحو 14% من الناتج المحلي.
وعلى الرغم من تحسن الأرقام مقارنة بعام 2024، إلا أنها لا تعكس سياحة مزدهرة، فهي لم تحقق الأهداف المرجوة وفقاً لما يراه ناشطون وخبراء محليون، بالتالي فإن الدخل موجود ولكنه غير كافٍ لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
هذا ما يراه الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، حيث أكد أن العوائد السياحية خلال 2025 لم تكن بالمستوى المطلوب منها، رغم أن التوقعات كانت تتمحور حول تحقيق حوالي 6 مليارات دولار من الإيرادات مقابل 6 ملايين زائر، إلا أن الواقع كان مغايراً تماماً ولم يشكل إلا نسبة ضئيلة من هذا الرقم، وذلك يعود إلى تذبذب الأوضاع المالية والأمنية وعدم وضوح السياسة السياحية مع تراجع الأداء الإداري للقطاع، فضلاً عن تردي البنية التحتية، وفقاً لرأيه.
اليوم، لا يمكن الحديث عن عوائد سريعة يُحتمل جنيها من القطاع السياحي، فهو من القطاعات الاستراتيجية التي تحتاج إلى خطط طويلة الأمد، لإرساء قواعد ثابتة سواء في قوانين الاستثمار أو التشريعات الأخرى المرتبطة بهذا المجال، فالنجاح السياحي يحتاج إلى تسويق ناجح واستقرار سياسي وأمني.
وفي هذا السياق، يسلط الخبير الاقتصادي فراس شعبو الضوء على التحديات التي تواجهها سوريا رغم امتلاكها مقومات سياحية كبيرة سواء من الناحية الثقافية والتاريخية أو المواقع الأثرية، مشيراً إلى أن السياحة في سوريا تعاني ضعفاً بالأطر القانونية المنظمة للمشاريع الاستثمارية السياحية ضمن هذه المواقع، إلى جانب الأوضاع الأمنية فيها.
كما يبين شعبو أن القوة السياحية تنبع من فعالية النظام المصرفي وقوة العملة المحلية واستقرارها، ولكن سوريا تفتقر لهذا النوع من الاستقرار المالي مما يجعلها غير آمنة لضخ الأموال في كثير من الأحوال، فالمستثمرون السياحيون يميلون إلى معايير الأمان والوضوح في آلية إدخال أموالهم وإخراجها.
علاوة على ذلك، يُعتبر تصنيف سوريا في عدد من الدول كمنطقة عالية الخطورة، من العوائق الكبيرة في طريق الانتعاش المأمول، على سبيل المثال لا تزال بريطانيا والولايات المتحدة تضعها ضمن أعلى مستويات التحذير، مما يشكل تحدياً جوهرياً أمام الحركة السياحية الغربية.
من جهة أخرى، ينتقد خبراء محليون غياب الأرقام الرسمية سواء بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي أو معدل التضخم وغيرها من الإحصائيات التي تحتاج إلى مسوحات رسمية، للتمكن من تكوين صورة تحليلية واضحة للواقع الاقتصادي السوري، مما يؤثر بشكل كبير على دراسة أرباح السياحة المُحتملة.
السياحة الداخلية
تؤكد تقارير محلية تنامي حركة السياحة الداخلية خلال الفترة الأخيرة، رغم غياب بيانات رسمية منفصلة تقيس حجم هذا النمو، مما يجعل قياس هذا النشاط محصوراً بتقييم إشغال الفنادق وأرباحها التي ارتفعت إلى حوالي 170%، إضافة إلى زيادة الإقبال على المناطق الساحلية خلال موسم السياحة البحرية.
وعلى الرغم من الحديث الإعلامي عن نشاط السياحة الداخلية، إلا أن هناك عدة عوامل تعيق انتعاشها، مما يجعل تناميها خلال الموسم الحالي، موضع شك بالنسبة للعديد من الناشطين المحليين، وذلك يعود لارتفاع نسبة الفقر في سوريا إلى 90% تقريباً وفقاً لبيانات أممية، بينهم 27% يعانون الفقر المدقع، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة التي لا تزال تُحسب وفقاً لتقديرات غير رسمية بنحو 60%، فضلاً عن تراجع القدرة الشرائية وتضخم أسعار السلة الغذائية بشكل قياسي مقارنة بالعام الماضي، إلى جانب ارتفاع أجور النقل بين المحافظات.
تعكس هذه الأرقام غياب القيمة الحقيقية للسياحة الداخلية، حيث تقتصر على النزهات القصيرة دون إنفاق، وفقاً لما ترويه المواطنة سميا يوسف لسوريا اليوم 24، قائلةً: “لم يعد هناك ترتيب للأولويات، فالأجور لم تعد تغطي الاحتياجات الأساسية، أما بالنسبة للسياحة فهي أمر بعيد عن غالبية الأسر السورية ذات الدخل المحدود، فأجرة النقل اليوم تتعدى قدرتنا الشرائية، دون احتساب بقية التكاليف الخاصة بالرحلة السياحية”.
التوتر الإقليمي والسياحة
يؤكد خبراء اقتصاديون تأثر سوريا بأي خضات إقليمية فهي مفتاح الشرق الأوسط وفقاً لوصفهم، وما يزيد الطين بلة أنها في طور التعافي والحاجة إلى الاستثمارات والمساعدات لتتمكن من النهوض مجدداً بعد سنوات الحرب الطويلة.
وفي هذا الصدد، يتوقع الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي تأثر قطاع الطيران والسياحة في سوريا بما ستؤول إليه أوضاع الشرق الأوسط من استمرار التوترات الجيوسياسية وتصاعد حدة الصراع، وذلك نتيجة لتأثر حركة الطيران وما يرافقها من تغيير في مساراتها.
ويمكن دعم توقعات قضيماتي بدليل تأجيل إطلاق معرض السفر السوري 2026 إلى أواخر أيلول المقبل نتيجة للوضع الإقليمي الحالي، والذي كان من المفترض إقامته في 14 نيسان، حيث يمثل ترويجاً للمشاريع السياحية والاستثمارية الجديدة في سوريا، و استكمالاً للمسار الذي تنتجه الوزارة في تحديث وإصلاح قطاع السياحة، الذي يراه وزير السياحة مازن الصالحاني رافعة إنتاجية محورية، لما يشكله من فرصة واعدة لتوفير فرص عمل وتحريك إيجابي لسلاسل القيمة الاقتصادية، إضافة إلى مساهمته في توزيع العوائد بشكل مستدام ومتوازن وفقاً لرأيه.
كما أصدرت عدة دول تذكيراً حديثاً بمخاطر السفر إلى سوريا، حيث صنفتها ضمن خانة “تجنب السفر نهائياً” في ظل استمرار المخاطر الأمنية والتوترات في منطقة الشرق الأوسط، مما ينعكس بشكل سلبي على السياحة في سوريا.
استراتيجيات لتنشيط السياحة
توجد عدة استراتيجيات يمكن لصناع القرار البناء عليها في تنشيط الواقع السياحي السوري وتعزيزه، أبرزها:
- يُعد التعاون مع المنظمات الدولية لإحياء التراث وترميم المواقع السياحية المتضررة من أكثر الاستراتيجيات التي يدعو إليها الخبراء الاقتصاديون للحصول على الدعم الفني والمالي اللازمين.
- تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص في المجال السياحي، سواء بإنشاء المشاريع أو إقامة الفعاليات والمعارض مع تحقيق أعلى معايير الحماية والأمن للحاضرين.
- تحديث البنى التحتية وإعادة تأهيل المتضرر منها عبر خطط استراتيجية واضحة.
- الاهتمام بتطوير التعليم والتدريب الفندقي والسياحي، بما يعزز مهارات القوى العاملة ويرفع جودة الخدمات المقدمة في القطاع.
يبدو أن مستقبل السياحة في سوريا مرهون بقدرة الجهات المعنية على وضع سياسات واضحة وإدارة تقوم على الاستقرار المالي والتشريعي، إلى جانب تحسين الوضع الأمني، مما يعزز ثقة السائحين والمستثمرين، ويشجعهم على ضخّ أموالهم التي تعود بالفائدة الحقيقية على الاقتصاد الوطني.
وفي ظل هذه المعطيات يبقى تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي هو العامل الأبرز لأي انتعاش حقيقي للسياحة الداخلية، التي تُعد جزءاً جوهرياً من النشاط السياحي المحلي، حيث شكلت إيراداتها دفعاً مهماً لحركة القطاع في البلاد.
اقرأ أيضاً: ما التأثير الاقتصادي لقرار الكحول على السياحة في دمشق؟