مشاهير

“نزوح معاكس” على الحدود بين لبنان وسوريا.. بين الاستنفار الرسمي واختبار الجاهزية

“نزوح معاكس” على الحدود بين لبنان وسوريا.. بين الاستنفار الرسمي واختبار الجاهزية

بقلم: ريم ريّا

عودة اضطرارية للسوريين من لبنان في ظل تصعيد إقليمي متسارع بين إيران وأمريكا. فقد أعادت التطورات العسكرية الأخيرة في لبنان رسم اتجاه الحركة السكانية على الحدود السورية – اللبنانية، لكن هذه المرة بغير الصورة المعتادة، بل بصورة معاكسة.

مع تصاعد الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة في لبنان وسقوط 31 قتيلاً و149 جريحاً وفق الحصيلة الأولية لوزارة الصحة اللبنانية، بدأ آلاف السوريين المقيمين في لبنان بالعودة إلى الأراضي السورية، تحسباً لأي اعتبارات أمنية يمكن أن تلحق ضرراً بهم.

وثقت وسائل الإعلام المحلية والدولية مشاهداً أظهرت فيها طوابير طويلة من السيارات والعائلات عند المعابر، في ما يمكن وصفة بأنه موجة “نزوح معاكس” غير مسبوقة  منذ سنوات بين البلدين. هذه العودة مدفوعة بالخوف من تمدد العمليات العسكرية واتساع رقعة القصف في لبنان.

تبدو المعادلة اليوم مقلوبة، إذ باتت العودة إلى الداخل السوري في نظر كثيرين، الخيار الأقل خطورة في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، وسط سيناريوهات مفتوحة على جميع الأصعدة.

بين سوريا ولبنان.. هيئة المنافذ السورية استنفرت على مدار الساعة

أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، عن حالة استنفار كامل في منفذي معبر جديدة يابوس ومعبر جوسية الحدوديين مع لبنان، مؤكدةً تشغيلهما على مدار 24 ساعة بدءاً من 2 آذار 2026، بهدف تسهيل عبور السوريين العائدين إلى بلادهم.

فحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، استقبل المنفذان ما يقارب 11 ألف مسافر في يوم واحد، أغلبهم من المواطنين السوريين القادمين من لبنان. هذا الرقم في حال استمراره بوتيرة يومية مماثلة، يعني أن المعابر قد تواجه تدفقاً بعشرات الآلاف خلال أسبوع واحد فقط، وهو ما يضع البنية الإدارية والخدمية أمام اختبار فعلي للجاهزية.

الاجراءات التي تم اتخاذها من قبل الجانب السوري، شملت تنظيم حركة الدخول بشكل انسيابي، مع تسجيل البيانات الشخصية للعائدين، فضلاً عن توفير نقطة طبية للإسعاف الأولي، وتجهيز فرق طبية وعربات إسعاف في معبر جوسية تحسباً للحالات الطارئة.

كما سارعت السلطات المختصة إلى تطبيق ما يعرف بالداخل السوري “بالنافذة الواحدة”، عند معبر جديدة يابوس، والهدف منها توحيد الإجراءات الجمركية والإدارية ضمن إطار مبسط لتسريع المعاملات. من جانبها أكدت الهيئة عدم فرض أي إجراءات استثنائية جديدة على دخول اللبنانيين، مع استمرار العمل بالشروط القانونية السابقة، بما يشمل الإقامة أو الروابط العائلية أو الموافقات الرسمية. تتسم الإجراءات السورية، بتدقيق أمني مشدد حفاظاً على أمن سوريا واستقرارها.

اقرأ أيضاً: آثار سريعة ومباشرة على سوريا في حال بقاء الحرب الأمريكية – الإيرانية ضمن سقف محدود

معبر

الجاهزية السورية بين القدرات الإجرائية والتحدي الخدمي

تبدو السلطات السورية قادرة على استيعاب موجة الدخول، من حيث التنظيم والتسجيل وتشغيل المعابر وضبطها على مدار الساعة. إلى جانب تنظيم تشغيل الكوادر وتوفير الخدمات الطبية الأولية بشكل مستمر. ناهيك عن تشغيل أنظمة تنظيم حديثة نسبياً. كل هذه مؤشرات على استعداد إداري على المستوى الإجرائي الحدودي للتعامل مع التدفق الحالي.

لكن السؤال الأعمق، لا يتعلق بقدرة المعبر على إدخال 11 ألف شخص في يوم واحد أو أكثر على مدى أيام، بل بقدرة الداخل السوري على استيعاب العائدين خدمياً واقتصادياً. فالعائدون لا يدخلون إلى الفراغ، بل إلى بيئة تعاني أساساً من تحديات معيشية قاسية، في ظل وضع اقتصادي خانق، وضعف في الخدمات الأساسية. إلى جانب ضغوط أسعار الكهرباء المرتفعة ونقص تغذيتها في الفترة الحالية، ناهيك عن وضع المياه المتقلب بين منطقة وأخرى، إلى جانب نقص فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة.

في حال أخذنا بعين الاعتبار، تقاريراً سابقة في عام 2025، أشارت إلى عودة أكثر من 485 سوري خلال النصف الأول من العام الماضي، فإن موجة جديدة متسارعة كهذه في عام 2026، قد تفرض ضغطاً إضافياً على البنية التحتية المحلية، تحديداً في المحافظات الحدودية، مثل: ريف دمشق، حمص، طرطوس. والتي تعد نقاط استقبال أولى قبل انتقال العائدين إلى مناطقهم الأصلية. هذه الحالة تفرض تعدد الجاهزية على مستويات عدة، وهي:

  • جاهزية حدودية وإدارية، تبدو قائمة حالياً.
  • جاهزية خدمية واقتصادية، وهي أكثر تعقيداً وترتبط بقدرة الدولة على تأمين حد أدنى من الاستقرار المعيشي للعائدين.

معبر 2

الصعوبات متوزعة بين ضغط داخلي واختناقات حدودية وإجراءات أمنية

أظهرت المشاهد الميدانية، وجود ازدحام خانق على الجانب اللبناني، خاصةً عند نقطة “المصنع”، وتم رصد طوابير من السيارات الممتدة إلى مسافات طويلة. وقد أفاد بعض العائدون بوجود اشتراطات لبنانية تتعلق بتسوية أوضاع المخالفين ودفع غرامات مالية قبل السماح بالمغادرة الرسمية، ما أدى إلى تأخير عبور عدد من العائلات.

من الصعوبات كذلك، إجراءات التدقيق الأمني المشددة، بوصفها عاملاً يبطئ الحركة، سواء في عمليات الخروج من لبنان أو الدخول إلى سوريا. على الرغم من تأكيد الجانب السوري أن العبور يجري بانسيابية، لكن حجم التدفق بحد ذاته يخلق اختناقات طبيعية في أوقات الذروة.

لكن على المدى المتوسط، تبقى الصعوبات الأبرز، تأمين سكن للعائدين السوريين الذين فقدوا منازلهم أو لا يستطيعون العودة إليها، فضلاً عن إعادة دمج من غادر سوريا بطرق غير نظامية وتسوية أوضاعهم القانونية، إلى جانب استيعاب الضغط المحتمل على الخدمات الصحية والتعليمية في مناطق الاستقبال، وصولاً إلى إيجاد فرص عمل للعائدين في سوق يعاني أصلاً من محدودية القدرة الاستيعابية. بذلك، تتحول مسألة “الجاهزية” من مجرد سؤال حدودي إلى معادلة مركبة تشمل الأمن والاقتصاد والخدمات والإدارة المحلية.

ختاماً، تشير المعطيات الحالية إلى أن سوريا أظهرت قدرة تنظيمية سريعة في إدارة موجة العودة الأخيرة من لبنان، في ظل استنفار إداري وتشغيل مستمر للمعابر على مدار الساعة. لكن استمرار التصعيد الإقليمي قد يرفع الأرقام إلى مستويات أعلى، ما يجعل التحدي الحقيقي مرتبطاً بقدرة الداخل السوري على استيعاب هذا التدفق في ظل واقع خدمي واقتصادي معقد.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.