الكاتب: أحمد علي
حين يدخل أكثر من 200 ألف شخص من لبنان إلى سوريا خلال أقل من شهر، يصبح السؤال أبعد من عدّ العابرين على الحدود، وأقرب إلى قياس ما إذا كانت البلاد قادرة على تحويل عبورٍ سريع إلى استقرارٍ ممكن. هذا هو لبّ الحكاية. ليست المشكلة في فتح المعبر، بل في ما ينتظر الداخلين بعده، من خبز ومأوى ودواء وماء ومدرسة ووثيقة وراتب، ومن قدرة مجتمعٍ منهك أصلاً على أن يضيف حملاً جديداً إلى حمله القديم من دون أن ينكسر بصمت.
الأرقام التي خرجت في الأيام الأخيرة تعطي صورة أولية عن حجم الضغط، فقد قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 200 ألف شخص دخلوا سوريا بين 2 و27 آذار عبر المعابر الرسمية الثلاثة، ثم أشارت الأمم المتحدة للسكان في 1 نيسان إلى أن العدد بلغ 202,400 شخص، بينهم 3,100 امرأة حامل، مع توقع أن تلد 350 منهن خلال شهر واحد.
وهذا ليس مجرد تدفق بشري سريع، بل ضغط مركّز على مناطق وصول واستضافة وخدمات كانت تعمل أصلاً فوق طاقتها، أو تحتها بقليل.
استيعاب موجة العودة
الحديث عن استيعاب موجة العودة يوحي أحياناً بأن الدولة وحدها هي التي تستقبل وتوزّع وتؤمّن وتدير. الواقع أضيق وأقسى. في سوريا، كما في موجات نزوح وعودة سابقة، يبدأ الاستيعاب من العائلة قبل المؤسسة، ومن القرية قبل الخطة، ومن الغرفة التي تتسع لاثنين فتنام فيها خمسة. وهذا يعطي البلد قدرة أولية على امتصاص الصدمة، لكنه يخفي المشكلة أكثر مما يحلّها. فما يبدو في الأيام الأولى نجاحاً اجتماعياً، يكون في كثير من الأحيان نقلاً للكلفة من القطاع العام الضعيف إلى الأسر الفقيرة نفسها.
هذا مهم لفهم ما جرى في آذار 2026. فمعظم الداخلين لم يصلوا إلى بلد فارغ ينتظرهم، بل إلى بلد يستضيف أصلاً عائدين سابقين ونازحين داخليين ومجتمعات متعبة من تضخم الأسعار وتآكل الأجور. اليونيسف تقول إن أكثر من 1.9 مليون نازح داخلي و1.1 مليون لاجئ عادوا إلى مناطق محدودة الخدمات منذ أواخر 2024، بينما سجّلت الأسابيع الأولى من 2026 جولات قتال جديدة أدت إلى نزوح 173 ألف شخص داخل سوريا نفسها. لذلك فإن استيعاب موجة العودة لا يبدأ من الصفر، بل فوق طبقات متراكمة من الهشاشة.
المجتمع يسبق الدولة
هنا يظهر الامتحان الاجتماعي قبل الامتحان الإداري، يلفت برنامج الأغذية العالمي إلى أن معظم من قدموا من لبنان استضافتهم مجتمعات كانت تعاني أصلاً مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وهذا يغيّر معنى الاستضافة نفسها. فحين تستقبل أسرة أقاربها أو معارفها، فهي لا تفتح باب البيت فقط، بل تقتطع من حصتها من الخبز والوقود والدواء. وحين تتكرر هذه العملية على نطاق واسع، يتحول الاحتضان الاجتماعي إلى آلية نجاة، لكنه يتحول أيضاً إلى استنزاف صامت للهوامش الأخيرة التي تعيش عليها الأسر.
المسألة هنا ليست أخلاقية فقط.. بل هي مادية جداً. فسوريا، بحسب برنامج الأغذية العالمي، فيها 9.1 ملايين شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، والبرنامج نفسه خفّض مساعداته على نطاق واسع بسبب نقص التمويل. ومعنى ذلك أن المجتمع قادر على استقبال الداخلين أياماً وأسابيع، لكنه يفعل ذلك بينما يتراجع الدعم الخارجي وتضعف القدرة المحلية على التعويض. وهذا ما يجعل البنية الاجتماعية سنداً أساسياً، لكنه سند لا يكفي وحده إذا طال الضغط أو تكررت الموجات.
المأوى هو الاختبار
إذا كان العبور السريع يطمئن الناس للحظة، فإن السكن هو الاختبار الحقيقي، وقد بيانات التتبع التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أظهرت أن أعداد الداخلين توزعت على كل المحافظات السورية الأربع عشرة، وأن كثيرين اعتمدوا على مساكن مؤقتة أو على دعم إيجاري. هذه إشارة مهمة، لأنها تعني أن المشكلة لا تتركز عند الحدود فقط، بل تنتشر داخل البلد كله. كما تعني أن جزءاً من الاستجابة يقوم على حلول انتقالية، لا على استقرار فعلي.
المأوى المؤقت قد يمر في الأسابيع الأولى، لكنه بطبيعة الحال يصير عبئاً بعد ذلك. فالإقامة عند الأقارب تضغط على استهلاك الماء والكهرباء والطعام، والسكن بالإيجار يصطدم بسرعة بقدرة العائدين على الدفع، خصوصاً إذا كانوا قد دخلوا من دون مدخرات أو دخل ثابت. ومع ضعف الترميم في مناطق واسعة، تبقى العودة إلى البيت الأصلي نفسها متعثرة أو مستحيلة.
لذلك لا يكفي أن يجد الداخلون سقفاً فوق رؤوسهم، بل يجب أن يكون هذا السقف قابلاً للاستمرار، وإلا تحولت العودة إلى حركة انتقال داخلية جديدة، لا إلى استقرار.
الصحة عند الحافة
الضغط الصحي يظهر بسرعة أكبر مما يظهر الضغط التعليمي أو الاقتصادي.. فالأمم المتحدة حذّرت من أن بين الداخلين آلاف النساء الحوامل، وأن جزءاً منهن سيحتجن إلى الولادة خلال أسابيع قليلة، في وقت تدخل فيه هذه الفئة إلى بلد لم يتعاف بعد من أثر الحرب على مرافقه الصحية. المنظمة نفسها قالت إن نحو 31 بالمئة من المرافق المدعومة من جانبها في سوريا أُغلقت منذ مطلع 2025 بسبب خفض التمويل.
والمسألة ليست ولادات فقط، حيث أشارت منظمة الصحة العالمية في آذار إلى أن ارتفاع الدخول من لبنان يزيد الطلب على الخدمات الصحية في نقاط العبور والمجتمعات المستضيفة. ومع الاكتظاظ في أماكن الاستضافة المؤقتة، ترتفع الحاجة إلى الرعاية الأولية والأدوية المزمنة وخدمات التلقيح والصحة الإنجابية والدعم النفسي، لا إلى الإسعاف وحده. أي أن النظام الصحي لا يُختبر فقط عند الحدود، بل في المدن والبلدات التي تستقبل الناس بعد يومين وثلاثة وأسبوع.
ما بعد العبور أصعب
الخطر في هذا النوع من الموجات أن تبدو الإدارة الأولى للحدث أفضل من قدرته الفعلية على الاستمرار. الناس تعبر، والمجتمعات تستضيف، والمنظمات توزع مساعدات أولية، فينشأ انطباع بأن البلد امتص الصدمة. لكن ما بعد العبور هو الأصعب دائماً. هناك حاجة إلى غذاء مستمر، لا إلى وجبة أولى فقط. وإلى رعاية صحية متواصلة، لا إلى فحص سريع فحسب. وإلى وثائق وتسجيل مدني ومدارس ونقل وعمل ومتابعة للحالات الأشد هشاشة.
هنا بالضبط تتحدد قدرة استيعاب موجة العودة. إذا بقيت الاستجابة محصورة في الحدود والمساعدات الطارئة، فإن الضغط سينتقل سريعاً إلى الأحياء والبلدات والمراكز الصحية والأسواق المحلية. أما إذا جرى ربط العودة بدعم البلديات والمرافق الأساسية وشبكات المياه والتعليم والمخابز والخدمات النقدية، فإن العبء يمكن أن يصبح أقل قسوة. الأمم المتحدة قالت إن شركاءها يساعدون أكثر من 200 ألف شخص شهرياً في مناطق العودة بالغذاء والرعاية الصحية والمياه والمواد المنزلية. هذا مهم، لكنه يبقى تدبيراً إسعافياً ما لم يتحول إلى تمويل أوسع وتعافٍ محلي أسرع.
الخلاصة هنا، ليست أن سوريا عاجزة بالكامل، ولا أنها قادرة بلا حدود. الأرجح أنها تستطيع امتصاص الدفعة الأولى اجتماعياً، لكنها لا تستطيع تحويل هذا الامتصاص إلى استقرار مستدام من دون دعم إنساني وخدمي منظم. السؤال الحقيقي ليس هل دخل الناس، بل كيف سيعيشون بعد الدخول. ومن هنا تأتي حساسية الملف كله. فحين يرتفع الرقم إلى أكثر من 200 ألف خلال أقل من شهر، تصبح البنية الاجتماعية خط الدفاع الأول، لكن البنية الخدمية هي التي تقرر إن كان هذا الدفاع سيصمد أم سيتحول إلى ضغط جديد على بلد لم يلتقط أنفاسه بعد.
اقرأ أيضاً: رويترز: واشنطن تشجّع دمشق على دخول لبنان لنزع سلاح حزب الله… وباراك ينفي