مال و أعمال

300 سجين على طريق دمشق.. هل يطوي الاتفاق اللبناني – السوري صفحة الماضي؟

300 سجين على طريق دمشق.. هل يطوي الاتفاق اللبناني – السوري صفحة الماضي؟

بقلم: ريم ريّا

منذ سنوات عديدة، شكل ملف السجناء السوريين في السجون اللبنانية، إحدى القضايا الأكثر حساسية في العلاقات بين دمشق – بيروت. لما يحمله هذا الملف من أبعاد قانونية، وحساسية سياسية، وأبعاد إنسانية متداخلة. ومع التحولات السياسية التي شهدها البلدان بدءاً من نهاية عام 2024 بسقوط نظام بشار الأسد، مروراً بعام 2025 الذي شكل نواة إعادة العلاقات بين البلدين، وصولاً للعام الحالي 2026.

عاد هذا الملف إلى الواجهة بوصفه اختباراً فعلياً لإمكانية الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها ضمن أطر مؤسساتية واضحة بعيداً عن منطق الضغط والمقايضة. في هذا المقال سنستعرض تفاصيل الاتفاق الأخير، وهل يعني إقفالاً للملف؟

اتفاق تشرين الأول 2025.. بداية المسار السوري – اللبناني

في تاريخ 10 تشرين الأول عام 2025، وخلال زيارة وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” إلى بيروت، أعلن عن إحراز تقدم في ملف الموقوفين السوريين، لا سيما في سجن رومية، وذلك في إطار توجيه سياسي صريح وواضح، صدر من الرئيس “أحمد الشرع“، لإعادة العلاقات بين سوريا ولبنان ومعالجة الملفات العالقة.

في سياقٍ متصل، أكدت حينها التصريحات الرسمية، أن الاتفاق المبدئي يقضي بتسليم السجناء السوريين غير المدانين بجرائم قتل، مع استثناء “من ترتب على جرمهم دم بريء”، بحسب ما أعلنه مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية “محمد طه الأحمد“. هذا الاتفاق، جاء في سياق لقاءات سورية – لبنانية مكثفة وزيارات رسمية متبادلة، شكلت الإطار السياسي الأول لمعالجة الملف، دون أن يدخل حيز التنفيذ العملي.

وبحسب أرقام الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، يبلغ عدد السجناء في لبنان نحو 6200 سجين، يتوزعون على عدة سجون أبرزها سجن رومية الذي يضم قرابة 3400 سجين، وسجن زحلة بنحو 650 سجيناً، وسجن القبة في طرابلس بنحو 800 سجين. من بين هؤلاء، يوجد حوالي 2600 سجين سوري، يشكلون ما يقارب ثلث عدد السجناء في البلاد. وتشير الأرقام ذاتها إلى أن 3540 من مجموع السجناء هم موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام بعد، مقابل 2680 محكومًا صدرت بحقهم أحكام قضائية.

اقرأ أيضاً: هل يفتح الاتفاق القضائي بين لبنان وسوريا باب الحرية للموقوفين؟

الاتفاق الحالي.. إخراج 300 سجين سوري من أصل العدد الإجمالي

في تاريخ 30 كانون الثاني 2026، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني برئاسة الرئيس “جوزاف عون“، وبحضور رئيس الحكومة اللبنانية “نواف سلام“، اتفاقية رسمية مع سوريا لنقل الأشخاص المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسيتهم. بموجب هذه الاتفاقية، أعلن نائب رئيس الحكومة اللبنانية “طارق متري“، أن أكثر من 300 سجين سوري سيجري تسليمهم إلى سوري لاستكمال تنفيذ م تبقى من محكومياتهم هناك.

في حين، توضح المعطيات الرسمية أن هؤلاء ال 300 سجين عم من المحكومين الذين أمضوا أكثر من 10 سنوات في السجون اللبنانية، وأن الاتفاق لا يشمل في مرحلته الحالية الموقوفين غير المحكومين، والذين يقدر عددهم بنحو 2000 موقوف سوري. كما أكدت الحكومة اللبنانية، أن الاتفاقية تدخل حيز التنفيذ بعد 30 يوماً من توقيعها، وأن وزارتي العدل في البلدين هما الجهتان لمخولتان بالتنفيذ.

هنا يبرز السؤال المحوري: هل هؤلاء السجناء سياسيين أم جنائيين فقط، أم كلاهما؟

وفقاً لرأي الباحث والأكاديمي المتخصص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان الدكتور “عمر نشّابة“، لا يوجد سجناء سياسيون سوريون في لبنان، وقد أوضح الدكتور عمر، أن السجين السياسي يكون عادةً موقوفاً إدارياً، وهو ما لا ينطبق على الحالة اللبنانية، حيث جميع الموقوفين هم بموجب قرارات قضائية. وتشير المعطيات إلى أن السجناء المشمولين بالاتفاق محكومون بجرائم مختلفة، من بينها جرائم أمنية وجرائم جنائية، وبعضهم أدين بالقتال ضد الجيش اللبناني، شرط صدور الحكم القضائي واستيفاء مدة السجن المطلوبة.

من المنظور القانوني.. ضرورة موافقة السجين للترحيل

تشدد الاتفاقية بشكل واضح على أن “موافقة السجين شرط أساسي”، لإتمام عملية نقله إلى سوريا. ويتعين على السجين الراغب بالتسليم تقديم طلب خطي من خلال وكيله القانوني، على أن تستكمل الإجراءات خلل مهلة أقصاها ثلاثة أشهر.

في السياق ذاته، تشير المصادر الرسمية، إلى أن بعض المحكومين قد يفضلون البقاء في السجون اللبنانية، ما يعكس أن النقل ليس إجراءً قسرياً، بل مساراً قانونياً اختيارياً. أما في حال افتراض وجود سجناء ذوي خلفية سياسية في أي بلد من البلدان، فإن القانون الدولي، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يوفر حماية خاصة للسجناء السياسيين، من حيث حظر الإعادة القسرية إذا وجد خطر التعذيب أو الاضطهاد، مع ضمان المحاكمة العادلة وعدم التعرض للاعتقال التعسفي.

هل يعني الاتفاق إغلاق الملف؟

عند الاستناد للوقائع المتوفرة، يصعب اعتبار الاتفاق الحالي إقفالاً كاملاً لملف السجناء السوريين في لبنان. فالخطوة تشمل نحو 300 محكوم ، وتمثل معالجة جزئية لجزء من الأزمة. تهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون اللبنانية وتحسين ظروف الاحتجاز.

في المقابل، يبقى ملف نحو 2000 موقوف سوري غير محكوم مفتوحاً، بانتظار اتفاقية ثانية أو تسريع المسارات القضائية.  وعليه يمكن القول إن الاتفاق يشكل بداية تنظيمية لمعالجة ملف معقد أكثر منه تسوية نهائية. فإقفال الملف فعلياً يبقى مشروطاً بإصلاح القضاء، تسريع المحاكمات، وضمان الحقوق القانونية لجميع الموقوفين، إضافةً إلى استمرار التنسيق السياسي والقانوني بين دمشق وبيروت ضمن أطر واضحة ومستمرة.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.