بقلم: ريم ريّا
يعود معمل أسمنت طرطوس إلى الواجهة بعد توقيع عقد استثماري لمدة 15 عاماً مع شركة إماراتية، ويقدم بذلك كأحد مفتايح إنعاش قطاع الأسمنت في البلاد. هذا المعمل ليس مجرد منشأة صناعية عادية بل هو نموذج لتداخل الاقتصاد بالبيئة في سوريا.
المعمل اليوم هو بمثابة اختبار حقيقي لقدرة التكنولوجيا على معالجة سنين طويلة من التلوث. وبين الوعود بتحسين الإنتاج وفرص العمل، وعند مخاوف السكان من الأمراض يقف المشروع عند مفترق طرق مفصلي.
توقيع اتفاقية معمل أسمنت طرطوس
وقعت الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) عقداً استثمارياً مع شركة “QZ”الإماراتية، لمدة 15 عاماً بهدف إعادة تأهيل وتشغيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة القطاع. كشف المدير العام للشركة محمود فضيلة، أن هذا العقد يحقق 300 فرصة عمل مباشرة، وأكثر من 2000 فرصة غير مباشرة، مما يدعم سوق العمل ويسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
بموجب العقد، سيتم إنتاج الأسمنت محلياً بأيدٍ وخبرات وطنية سورية، من خلال استيراد “الكلنكر” وطحنه وفق المواصفات القياسية السورية، مما يعزز القدرة التنافسية للمنتج الوطني ويسهم في استقرار الأسعار وتوفير المادة في الأسواق، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
اقرأ أيضاً: إعادة تشغيل معمل «العربية»: خطوة عملية لإصلاح قطاع الإسمنت
استثمار أسمنت طرطوس يعيد تنشيط القطاع
يحمل العقد الجديد أبعاداً اقتصادية واضحة، فهدفه إعادة تأهيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس ورفع كفاءتها من دون تحميل الدولة تبعاتها المالية الكبيرة. أشارت البيانات إلى أن المشروع سوف يوفر ما يقارب 300 فرصة عمل بشكل مباشر، وأكثر من 2000 فرصة بشكل غير مباشر، وهو ما ينشط السوق المحلي. كما أن طحن مادة “الكلنكر” محلياً وفق المواصفات السورية بعد استيرادها، سيعزز الإنتاج الوطني ويقلل فيما بعد الاعتماد على الإنتاج، وسيساهم في استقرار أعمال أسعار الأسمنت في السوق.
في السياق ذاته، إن إدخال تقنيات حديثة وإدارة صناعية أكثر كفاءة سيحسن القدرة التنافسية للمنتج المحلي، خاصةً مع الحفاظ على ملكية الدولة للمعمل، ما يعكس نموذجاً هجيناً بين الاستثمار الخاص والسيطرة العامة.
تحديات صحية متراكمة وإرث بيئي ثقيل
استثمار جديد نعم، ووعود تبعث الأمل ومؤشرات اقتصادية حسب المطروح جيدة، لكن ماذا عن التاريخ البيئي الحافل بالتلوث للمعمل؟ يعاني سكان المناطق المحيطة لسنوات كبيرة من آثار التلوث لا سيما في منطقة حصين البحر والسودا. فقد ارتبطت انبعاثات الغبار بانتشار أمراض مثل الحساسية والربو، إلى جانب تسجيل حالات متزايدة من السرطان وفق ما أفاد به الأهالي.
على مدى سنوات طويلة، سجلت مستويات التلوث معدلات تجاوزت الحدود التي يسمح بها، بفعل غياب أنظمة ترشيح فعالة وضعف الالتزام بالمعايير. وقد أدى تراكم الغبار إلى تدهور التربة الزراعية في لمنطقة، وتغير خصائصها الكيميائية، وهذا انعكس على الإنتاج الزراعي وانتشار الغطاء النباتي. هذه المعطيات تجعل من أي استثمار جديد مسؤولاً ليس فقط عن التشغيل وفرص العمل، بل عن معالجة تراكمات عقود من الإهمال البيئي.
التكنولوجيا الحديثة حل فعلي أم التزام نظري؟
العقد الجديد يتضمن إدخال تقنيات متطورة تعمل على الحد من الانبعاثات، ومنها تركيب فلاتر بكفاءة تصل إلى 99.9%، من أجل إبقاء تركيز الغبار ضمن حدود أقل من 50 ملغ/م مكعب. مع اتباع إجراءات تغليف خطوط الإنتاج، وإنشاء أنظمة رصد لحظي للانبعاثات، واتباع طرق إدارة أفضل للمواد الأولية عبر صوامع مغلقة.
التكنولوجيا موجودة، لكن هل سيتم الالتزام بشكل فعلي في تطبيقها؟. يتطلب النجاح إجراء تقييم بيئي شامل قبل التشغيل، ومعالجة التربة المتضررة، وإنشاء أحزمة خضراء عازلة، إضافة إلى تعويض المتضررين وفق القوانين السورية، مثل قانون البيئة رقم 50 لعام 2024.