بقلم هلا يوسف
اتسع حجم الغضب ضمن أوساط الشارع السوري مع صدور فواتير الكهرباء بعد زيادة سعرها، الفواتير التي بدا أنها خيالية بالنسبة لشعب 90% منه قابع تحت خط الفقر، ورواتب لا تكفي لسد رمق عائلة صغيرة. إلا أن جميع المواطنين بدؤوا بالتساؤل عن أسباب غياب دور مجلس الشعب في إيصال صوتهم والاعتراض على هذا القرار الجائر، بل تساءل أيضاً أين دوره التشريعي عند تمرير هكذا قرار يمس جوهر الحياة المعيشية للمواطن من قبل حكومة، يفترض بأنّها انتقالية، وبالتالي لا يحق لها إقرار هذه القرارات. في هذا المقال سنتناول جدلية مجلس الشعب بين دوره المنصوص عليه في الإعلان الدستوري والواقع التنفيذي لهذا الدور.
لطالما كان دور مجلس الشعب في جميع البلدان الوقوف إلى جانب المواطن وإيصال صوته للسلطات العليا في الدولة بعد تشكيل هذه الهيئات التنفيذية بطريقة شرعية. وتساؤلات المواطنين السوريين التي طرحناها في المقدمة لا تعبر عن آراء سياسية تجاه الحكومة، ولا عن خلاف سياسي عابر، وإنما نابعة من الواقع الذي فرضته عليهم القرارات الجائرة من قبل وزارة الطاقة، وما رافقه من غياب شبه كامل لموقف مؤسسي فاعل من مجلس الشعب. مما كشف عن حقيقة وجوهر وظيفة التمثيل ودور السلطة التشريعية في المرحلة الانتقالية.
فقي ضوء الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، يتضح أن دور مجلس الشعب قد رسم ضمن إطار انتقالي ضيق، يحد من قدرته على التأثير الفعلي في توازن السلطات، ويجعله أقرب إلى هيئة تشريعية وظيفية أكثر من كونه سلطة رقابية كاملة. فالإعلان الدستوري، وإن منح المجلس صفة “السلطة التشريعية” مؤقتاً، إلا أنه في المقابل لم يلزم الحكومة بالحصول على ثقته، مما يعني عملياً تجريد المجلس من إحدى أهم أدوات البرلمانات في الأنظمة الدستورية الحديثة، وهي أداة المساءلة السياسية.
تنص المادة (30) من الإعلان الدستوري الخاص بصلاحيات مجلس الشعب على اقتراح القوانين وإقرارها وتعديلها أو إلغائها، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة، ومنح العفو العام. ويقدم هذا الإطار، وفق الرؤية الرسمية التي عبر عنها محمد ولي، عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، بوصفه محاولة لإعادة التوازن بين السلطات الثلاث في مرحلة انتقالية، بعد غياب طويل للسلطة التشريعية التي عطلت عملية إصلاح القوانين، وأبقت على منظومة تشريعية موروثة من النظام السابق، وتخدم مصالح ضيقة وتقيد حياة السوريين.
غير أن هذا التصور أو المعلومات التي يشرحها محمد ولي تصطدم برأي يخالفها بشدة، يطرحها الحقوقي والمحامي السوري غزوان قرنفول، الذي يرى أن ما جرى لا يمكن توصيفه كعملية تمثيل برلماني حقيقي، بل كآلية اختيار منظمة تهدف أساساً إلى إظهار وجود مؤسسة تشريعية تمنح شرعية شكلية للسلطة القائمة. وبحسب هذا التوصيف فإن المجلس لا يمتلك سوى وظيفة سن القوانين، دون أي قدرة فعلية على محاسبة السلطة التنفيذية أو سحب الثقة منها أو تعطيل قراراتها، ما يجعله في أفضل الأحوال “شاهداً” على أداء الحكومة، لا فاعلاً فيها.
هذا القيد في بنية السلطة التشريعية لا يبقى محبوساً في النصوص أو الجدل النظري، بل يظهر بوضوح عند إسقاط دور مجلس الشعب في تعاطيه مع قرارات تنفيذية تمس حياة المواطنين مباشرة، وعلى رأسها قرار وزارة الطاقة القاضي برفع تعرفة الكهرباء المنزلية. فهنا لا نتحدث عن خلاف سياسي، بل عن غياب شبه كامل لوظيفة تمثيل الشعب. ففي أي دولة تحترم الحد الأدنى من قواعد الحكم الرشيد، يفترض عند رفع أسعار خدمة أساسية كالكهرباء انعقاد جلسات طارئة، وفتح نقاش علني، ومساءلة الحكومة، وصدور مواقف واضحة من النواب تعكس مصالح من يفترض أنهم يمثلونهم. أما الصمت، فلا يمكن اعتباره حياداً، فالصمت موقف بحد ذاته، لكنه في هذه الحالة موقف ضد المواطنين.
وحتى في حال افتراض وجود نوع من المواقف الواضحة لبعض النواب عبروا فيها عن مهاجمة أو انتقاد القرار، فإن هذا السلوك لا يتجاوز حدود الخطاب السياسي أو التعبير عن امتعاض اجتماعي. فطالما أن المجلس لا يملك أدوات دستورية ملزمة لإيقاف القرار أو تعديله أو مساءلة الجهة التي أصدرته، فإن هذه المواقف تبقى ضمن ما يمكن تسميته “بالمراقبة الكلامية”، لا الرقابة المؤسسية القادرة على إحداث أثر فعلي. وهنا تظهر الفجوة بوضوح بين الدور النظري للمجلس كما ورد في الإعلان الدستوري، ودوره الفعلي على الأرض، وهي فجوة بين الشكل والمضمون.
يظهر هذا الخلل أكثر عند النظر إلى طبيعة الحكومة القائمة وحدود صلاحياتها في المرحلة الانتقالية. فإذا كانت الحكومة تُعد بحكم الواقع أو النص، حكومة مؤقتة أو حكومة تصريف أعمال، فإن صلاحياتها وفق المبادئ الدستورية العامة يجب أن تظل محصورة في تسيير الشؤون اليومية وضمان استمرارية المرافق العامة، مع الامتناع عن اتخاذ قرارات ذات طابع طويل الأمد. وفي حالة تعديل تعرفة الكهرباء لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً بسيطاً، لأنه يغير سياسة عامة قائمة، ويفرض أعباء مالية جديدة، ويمس مفهوم الدعم الحكومي، ويؤثر على ملايين المواطنين، وما يحمله من انعكاسات اجتماعية واقتصادية واسعة.
وبالنظر إلى مبدأ الفصل بين السلطات، فإن السلطة التشريعية وحدها تختص بإقرار السياسات العامة ذات الأثر المالي والاجتماعي، ولا يجوز للسلطة التنفيذية الانفراد بقرارات تنشئ أعباء عامة دون رقابة أو نقاش تشريعي. كما أن صلاحيات وزير الطاقة، مهما اتسعت في الإطار التنفيذي، تبقى تنظيمية تهدف إلى تنفيذ القوانين النافذة، ولا ترقى إلى مستوى الصلاحية التشريعية المستقلة. وعندما يتحول القرار الوزاري إلى أداريع مقنع بقرار إداري، في مخالفة صريحة لمبدأ المشروعية. لتغيير جوهري في السياسة السعرية وإلغاء عملي لمفهوم الدعم دون سند تشريعي، فإننا نكون أمام تش
يزداد ضعف مشروعية القرار في ظل غياب أي دراسة أثر اقتصادي واجتماعي معلنة تأخذ في الاعتبار متوسط دخل الأسرة، وعدد أفرادها، وساعات التغذية الفعلية، ومستويات التضخم، وانخفاض القوة الشرائية، وعدم استقرار سعر الصرف. فإصدار قرار بهذا الحجم في ظل أزمة معيشية خانقة، دون أسس موضوعية واضحة، لا يعكس فقط خللاً إدارياً، بل يشير إلى غياب القرارات التشاركية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
في هذا السياق، برزت مبادرات حقوقية، تمثلت في مذكرات قانونية أطلقها ناشطون، استناداً إلى مبادئ سيادة القانون واحترام الدستور والفصل بين السلطات. غير أن هذه المبادرات مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تعوض عن الدور المفترض لمجلس الشعب. فالمشكلة لم تعد محصورة في قرار حكومي واحد، بل في منظومة كاملة تنتج ممثلين بلا تمثيل، وتكتفي بمؤسسات موجودة شكلياً وغائبة فعلياً، وتطلب من الناس التصفيق بدل المساءلة.
باختصار، يحتاج السوريون مجلس شعب يسأل، ويعترض، ويحاسب، ويعبر على الأقل عن رأيه في القرارات التي تعتبر جائرة في حق هذا الشعب. ويبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام مجلس شعب أم أمام مجلس صمت؟
اقرأ أيضاً: المرأة في مجلس الشعب السوري حضور رمزي أم مشاركة حقيقية