أخبار سوريا

إفطار رمضان بين المطعم والبيت: مقارنة قاسية بالأرقام بين كلفة الرفاهية والضرورة

إفطار رمضان بين المطعم والبيت: مقارنة قاسية بالأرقام بين كلفة الرفاهية والضرورة

بقلم هلا يوسف

مع صوت الأذان وضرب المدفع بدأ شهر رمضان في سوريا هذا العام حاملاً معه دعاء لا ينتهي، ففي ظل الأوضاع المعيشية القاسية التي تعيشها أغلب الأسر السورية، لم يجد معظمهم سوى رفع الأيادي للدعاء علّها تنفرج عليهم. فقد نسي معظم السوريين طقوس رمضان التي تفتح الجيوب الفارغة. فلمة العائلة والأطباق المنوعة، والفطور أو السحور في المطاعم هي عادات تقلصت إلى حدها الأدنى في هذا العام. فيمكنك من خلال هذا المقال وما يحمله من أرقام معرفة الوضع الاقتصادي لهذه الأسر.

لم تترك ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية مجالاً كبيراً أمام الأسر السورية للتحايل على الوضع، حيث أصبحت القرارات المرتبطة بمائدة الإفطار والسحور تحسب بالأرقام قبل أن تحسم بالرغبة. إذ يجد كثير من السوريين أنفسهم أمام خيارات محدودة، فإما الاكتفاء بموائد منزلية بسيطة تتناسب مع الدخل، أو التفكير طويلاً قبل حجز إفطار في مطعم قد تعادل تكلفته ما يتم إنفاقه خلال شهر كامل. ومن هنا تبدأ المقارنة بين كلفة الإفطار خارج المنزل وكلفته داخله، في محاولة لفهم الفارق الحقيقي بين الخيارين.

أسعار وجبات الإفطار والسحور في المطاعم

تكشف جولة على عدد من مطاعم دمشق القديمة ومناطق أخرى في مدينة دمشق أن تكلفة وجبة الإفطار للشخص الواحد تتراوح بين 140 ألفاً و400 ألف ليرة سورية، وذلك بحسب طبيعة المكان والخدمات المرافقة. هذا المبلغ يشمل عادة وجبة رئيسية يحددها المطعم ضمن قائمة يومية خاصة برمضان، إضافة إلى تشكيلة من المقبلات الباردة والساخنة، والسلطات، والعصائر الرمضانية، والحلويات الشرقية، فيما تعتمد بعض المطاعم نظام البوفيه المفتوح ضمن السعر ذاته.

أما في مطاعم دمشق القديمة تحديداً، فتبدأ الأسعار من 160 ألف ليرة سورية للشخص الواحد. وغالباً ما تتضمن الوجبة طبقاً رئيسياً إلى جانب مقبلات ساخنة مثل الكبة والبطاطا المقلية والبرك، وأخرى باردة كالمتبل والمحمرة، عدا عن المشروبات الرمضانية التقليدية كالتمر هندي والعرقسوس والجلاب. بذلك تتحول وجبة الإفطار إلى طريقة جذب للزبائن من خلال تنويع الخيارات أمامهم.

وبالانتقال إلى وجبة السحور، فتنخفض أسعارها نسبياً، إذ تبدأ من 50 ألف ليرة سورية للشخص، وتشمل عادة أطباقاً بسيطة كالبيض المقلي والأجبان والزيتون والمناقيش، مع الشاي ونوع من الحلويات بحسب كل مطعم. إلا أن اللافت هذا العام هو انخفاض عدد المطاعم التي تقدم وجبة السحور، من دون توضيح الأسباب، مما يحد من الخيارات المتاحة للراغبين بقضاء سحورهم خارج المنزل.

ولا تقتصر المنافسة بين المطاعم على جودة الطعام، بل تمتد إلى البرامج الترفيهية التي تتنوع بين الموسيقا الشرقية، والفرق الإنشادية، وعروض المولوية، وحتى الحكواتي، في محاولة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الزبائن. ومع ذلك، يؤكد بعض أصحاب المطاعم أن الإقبال في الأيام الأولى من الشهر يبقى صعب التقييم، إذ تزداد الحركة عادة بعد انقضاء العشر الأوائل. كما يلفتون إلى أن الحركة بعد الإفطار لا تزال منخفضة نسبياً، رغم أن رمضان يعد موسماً أساسياً لهم، ويربطون ارتفاع الأسعار بزيادة تكاليف المواد الأولية، وحوامل الطاقة، وأجور اليد العاملة، وكلها عوامل تنعكس مباشرة على السعر النهائي للوجبة. لكن إذا كانت الأرقام في المطاعم تبدو مرتفعة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يبقى الإفطار في المنزل أقل كلفة فعلاً؟

تكلفة وجبات الإفطار والسحور في المنزل

في الظاهر، يبدو الطهي في المنزل خياراً أوفر، غير أن الحسابات التفصيلية تكشف عن أعباء لا تقل ثقلاً. فبحسب تقديرات أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، تحتاج الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أفراد إلى ما بين 700 و1000 ليرة جديدة (بين 70 إلى 100 ألف ليرة قديمة) يومياً لتأمين سحور بسيط، أي ما مجموعه بين 21 و30 ألف ليرة جديدة (بين 2 إلى 3 مليون ليرة قديمة) خلال شهر كامل. أما وجبة الإفطار الرئيسية، فتتراوح كلفتها اليومية بين 1500 و2000 ليرة جديدة (150 إلى 200 ألف ليرة قديمة)، ما يعادل بين 45 و60 ( 4 ونصف مليون إلى 6 مليون ليرة قديمة) ألف ليرة جديدة شهرياً.

وعند جمع الرقمين، تصل كلفة وجبتي الإفطار والسحور على مدار ثلاثين يومًا إلى ما بين 66 و90 ألف ليرة جديدة، أي ما يعادل بين 6.6 و9 ملايين ليرة سورية بالعملة القديمة. ورغم ضخامة هذا الرقم بالنسبة لغالبية الموظفين وأصحاب الأجور الثابتة، فإنه لا يمثل مستوى معيشة مريح، بل الحد الأدنى للبقاء، إذ تعتمد هذه التقديرات على وجبات بسيطة غالباً ما تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية مثل البروتينات والفيتامينات والدهون الصحية، التي أصبحت مرتفعة الثمن في ظل غلاء اللحوم والدواجن والأسماك.

وتزداد المخاوف من ارتفاع هذه التكاليف أكثر خلال الشهر، نتيجة أي طارئ أو زيادة جديدة في أسعار المواد الأساسية، لا سيما مع ارتفاع الطلب الموسمي. ومن هنا تتصاعد الدعوات إلى تكثيف الرقابة التموينية وضبط الأسواق، للحد من أي استغلال قد يفاقم معاناة المواطنين. إلا أن هذه الأرقام، على قسوتها، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاقتصادي الأوسع الذي يعيشه السوريون اليوم.

الأرقام في سياق الواقع الاقتصادي العام

تشير أحدث تقارير البنك الدولي إلى أن نحو ربع السوريين يعيشون في فقر مدقع، أي غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية الأساسية، فيما يستهلك حوالي 5.7 ملايين شخص أقل من 2.15 دولار يومياً، وهو خط الفقر الدولي. وتتوسع الدائرة أكثر حين نعلم أن نحو 67 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر للشريحة الدنيا من الدخل المتوسط، ما يجعل سوريا ضمن الدول ذات الدخل السنوي المنخفض الذي يقل عن 1,145 دولار للفرد.

وبلغ نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في عام 2024 نحو 830 دولار سنوياً، أي ما يعادل قرابة 95 ألف ليرة سورية جديدة سنوياً، أو نحو 9.5 ملايين ليرة بالعملة القديمة، وهو ما يقارب 7900 ليرة جديدة شهرياً. هذا المبلغ لا يكفي لتغطية الحد الأدنى من الغذاء لأسبوع واحد، فكيف إذا تعلق الأمر بتكاليف شهر كامل من الإفطار والسحور التي تتراوح بين 66 و90 ألف ليرة جديدة؟

في النهاية، بالرغم من الظروف القاسية التي يعيشها السوريين، لا يزال شهر رمضان الخير له مكانة خاصة في قلوبهم. وعلى الرغم من اقتصار الموائد الرمضانية على أصناف بسيطة، وتحول الإفطار في المطعم لرفاهية لا يقدر عليها إلا القلة، إلا أن محاولات العائلات السورية الحفاظ على روح الشهر الكريم حاضرة. بينما يقع على عاتق الحكومة السورية الحفاظ على ما تبقى من كرامة المواطن الذي تحتاج أي خطوة رفاهية عنده إلى معادلة حسابية معقدة.

اقرأ أيضاً: في رمضان سوريا الأسعار تسبق الهلال.. والمواطن بين حسابات الغلاء وبدائل البقاء

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.