مال و أعمال

احتجاجات في الساحل وقلق في الشرق: هل تهدد قرارات التربية استقرار التعليم؟

احتجاجات في الساحل وقلق في الشرق: هل تهدد قرارات التربية استقرار التعليم؟

بقلم هلا يوسف

يشهد القطاع التعليمي في سوريا مرحلة جديدة تتشابك فيها القرارات الإدارية مع الواقع التعليمي والمعيشي والأمني. هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على المعلمين والطلاب في نفس الوقت. فمن الساحل السوري حيث خرج عشرات المعلمون احتجاجاً على قرارات اعتبروها مجحفة بحقهم، وصولاً إلى المحافظات الشرقية التي تحاول النهوض بمنظومتها التعليمية بعد عودتها إلى سيطرة الدولة السورية. وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة تنظيم التعليم دون الإضرار باستقرار كوادره أو حرمان التلاميذ من حقهم في التعلم؟

شهدت مدن الساحل السوري في اللاذقية وطرطوس أمس احتجاج عشرات المعلمين المتعاقدين أمام مبنى مديرية التربية في محافظة طرطوس، تعبيراً عن رفضهم لقرارات نقل جماعية صدرت مؤخراً عن وزارة التربية والتعليم. المعلمون الذين رفعت أصواتهم ولافتاتهم المطالبة بحقهم في البقاء بالمحافظة، اعتبروا أن هذه الإجراءات تمثل عملياً “فصلاً تحت الضغط”، بعدما طلب منهم العودة إلى محافظات تعاقدوا فيها قبل سنوات لصالح المحافظات الشرقية والجنوبية، رغم أنهم نقلوا لاحقاً إلى طرطوس بقرارات رسمية صادرة في شباط من العام الماضي استناداً إلى احتياج فعلي في المدارس.

ويرى المعلمون أن القرارات الجديدة تتعارض مع تصريحات سابقة لوزارة التربية، إذ سبق لوزير حكومة الإنقاذ آنذاك نذير القادري أن أوضح، في نهاية كانون الثاني 2025، أن إعادة تنظيم مراكز العمل تهدف إلى ضمان سير العملية التعليمية دون إحداث خلل. وبناءً على تلك التوجهات استكمل المعلمون جميع الإجراءات القانونية، ونقلوا ملفاتهم الإدارية والصحية والتأمينية إلى مديريات التربية التي أصبحوا يتبعون لها.

إلا أن القرار الأخير بحسب المحتجين، أعادهم إلى نقطة البداية، وألزمهم بالعودة إلى محافظاتهم الأصلية بعد نحو خمسة أعوام من العمل في طرطوس، رغم وجود مراسلات رسمية تثبت استغناء المديريات الأصلية عنهم وحاجة المدارس التي نقلوا إليها لخدماتهم. ويصف المعلمون ما جرى بأنه شكل من أشكال الفصل غير المعلن، مطالبين الوزارة بالتراجع عن القرار لما له من انعكاسات على استقرارهم وعلى واقع التعليم، ولا سيما في أرياف طرطوس التي تعتمد مدارسها بشكل أساسي على المتعاقدين.

قالت إحدى المعلمات المشاركات في الاحتجاج، في حديث لموقع “سوريا اليوم 24″، إن القرار الأخير استهدف بالدرجة الأولى المعلمين الإداريين المتعاقدين لصالح المحافظات الشرقية، موضحة أن الاعتراض لا ينصب على مبدأ النقل بحد ذاته، بل على ما يترتب عليه من أعباء معيشية وأمنية. وأشارت إلى أن تدني الرواتب وارتفاع تكاليف المواصلات، إلى جانب غياب الشعور بالأمان، يجعل تنفيذ القرار أمراً بالغ الصعوبة، متسائلةً: “من يضمن لنا عدم تعرضنا لأي خطر؟”.

ويشير المحتجون إلى أن المديرية أعادت خلال الفصل الدراسي الأول معلمين مكلفين بأعمال إدارية وقريبين من التقاعد إلى التدريس داخل الصفوف، ما تسبب بفائض في بعض الاختصاصات، في حين جرى الاستغناء عن كوادر شابة كانت تشغل شواغر حقيقية. وتزداد مخاوف المحتجين مع اقتراب نهاية خدمة عدد من المعلمين القدامى، إذ يتوقعون أن تظهر فجوة تعليمية جديدة بعد أن يكون المتعاقدون قد خسروا وظائفهم واستنزفوا مواردهم خلال سنوات عملهم خارج محافظاتهم.

رد مديرية التربية: إعادة هيكلة لا فصل

في المقابل تؤكد مديرية تربية طرطوس أن القرارات الأخيرة لا تهدف إلى فصل أي معلم، بل تأتي في إطار إعادة تنظيم العمل التربوي والحد من الترهل الإداري. أوضح مدير التربية في طرطوس مهند عبد الرحمن أن إعادة المتعاقدين إلى أماكن تعاقدهم الأصلية جزء من خطة شاملة لإعادة الهيكلة، مشيراً إلى أن المديرية عقدت لقاءات مع عدد من المحتجين للاستماع إلى مطالبهم.

كما ربط عبد الرحمن هذه الإجراءات بخطط مستقبلية لتحسين الواقع المعيشي للمعلمين، لافتاً إلى أن زيادة الرواتب مطروحة وقيد المتابعة، في محاولة لطمأنة الكوادر بأن المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً تدريجياً في ظروف العمل.

الشرق السوري.. عودة الطلاب ومعلمون بلا ضمانات

بالنظر إلى الواقع التعليمي في المحافظات الشرقية والتي يبدو أن وزارة التربية أدركت حجم هشاشته بعد عودته إلى الدولة فإن مشهداً مختلفاً لكنه متصل بجوهر الأزمة نفسها. فبعد سنوات من الانقطاع القسري عن التعليم، عاد آلاف الطلاب في الرقة ودير الزور والحسكة وريف حلب الشرقي إلى المدارس، مستفيدين من قرار وزاري أتاح لهم الخضوع لاختبارات تحديد مستوى والاندماج مجدداً في التعليم الرسمي. هذه الخطوة أعادت الأمل لعائلات كثيرة رأت فيها فرصة لإنقاذ مستقبل أبنائها بعد ضياع سنوات من الدراسة غير المعترف بها.

غير أن هذه العودة لم تخفِ هشاشة الواقع التعليمي هناك، إذ تعاني المدارس من نقص كبير في الكوادر، في وقت يواجه فيه المعلمون الذين حافظوا على استمرار التعليم خلال سنوات الفوضى قلقاً متزايداً بشأن مصيرهم الوظيفي. ففي الرقة نظم معلمون وقفات احتجاجية مطالبين بتثبيتهم، وسط مخاوف من استبدالهم بكوادر جديدة بعد إعادة ربط المؤسسات التعليمية بالمركز.

ويؤكد هؤلاء المعلمون أنهم بقوا في مدارسهم بدافع المسؤولية تجاه الطلاب، رغم ضعف الأجور والضغوط السياسية والمهنية، رافضين توصيفهم بتسميات تحمل أبعاداً سياسية تهدد مستقبلهم المهني. بالنسبة لهم فإن إعادة بناء التعليم لا يمكن أن تنجح إذا تجاهلت تضحيات الكوادر التي عملت في أصعب الظروف.

في النهاية، يبدو أن الأزمة الأساسية أمام وزارة التربية هي أزمة توازن بين تنظيم مؤسسات الدولة وضمان استقرار معلميها الذين يشكلون عمادها الأساسي. فالتعليم يعد أولوية للنهوض بمستقبل البلاد، وبالتالي لا يستقر من خلال قرارات إدارية لا تراعي الواقع المعيشي والأمني للمعلمين والطلاب في آن واحد.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.