بقلم: ريم ريّا
لا زالت الأسواق في سوريا تعيش حالة من التقلب المستمر ما بين ارتفاع الأسعار وتفاوتها من منطقة إلى أخرى. وسط رقابة حاضرة بقوة في القرارات فقط حتى اللحظة، وغائبة أغلب الأحيان في الميدان. تمر في الأسواق السورية فترى تكدس البضائع على الرفوف، بعضها بضائع محلية وأخرى مجهولة المصدر وتدخل أحياناً بطرق غير نظامية. ما يطرح التساؤلات ويثير المخاوف والشكوك حول مدى قدرة الجهات الرقابية على ضبط حركة الأسواق وحماية المستهلك من الاستغلال والغش.
جهودٌ يطالب المواطن السوري أن تبذل، موجودة أحياناً لكن أمام هذا الجنون في السوق تبدو خجولة، ليبقى المواطن في هذه البلاد في مواجهة واقع تسعيري متُحول يغرد خارج المنطق الاقتصادي وقوانين العرض والطلب. في هذا المقال سنناقش حال الأسواق السورية وتفاوت الأسعار، وواقع التسعير الجديد، ونعرض آخر تحديثات حماية المستهلك.
البضائع المجهولة ورمادية التجار في الأسواق في سوريا
هناك منطقة رمادية في السوق السورية تختلط فيها الحاجة بالمخالفة، ويقترن فيها الربح بالتحايل. لا يحتاج المواطن المتسوق اليوم إلى كثيرٍ من التدقيق ليصطدم بمنتجات بلا منشأ واضح أو ملصق تعرفي، حتى أنها محكمة بعبوات ذات لغة غربية لا يفهمها أحد.
تمر في الشوارع والأسواق فتلمح على جانبي الطريق وفوق الأرصفة، وبين الروف علب المنظفات مجهولة المصدر تباع بشكل عشوائي بلا رقابة، وأدوات كهربائية متناثرة دون أي علامة أمان. والضرر الأكبر يكمن في المواد الغذائية المغلفة بشكل رديء والمنتشرة تحت أشعة الشمس لا سيما المعلبة منها. إذ أشارت تقارير صادرة عن المخابر، أن حوالي 3715 عينة غذائية وغير غذائية منذ بداية العام وحتى نهاية شهر أيار الماضي، تبين أن حوالي 33% منها كانت مخالفة. تركزت معظم المخالفات الغذائية في منتجات الألبان والحليب ومشتقاتها نتيجة إضافة الزيوت النباتية، بالإضافة إلى مخالفات تتعلق ببطاقة البيان.
أما العينات غير الغذائية الأكثر مخالفة فكانت من المنظفات، حيث تمثلت المخالفات في انخفاض تركيز المادة الفعالة وارتفاع نسبة الملح. في حين بلغت العائدات المحققة من إجراء التحاليل مليارين و929 مليون ليرة سورية. المخيف أن هذه البضائع تجد طريقها بسهولة إلى أيدي المستهلكين ليس لجهلهم بضررها بل لأنها أرخص من البدائل النظامية التي تتجاوز أسعارها قدرتهم الشرائية.
من جهة التجار، هناك معادلة صعب الاستغناء عنها، تقول هذه المعادلة بوضوح طالما المستوردات النظامية بحاجة إلى تمويل بالدولار وتسديد رسوم باهظة “فالمنتج الرمادي” هو ملاذ البقاء في السوق. ويبرر بعضهم هذه الأفعال بأنها تكيّف مع الوضع الاقتصادي وليس تهرباً من الواقع أو غشاً. وهنا يضيع المواطن السوري في هذه المنطقة الضبابية بين دوامة ضرورة الشراء وخطورته بذات الوقت والمخالفة المترتبة على التاجر.
ففي أحد أسواق دمشق حكاية بسيطة توضح الصورة، أحد الباعة يعرض علب زيت نباتي مكتوبٌ عليها بلغة أجنبية ويقنع الزبائن بأنها “تركية” أصلية، ومصدرها الحقيقي مجهول للتاجر نفسه. المشتري يعرف الحقيقة ويعلم أن المنتج غير مضمون لكن يوفر من دخله، فحين تكون الحسبة بين سلامة الغذاء ولقمة العيش يغيب المنطق الاقتصادي عن التفسير.
اقرأ أيضاً: أسعار السلع في دمشق ترتفع.. ما النتائج وما الحلول؟
تفاوت الأسعار والقرار بالتسعير الجديد
ارتفعت الأسعار في السوق السورية بدرجة كبيرة لتبلغ نسبتها ما يقارب 15% – 35%، إذ شهدت أسواق مدينة حلب فروقاً واضحة في أسعار المواد الغذائية، نتيجة التحول الاقتصادي نحو آليات السوق الحرة، الذي خفّض من دور الدولة في تحديد الأسعار بشكل مباشر، وجعل الأمر يعتمد على ديناميكيات العرض والطلب مع إشراف جزئي من جهات التموين. كما سجلت أسعار مواد الألبان والأجبان ارتفاعاً في أسعارها بين 10% و15% في أسوق دمشق، عُزي ذلك إلى قلة الأمطار والجفاف. أما عن زيت دوار الشمس الذي يعد أساسياً في كل البيوت، فشهد ارتفاعاً كبيراً في سعر الطرد، يصل إلى 20 أو 25 ألف ليرة سورية على العبوة، رغم توافر المادة ونزولها بفواتير نظامية ومطابقة للبيانات الجمركية.
هذا التباين يُرد إلى الظروف الاقتصادية المعقدة التي تشمل، تقلبات حادة في قيمة الليرة السورية أمام الدولار، وارتفاع تكاليف التوريد من الخارج، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للشعب السوري. فقد تجاوز سعر صرف الدولار في الأسواق غير الرسمية مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار السلع المستوردة، في حين تواجه المنتجات المحلية نقصاً في الكميات وارتفاعاً في أسعار المواد الأولية مثل الطاقة الكهربائية مؤخراً.
في سوريا لم تعد فوضى الأسعار مجرد ارتباك عابر بل قاربت أن تكون نظماً موازياً لإدارة السوق، فلم تعد تعرف هذه الأسعار الثبات على مستوى اليوم الواحد، ففي الشارع نفسه يمكن أن تجد كيلو السكر يباع بفارق ثلاثة آلاف ليرة بين محلٍ وآخر، ولا يرجع السبب لأجور النقل أو جودة المنتج لا، بل للمزاج الاقتصادي العام الي بات قانوناً غير مكتوب “بعْ كما تريد كي تنجو”.
أمام التضخم اليومي والتبدل المستمر في سعر الصرف دفع التاجر إلى أن يجد في رفع الأسعار بوليصة تأمين ضد الخسارة، فما يبيعه اليوم سيشتريه غداً بسعرٍ مضاعف. والمستهلك كالعادة هو الحلقة الأضعف والدافع الوحيد لثمن كل ما يحصل. في ظل غياب التسعيرة المركزية بالواقع تتحول الفوضى نفسها إلى وسيلة للتكيف، وتصبح حجة عدم القدرة على انتظار أسعار التموين التي يتناقلها بعض التجار “شماعة” لمزيد من الجنون في التسعيرة.
على سبيل المثال في أسواق الخضار في عموم المحافظات، يقول الباعة أنهم لا يستطيعون الالتزام بالنشرة التموينية لأن تسعيرة اليوم لا تغطي خسائر الغد. وفي محلات الأجهزة، يبرر البائعون تفاوت الأسعار بعبارة متكررة: “القطع غالية والدولار مو ثابت”. حتى المواد المنتجة محلياً، كالخبز أو المعلبات، لم تسلم من هذا التفاوت، إذ تدخل فيها كلفة النقل والطاقة والمواد الأولية المستوردة، ما يجعل كل منطقة تقريباً سوقاً مستقلة بحد ذاتها.
لضبط الأسعار، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار رقم 767، الذي يُلزم جميع المنتجين والمستوردين بتدوين السعر النهائي للمستهلك على كل منتج، بشكل واضح ومقروء، وباللغة العربية. القرار، الذي وصفته الوزارة بأنه خطوة لحماية المستهلك وتعزيز الشفافية، يمنع عرض أو بيع أي سلعة لا يظهر سعرها النهائي على العبوة. كما منح المنتجين والمستوردين مهلة حتى 31 كانون الأول 2025 لتصريف بضائعهم القديمة غير المدون عليها السعر، على أن تُعلن الأسعار للمواطنين على واجهة المحلات.
بالرغم من وضوح القرار، فإن تطبيقه على أرض الواقع يبدو أكثر تعقيداً. فالأسواق السورية تعمل منذ أشهر ضمن نموذج السوق المفتوح، الذي يتيح لكل تاجر تحديد سعره وفقاً لكلفته الخاصة، وهو ما يُرد إليه التفاوت الكبير بين محل وآخر، حتى عند بيع السلعة نفسها.
في سياق متصل، صرّح مدير حماية المستهلك في ريف دمشق، عبد السلام خالد، قائلاً: “عملنا الرقابي يتركّز حالياً على التأكد من وجود السعر بشكل واضح ومقروء على كل منتج. اختلاف الأسعار بين محل وآخر لا يُعد مخالفة، ما دام كل تاجر يعلن عن سعره علناً. مهمتنا هي محاسبة من لا يضع السعر، لا من يضع سعراً أعلى أو أقل”.
ويوضح أنه في حال وجود محلّين متجاورين يبيعان السلعة نفسها بأسعار مختلفة، فإن الزبون يملك حرية التوجّه إلى الأرخص. فالمديرية لا تتدخل في تحديد السعر ضمن السوق الحر، إلا في حال المخالفات الجسيمة أو التلاعب المتعمّد. وأوضح كذلك أن “فرض تسعيرة موحدة أمر غير ممكن عملياً، نظراً لطبيعة السوق المفتوح، حيث يحدد التاجر سعره بناءً على تكاليفه ومصدر بضاعته”. كما يشير إلى أن المخالفات المتكررة لعدم الإعلان عن الأسعار أو التلاعب بها “قد تؤدي إلى إغلاق المحل وتشميعه، خصوصاً في حالات بيع سلع فاسدة أو منتهية الصلاحية”.
وفقاً لما سبق يتبادر للأذهان السؤال التالي: هل يمكن اعتبار فوضى الأسعار في السوق السورية تسعيراً واقعياً أم فشلاً رقابياً مقنّعاً؟
الجواب ليس بسيطاً بل معقداً ومركباً. لكن يمكن القول أن الفوضى التسعيرية هي تكيف اقتصادي اضطراري وفشل رقابي بنيوي في آنٍ واحد. هي تكيف، لأنها تمكّن آلاف التجار الصغار من البقاء في سوق يتنامى فيه التضخم المتسارع وينهشه. وهي فشل، لأنها تعني أن الدولة فقدت قدرتها على ضبط السوق وفق قواعد موحدة، وأن سعر السلعة لم يعد يعكس قيمتها الفعلية بل فقط “قدرة الزبون على الدفع.
التحديثات الحالية للرقابة.. وماذا ينقص السوق السورية؟
بعد أن كشفت وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا، في 14 من تشرين الأول الماضي، عن إحصائية بعدد المخالفات التموينية، منذ بداية العام الحالي حتى نهاية أيلول الماضي، حيث بلغ عدد المخالفات لتلك الفترة 34308، منها 380 محلاً تم إغلاقه بسبب مخالفات جسيمة، و81 إحالة قضائية. بدأت مديريات حماية المستهلك في مختلف المحافظات السورية في استعادة دورها الرقابي خلال الأشهر الأخيرة، وتنوعت المخالفات المسجلة بين تقاضي سعر زائد، والتدليس في بطاقة البيان، ومواد منتهية الصلاحية، ومخالفة الشروط الصحية، وعدم الإعلان عن الأسعار، وعدم تداول الفواتير، ومخالفة التعليمات الإدارية. وتبيّن ذلك من خلال تسيير الدوريات الميدانية وتنفيذ خطط رقابية وتوعوية الهدف منها ضبط السوق ومراقبة جودة وسلامة المواد الغذائية والصناعية، في محاولة لإعادة الاستقرار إلى الأسواق المحلية.
آلية عمل الإجراءات تتم بالتنسيق مع دوائر حماية المستهلك وسلامة الغذاء، فقد تم تخصيص دائرة لمتابعة الشكاوى الواردة من المواطنين، وأخرى لمراقبة الأسعار وضبط حالات البيع بسعر زائد أو الغش التجاري. كما زودت الدوريات بالأجهزة الميدانية اللازمة للتحليل السريع لضمان جودة المواد، مع استخدام الكاميرات أثناء الجولات لتوثيق المخالفات، مع التأكيد على حق التاجر أو صاحب المنشأة في الاعتراض في حال تعرض للظلم أو تم تلفيق ضبط غير دقيق بحقه.
تزامنت آلية العمل مع دعوة المواطنين إلى شراء المواد من المحال والمنشآت المعروفة، والابتعاد عن “البسطات” أو المحال غير المرخصة أو مجهولة المصدر، مع إلزام التجار بالإعلان عن الأسعار. إذ يركز عمل حماية المستهلك على مراقبة جودة الغذاء ومدى مطابقة المنتج الصناعي أو التجاري للمواصفات القياسية السورية والاشتراطات الصحية، سواء كان محلي الصنع أو مستورداً.
قبل عرض ما ينقص السوق السورية، علينا توصيف الخطر الأكبر الذي يهددها، فحين يفقد المجتمع دهشته أمام الفوضى يبدأ الانهيار الفعلي، فلم تعد المفاجأة في الأسواق اليوم في اختلاف الأسعار بل في تطابقها في حال حدث. المواطن اليوم يدخل إلى السوق وهو يعلم أنه سيدفع أكثر، ولا فائدة من الشكوى فالمبررات ستغرقه من كل صوب. فالغلاء في هذه البلاد بات قاعدة وليس وليد أزمة.
فما ينقص السوق السورية اليوم قائم على ثلاثة أركان:
- الإنتاج المحلي القادر على المنافسة
بسبب ضعف الصناعة المحلية وارتفاع التكاليف خصوصاً مع ارتفاع أسعار الكهرباء الأخير، باتت الأسواق تعتمد على المنتج المستورد والمهرب أكثر من القانوني. فالمصادرة في هذه الحالة ليست الحل، بل دعم الإنتاج الوطني عبر تخفيف الأعباء عن الورش والمصانع الصغيرة وتوفير المواد الأولية بأسعار معقولة، ما يمكن له أن يضيق من مساحة الفوضى الحالية بشكل تلقائي.
- سعر منطقي يقارب الواقع
الأسعار الحالية مبالغ فيها خشية الخسارة، فالسوق السوري اليوم بحاجة إلى نشرة أسعار محدثة ومرنة بشكل يومي تراعي تقلبات الصرف وتعترف به، لكنها توازن على الأقل بين العرض والطلب في السوق.
- وعي استهلاكي مؤثر لا منقاد ومستسلم
المستهلك السوري اليوم يعرف أنه يُستغل لكنه نادراً ما يحتج. ليس لجهله، بل لاقتناعه أن لا شيء سيتغير. هنا تكمن الأزمة الاجتماعية: الاعتياد على الخلل. المطلوب أن يكون للمستهلك أدوات ضغط حقيقية متمثلة في جمعية حماية مستهلك في أن تكون فعالة، قنوات تبليغ سريعة كما كانت الوعود الأخيرة، حملات توعية في الإعلام ترفع من الوعي الاستهلاكي وتحثه على المطالبة بحقوقه، يجب أن يشعر المواطن السوري أن صوته يُحدث فرقاً فعلاً، لا أنه صرخة في الفراغ لا صدى لها حتى. وعلى المواطن السوري أن يؤمن أن الفوضى ليست قدراً.