بقلم هلا يوسف
بدأ كثير من الشباب خلال السنوات الأخيرة يبحثون عن أي وسيلة تساعدهم على تأمين دخل إضافي نتيجة تدهور الوضع المعيشي في سوريا وتراجع فرص العمل، حتى لو كانت خارج الإطار التقليدي. ومع هذا الواقع برزت ألعاب الفيديو كخيار جديد، فهي لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت عند البعض وسيلة للكسب من خلال اللعب، أو بيع الحسابات والعناصر داخل الألعاب، أو المشاركة في البطولات والبث المباشر. وقد أصبح لهذه الظاهرة أثر واضح على حياة الشباب السوري، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، وهو ما سيتناوله هذا المقال، مع استعراض أبرز الألعاب المدرة للمال، وتطور الرياضات الإلكترونية رسمياً في سوريا، إضافة إلى الدراسات العلمية المتعلقة بإدمان الألعاب وتأثيرها على اللاعبين.
ألعاب الفيديو دخل بديل للشباب السوري
مع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، بدأت ألعاب الفيديو تتحول من مجرد وسيلة للتسلية إلى مصدر دخل حقيقي لبعض الشباب، بالرغم من الصعوبات المرتبطة بضعف الإنترنت وغلاء الأجهزة. ويجد كثير من الشباب في الألعاب الإلكترونية خياراً مقبولاً، لأنها توفر المتعة والاستمرارية، وفي الوقت نفسه تتيح فرصاً لتحقيق أرباح، ولو محدودة مقارنة بالرواتب المتدنية.
من بين هذه الألعاب، تبرز لعبة “الفاتحون”، وهي لعبة استراتيجية حربية للهواتف المحمولة بطابع عربي. يروي حسام من ريف حمص أنه بدأ اللعب بدافع الهواية فقط، قبل أن ينبهه صديق خارج سوريا إلى إمكانية الاستفادة المادية منها. وبعد تواصله مع لاعبين آخرين، اكتشف وجود سوق لبيع الموارد داخل اللعبة مثل الياقوت والأخشاب والأسلحة، ليبدأ لاحقاً ببيع هذه العناصر مقابل المال. ويقول علاء الذي خاض التجربة نفسها، إنه يخصص عدة ساعات يومياً للعبة، ويتمكن في بعض الأشهر من تحقيق نحو 200 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق راتب موظف حكومي آنذاك، مؤكداً أن التفرغ أكثر قد يعني دخلاً أعلى.
ولا تقتصر التجربة على هذه اللعبة فقط، إذ تحظى لعبة Clash of Clans بشعبية واسعة أيضاً. عمار طالب في قسم اللغة العربية، يوضح أنه كان يلعب للتسلية لبضع ساعات أسبوعياً، قبل أن يعرض عليه أحد اللاعبين شراء حسابه مقابل 100 دولار أميركي، الأمر الذي شجعه على إنشاء حسابات جديدة وتطويرها خصيصاً لبيعها لاحقاً. ويشير إلى أن الأرباح ليست ثابتة، بل تخضع للعرض والطلب، إلا أن فكرة تحويل اللعب إلى مردود مادي كانت دافعاً أساسياً للاستمرار.
مع توسع هذه الظاهرة، أصبحت ممارسة الألعاب كمهنة أو شبه مهنة أكثر انتشاراً بين الشباب السوري، سواء من خلال المشاركة في البطولات المحلية والدولية التي تقدم جوائز مالية كبيرة، أو عبر البث المباشر على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتش، حيث تشكل تبرعات المتابعين مصدراً مهماً للدخل. ويقول اللاعب السوري إياد أحمد إن الأرباح كانت في البداية بسيطة وتأتي إلى جانب العمل الأساسي، لكن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، خاصة بين اللاجئين السوريين، تحولت الألعاب إلى هدف أساسي لكسب العيش لدى كثيرين، رغم أن ضعف الإنترنت داخل سوريا ما زال يشكل عائقاً حقيقياً.
إلى جانب اللعب المباشر، يعتمد بعض اللاعبين على بيع الجوائز والعناصر النادرة التي يحصلون عليها داخل الألعاب، وهي عملية تشبه إلى حد كبير سوق الأسهم، إذ ينتظر اللاعب ارتفاع قيمة أداة معينة قبل بيعها، خاصة إذا كانت نادرة أو يصعب الحصول عليها. في بعض الألعاب تعرض هذه العناصر في متاجر رقمية مثل Steam ويتم بيعها لمن يدفع أعلى سعر، بينما تفرض ألعاب أخرى بيع الجوائز من داخلها فقط. ومع ذلك، لا تسمح جميع الألعاب بتحقيق أرباح حقيقية، ما يجعل المجال محدوداً ومحصوراً بأنواع معينة من الألعاب.
ومع تنامي استخدام الإنترنت وانتشار الهواتف الذكية، برزت ألعاب أونلاين أخرى يعتمد عليها البعض لتحقيق دخل بسيط، مثل Pop Star Magic وScratch Cards وBig Time وLucky Time وDouble Double وCaptain Knife وBubble Shooter. لكن تبقى مشكلة سحب الأرباح قائمة، ما يدفع السوريين للاعتماد على وسطاء، إما داخل البلاد عبر شركات تشتري المكافآت بأسعار أقل من قيمتها، أو عبر أقارب ومعارف خارج سوريا في دول تتيح سحب الأرباح بشكل قانوني. ورغم كل هذه التحديات، باتت ألعاب الفيديو بالنسبة لكثير من السوريين محاولة جادة لتأمين دخل ذاتي، بدل انتظار المساعدات، في واقع اقتصادي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
اقرأ أيضاً: تطبيقات البث المباشر: الحقيقة من الغرف المغلقة وغياب الحماية القانونية
الرياضات الإلكترونية دخلت حيز التنظيم في المشهد السوري
مع انتشار هذه الظاهرة وتحولها إلى مصدر دخل، بدأت الجهود الرسمية لتنظيم هذا القطاع، حيث دخلت سوريا رسميًا عالم البطولات المنظمة في الرياضات الإلكترونية، مع إعلان إطلاق روزنامة دوري الرياضات الإلكترونية لموسم 2026، وذلك خلال مؤتمر صحفي عُقد في مبنى وزارة الرياضة والشباب بدمشق بحضور ممثلين عن اتحاد الرياضة للجميع واللجنة العليا للرياضات الإلكترونية وعدد من الجهات الداعمة.
وأوضحت اللجنة أن الدوري سيقام على مرحلتين، يبدأ موسمه الأول في شباط ويستمر حتى نيسان، مع مجموع جوائز مالية تصل إلى 100 مليون ليرة سورية، في خطوة تهدف إلى تنظيم هذا القطاع وتوسيع قاعدة المشاركين فيه. وأكد معاون وزير الرياضة والشباب جمال الشريف أن الرياضات الإلكترونية أصبحت من الرياضات الحديثة التي تحظى باهتمام عالمي متزايد، مشيراً إلى دورها في توفير بيئة آمنة للشباب، وضرورة مواكبة التطور الرقمي لتمكين الشباب السوري من الحضور الفاعل في هذا المجال.
من جهتها بينت رئيسة اتحاد الرياضة للجميع ثناء محمد أن الاتحاد يعد من الداعمين الرئيسيين لهذه الرياضة، كاشفة عن خطط لافتتاح صالات مخصصة للرياضات الإلكترونية في سوريا بهدف تنظيمها وتطويرها بشكل سليم. بدوره، أوضح رئيس اللجنة العليا للرياضات الإلكترونية سعيد شرف أن روزنامة الموسم الجديد لا تقتصر على البطولات فقط، بل تشمل ورش عمل توعوية ونشاطات موجهة للمدارس والجامعات، إضافة إلى دوري خاص بالفئة الأنثوية، على أن تشمل المنافسات 9 ألعاب لفئة الرجال و3 ألعاب لفئة الإناث، ويقام الحفل الختامي في 26 آذار بدمشق.
وأكد مدير الرياضات الإلكترونية أحمد حرفوش أن الإعلان عن الروزنامة يشكل خطوة استراتيجية لوضع خارطة طريق واضحة لتأسيس هذا القطاع بشكل صحيح، معتبراً أنها قد تُحدث تحولاً حقيقياً في واقع الرياضات الإلكترونية في سوريا. كما أشار رئيس الغرفة الفتية الدولية بدمشق محمد أنور اللوجي إلى دعم الغرفة لهذه الفعالية عبر تنظيم ورشات توعوية تستهدف غير المطلعين على هذا المجال، إضافة إلى ورش مخصصة للأهالي لشرح طبيعة هذه الرياضة وأهميتها. وفي السياق ذاته، أعلنت جهات إعلامية وتجارية مثل شركة سيريتل وقناة برايم الفضائية استعدادها لرعاية ونقل البطولات، في إطار شراكة تهدف لدعم هذا القطاع الواعد.
وتشمل البطولات المعلنة منافسات نوعية، من بينها لأول مرة بطولة PUBG Mobile، إلى جانب ألعاب مثل Tekken 8 وeFootball، مع تنظيم معرض سنوي للألعاب الإلكترونية، ورصد جوائز نقدية بقيمة 100 مليون ليرة سورية، إضافة إلى ثلاث بطولات نسائية، وموسمين تنافسيين سنويًا في الربيع والخريف، يتضمن كل منهما نهائيات كبرى. ويشارك اللاعبون عبر منصات مختلفة تشمل الحاسب الشخصي مثل League of Legends وDOTA2 وCounter Strike 2، ومنصات الكونسول مثل eFootball وTekken 8، إلى جانب ألعاب الهاتف المحمول مثل PUBG Mobile وFree Fire وMobile Legends.
ويُذكر أن اللجنة العليا للرياضات الإلكترونية تأسست عام 2017، وكانت سوريا من أوائل الدول العربية التي احتضنت هذا النوع من الرياضات، حيث نظمت أكثر من 50 بطولة خلال تسع سنوات بجهود ذاتية، وحصلت على عضوية الاتحاد الآسيوي عام 2017، ثم الاتحاد الدولي عام 2018، والاتحاد العربي عام 2022، ما ساهم في تعزيز حضورها الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، أشار الشريف إلى أن تجربة الأردن كانت مثالاً ناجحاً في تنظيم الرياضات الإلكترونية ضمن بيئة متوازنة تحافظ على وقت الشباب وتدمجها مع النشاط البدني، مؤكداً أن هذه الرياضة ليست حكرًا على المحترفين، بل متاحة للجميع، وتسهم في تعزيز ثقافة الرياضة بشكل عام إذا ما نُظمت بالشكل الصحيح.
ماذا تقول الدراسات العلمية حول إدمان الألعاب؟
ومع توسع الألعاب كدخل وممارسة منتظمة، يبرز تساؤل حول إدمان الألعاب وتأثيرها النفسي. حيث تشير الإحصاءات إلى أن مئات الملايين حول العالم يلعبون ألعاب الفيديو، ومع ذلك الغالبية العظمى منهم لا يعانون من مشكلات نفسية أو سلوكية.
ورغم وجود قصص تربط بين الألعاب والعنف أو الاكتئاب، فإن هذه الحالات فردية ولا تمثل دليلاً علمياً شاملاً. ففي 2011 درست المحكمة العليا الأمريكية الأبحاث المتعلقة بألعاب الفيديو العنيفة في قضية براون ضد جمعية تجار الترفيه، وخلصت إلى أن التعرض لهذه الألعاب لا يدفع القاصرين إلى التصرف بعدوانية. وخلصت الحكومة الأسترالية عام 2010 إلى نتيجة مشابهة بعد تقييمها للأدلة.
أظهرت دراسة طولية أجراها كريستوفر فيرغسون وزملاؤه في جامعة تكساس إيه آند إم الدولية، على 165 شاباً خلال ثلاث سنوات، عدم وجود علاقة بين ألعاب الفيديو العنيفة وممارسة العنف، بل تبين أن السلوك العدواني مرتبط أكثر بالعنف في الأسرة أو بين الأصدقاء، أي أن البيئة الاجتماعية تلعب دوراً أكبر من الألعاب نفسها.
أما عن مفهوم “إدمان ألعاب الفيديو”، فقد انتقد بعض الباحثين الطريقة التي تشبه فيها الألعاب بالمقامرة، موضحين أن الألعاب تعتمد على المهارة والتعلم وليست على الحظ، ومكافآتها داخلية ولا تؤدي لخسائر مالية حقيقية. وأظهرت دراسات تصوير الدماغ أن مراكز المتعة تنشط عند تحقيق إنجاز داخل اللعبة، وهو أمر طبيعي يشبه الاستجابة لأي نشاط ممتع، سواء كان لعب الشطرنج أو ممارسة الرياضة.
وفي دراسة على أكثر من 1300 لاعب بالغ في جامعة روتشستر، وجد أن نسبة صغيرة فقط من اللاعبين الذين يقضون ساعات طويلة وصفوا سلوكهم بأنه قهري، وغالباً ما تعكس هذه الحالات نقصاً في تلبية احتياجات نفسية أساسية في الحياة الواقعية. وتشير أبحاث معهد أكسفورد للإنترنت إلى أن حوالي 0.3% فقط من اللاعبين يواجهون صعوبة حقيقية في التحكم بالوقت، ما يعني أن انتشار الإدمان على نطاق واسع مبالغ فيه.
ورغم ذلك، هناك ممارسات داخل بعض الألعاب تستدعي النقاش والتنظيم، مثل صناديق الغنائم العشوائية، لكن الباحثين يؤكدون أن ألعاب الفيديو تقدم فوائد تعليمية واجتماعية، مثل تنمية التفكير الاستراتيجي والتعاطف، إذا تم توظيفها بطريقة صحيحة. وبناءً على هذه الدراسات يرى العلماء أن النقاش حول ألعاب الفيديو يحتاج إلى توازن علمي، يعتمد على البيانات الدقيقة والتعاون بين الباحثين وصناعة الألعاب، بعيداً عن الانطباعات العامة أو الذعر الإعلامي.
باختصار، تبقى الألعاب الإلكترونية والرياضات الرقمية وسيلة تجمع بين المتعة والتحدي، ويمكن أن تكون فرصة للتعلم واكتساب مهارات جديدة إذا تم توظيفها بشكل متوازن. ومع الاستخدام الصحيح، يمكن للشباب الاستفادة منها دون التأثر سلباً، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي.
اقرأ أيضاً: الألعاب الإلكترونية المجانية: ملايين اللاعبين للألعاب الأكثر شهرة