أخبار العالم

الإسمنت في سوريا بين مطرقة الغلاء وسندان الاستيراد .. هل ضاع حلم إعادة الإعمار؟

الإسمنت في سوريا بين مطرقة الغلاء وسندان الاستيراد .. هل ضاع حلم إعادة الإعمار؟

بقلم: ديانا الصالح

تشهد أسعار الإسمنت في سوريا ارتفاعاً كبيراً، لا سيما بعد توقف تصنيع مادة “الكلنكر”، وتأخر توريدات الأردن، مما يعكس حجم التحديات التي يعانيها قطاع الإسمنت في ظل ارتفاع التكاليف الإنتاجية والتشغيلية.

وتشكل صناعة الإسمنت في سوريا ركيزة حيوية للاقتصاد السوري، والعنصر الأكثر تأثيراً على مرحلة إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب الطويلة، وفي هذا السياق، تثور تساؤلات ملحّة: ما أسباب توقف الكلنكر وهل يمكن لسوريا الاعتماد على الاستيراد كحل مستدام؟ وما الحلول الممكنة لدعم الإنتاج الوطني وتحقيق الاكتفاء الذاتي على المدى الطويل؟

ارتفاع أسعار الإسمنت في سوريا

يعاني سوق البناء السوري من ضغط مزدوج يتمثل في توقف شركة الإسمنت ومواد البناء”عمران” عن إنتاج مادة الكلنكر (المادة الأساسية لصناعة الإسمنت) وتأخر واردات الأردن الناجم عن سياسة المناقلة، مما أدى إلى نقص المعروض مقابل تصاعد حجم الطلب، وأسهم ذلك في ارتفاع سعر طن الإسمنت الواحد إلى 160 دولار، مع وجود حالة من تذبذب الأسعار بين صعود وهبوط خلال الفترة الأخيرة بين 120 و160 دولار.

ويعود قرار توقف إنتاج الكلنكر إلى ارتفاع تكاليف إنتاجه محلياً، مما استدعى ضرورة استيراد هذه المادة وطحنها ضمن المعامل الوطنية لتخفيف أعباء التكاليف وحماية الإمدادات المحلية، وفقاً لما صرّح به مدير عام شركة “عمران” محمود فضيلة.

وفي هذا الصدد، يعزو الباحث الاقتصادي أحمد سليمان، توقف تصنيع مادة الكلينكر الأساسية في صناعة الإسمنت إلى نقص مستلزمات التشغيل من الوقود والطاقة الضرورية لتشغيل المصانع بطاقتها الكاملة، مشيراً إلى دور الاستيراد في تغطية حوالي 40% من حجم الطلب، مقابل ارتفاع الأسعار نتيجة التكاليف المرتبطة بالشحن والاستيراد وتذبذب سعر الصرف.

بدوره، يرى الباحث الاقتصادي عامر ديب أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الوطني ترتبط بشكل رئيسي بمشكلة الطاقة والصيانة وقطع الغيار، فهي تشكل نحو 65% من إجمالي التكلفة، موضحاً أن غياب الدعم من الجهات الحكومية وانعدام تنفيذ الاستثمارات الحقيقية يفاقم المشكلة ويهدد الحصة السوقية للصناعة المحلية.

حاجة ملحة وتحذيرات من التبعية

على الرغم من الحاجة الملحّة إلى استيراد الإسمنت والكلينكر في الوقت الحالي كحلّ مؤقت لسد حاجة السوق وتجنب حدوث نقص حادّ في مستلزمات البناء، إلا أن العديد من الخبراء يحذرون من الانجرار وراء الاستيراد والرضوخ للتغييرات الخارجية، مما يشكل نوعاً من التبعية للخارج وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

وهذا ما يؤكده مدير سابق في مجال الإسمنت، حيث يسلط الضوء على واقعية اللجوء لاستيراد “الكلنكر” وطحنه واستثماره ضمن المصانع المحلية خلال المرحلة الراهنة، كونه يُعتبر ضامناً لاستمرار الإنتاج والمحافظة على الأيدي العاملة الماهرة، وما يرافق ذلك من اكتساب للتقنيات والخبرات الحديثة في إدارة مجالي الطاقة، إلا أنه يوجه في الوقت ذاته نداءً للجهات المعنية بضرورة وضع خطة وطنية واضحة تتضمن سياسة استراتيجية متوسطة المدى، للاستفادة من هذه الفرصة في توطين التكنولوجيا وصقل المهارات الوطنية وتطويرها، للوصول إلى الاكتفاء الذاتي مستقبلاً.

في حين، يحذر الخبير الاقتصادي عامر ديب من إغراق الأسواق المحلية بالإسمنت المستورد، لما فيه من ضرر مباشر على المنتج الوطني، كونه يجعل المنافسة بعيدة المنال، مشيراً إلى توفيره حلولاً قصيرة المدى، مقابل تهديده لوجود الصناعة الوطنية.

من جانبه، يحذر الخبير في مجال العقارات عمار يوسف من تحول السوق السورية إلى عرض مخصص لتصريف المنتجات الخارجية، مما يجرّها نحو خسارة استقلاليتها الاقتصادية إلى جانب فقدان فرص العمل والقيمة المضافة، مؤكداً ضرورة الدعم الحكومي لصناعة الإسمنت المحلي وتوفير مواد البناء، مع التخطيط الوطني لانتشارها بشكل محلي ضمن أرجاء البلاد.

فيما يبين باحثون اقتصاديون أهمية صناعة الإسمنت في سوريا كرافعة اقتصادية في حال رفدها بسياسة استراتيجية متكاملة، تقوم على تحديث البنية التحتية والنقل إلى جانب تسهيل التوريدات، موضحين أن القاعدة الأساسية لنجاح أي شراكة أو تعاون مع مستثمر أجنبي، تتمحور حول مبدأ تبادل المصالح وبناء القيم المضافة للاقتصاد الوطني، إلى جانب تلبية حاجة السوق المحلية.

إذاً، يُعتبر استيراد الإسمنت ومادة الكلنكر وفقاً لرؤية الخبراء سلاحاً ذا حدين، فهو حلٌّ سريع لتوفير المادة ضمن الأسواق المحلية وضمان استمرارية العمل على المدى القصير من جهة، بينما يعمّق تبعية الصناعة الوطنية وتأثرها بالخضات الخارجية مهما بلغت شدتها، ما يستدعي وضع خطة إصلاحية شاملة لتحديث المعامل وتوفير الدعم الحكومي لتأمين المواد الأولية للإنتاج محلياً، تجنباً لتحول الأسواق المحلية إلى مركز لتصريف الفائض الخارجي على حساب الداخل.

توقيع عقد استثماري لمطاحن طرطوس

وقعت شركة “عمران” عقداً استثمارياً لإعادة تأهيل مطاحن معمل الإسمنت في محافظة طرطوس مع شركة QZ الإماراتية دون توضيح كافٍ حول هوية الشركة فهناك عدة شركات تحمل ذات الاسم، كما توجد شركة سعودية معروفة بالاسم نفسه متخصصة بمجال الطاقة والأتمتة الصناعية، مما يثير تساؤلات حول أهلية الشركة المستثمرة وارتباطاتها، وفقاً لما يراه مراقبون.

أما أهداف الاستثمار المُعلنة فتتمحور حول إعادة تأهيل مطاحن معمل إسمنت طرطوس، تحت إطار السعي الحكومي نحو زيادة الإنتاج الوطني مع التوجه نحو الاعتماد على الموارد المحلية، وسط غياب واضح للأرقام المالية حول قيمة الاستثمار وحصة كل طرف أو نسبة الأرباح، كما لم يتضمن الإعلان أي معلومات عن الشروط الواجبة للعقد.

كما أن هناك ضبابية في ملف العاملين الحاليين، حيث لم تتطرق الشركة لهذا الموضوع، رغم ورود أنباء سبقت توقيع العقد حول تسريح عاملين بذريعة تقادم خطوط الإنتاج وفقاً لتقارير محلية.

فيما يحذّر ناشطون محليون من ورود بند بالاعتماد على استيراد الكلنكر بدلاً من إنتاجه محلياً، مما قد يعرقل أي خطوة لاحقة لإنتاج هذه المادة، طوال مدة العقد التي حُدّدت بـ 15 عاماً، ليتحول بتلك التفاصيل إلى إعلان سياسي اقتصادي أكثر من كونه عقداً استثمارياً شفافاً.

فجوة بين الإنتاج والحاجة

يبلغ الإنتاج المحلي من الإسمنت في الوقت الحالي نحو 10 آلاف طن يومياً، فيما يُقدر الإنتاج السنوي بحوالي 3.6 مليون طن، مما يعكس فجوة واضحة بين الإنتاج والحاجة الفعلية للسوق وإعادة الإعمار التي تتطلب سنوياً من ثمانية إلى تسعة ملايين طن، مما يعني وجود عجز سنوي يُقدر بخمسة ملايين طن تقريباً.

وتشير تقديرات رسمية سابقة، حسب تحليلات محلية، إلى أن حاجة البلاد من الإسمنت تتراوح بين 60 و80 مليون طن من مادة الإسمنت في السنوات العشرة القادمة، لتلبية متطلبات إعادة إعمار الوحدات السكنية والبنى التحتية المتهالكة إلى جانب المرافق العامة.

حلول مقترحة

يشيد الخبير الصناعي جبرائيل شهب بالخطوة الإيجابية للحكومة السورية في إلغاء رسوم “الضميمة” على الإسمنت في سوريا، مقترحاً عدة حلول أخرى من شأنها تحسين القدرة التنافسية للمنتج المحلي والنهوض بالإنتاج، أبرزها توفير قروض وتسهيلات استثمارية إلى جانب إتاحة التمويل المصرفي المناسب لتطوير خطوط الإنتاج وتحديث المصانع.

كما يقترح شهب الاستفادة من تجربة شركة إسمنت البادية، معتبراً أنها مثال محلي ناجح لتعزيز الإنتاج الوطني من خلال الشراكات والتمويل اللازم للمشاريع الكبرى، بما يسهم في رفع الطاقة الإنتاجية وحماية الصناعة المحلية، علاوة على ذلك، يشير الخبير إلى أهمية جذب الاستثمارات الحقيقية ورؤوس الأموال.

فيما يوضح باحثون أهمية التوجه نحو إصلاح المعامل وعدم الرضوح لاستيراد مواد البناء لا سيما الإسمنت، مؤكدين أن سوريا تمتلك مقومات صناعة مواد بناء متطورة قادرة على سد حاجة إعادة الإعمار، شرط توفير الدعم الحكومي وتأمين مستلزمات الطاقة بأسعار معقولة، وإلى ذلك، يشير الباحثون إلى أن الشراكات مع القطاع الخاص أو دعوة الاستثمارات الأجنبية يجب أن تكون مكملة للعام وليست عوضاً عنه.

في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى كامل طاقة معاملها الإسمنتية، تبرز قضية الاستيراد كعامل مستنزف للإنتاج المحلي وأداة سريعة لإدارة أزمة بمفعول قصير المدى، مقابل تخبط المنتج الوطني بين المنافسة غير العادلة وانعدام مستلزمات الإنتاج الرئيسية، ليغدو طرح المنشآت الحكومية للاستثمار أسهل من تشغيلها بأيادٍ محلية خالصة، مع غياب الخطط الوطنية الشاملة والسياسات الاقتصادية بعيدة المدى.

اقرأ أيضاً: المدن أولاً.. لماذا يجب البدء بإعادة الإعمار من المناطق الحضرية؟

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.