أخبار العالم

الاستثمار والمشافي الحكومية.. هل ينجح “تدوير الزوايا” في حماية صحة السوريين؟

الاستثمار والمشافي الحكومية.. هل ينجح “تدوير الزوايا” في حماية صحة السوريين؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت تصريحات رئيس هيئة الاستثمار السوري “طلال الهلالي” حول توجه مُرتقب لإسناد 71 مشفىً حكومياً إلى شركات خاصة، موجة جدل واسعة وتخوفاً شعبياً من تقويض مجانية العلاج، ورغم محاولة الهيئة طمأنة الشارع عبر بيان توضيحي، إلا أن الأخير لم ينجُ من الانتقادات، حيث وُصف بالضبابية لغياب الأرقام والتفاصيل الرئيسية، لا سيما تلك المتعلقة بحسم مصير الخدمات المجانية.

ويأتي هذا الحراك في وقت يواجه القطاع الصحي تحديات جمّة، متمثلة بتدهور البنية التحتية الصحية، وخروج مرافق حيوية من الخدمة بالتزامن مع نقص الأدوية وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، مما يطرح تساؤلات ملحة: هل يمكن إيجاد نماذج حديثة من الإدارة الصحية -وفقاً لوصف الهيئة- بعيداً عن جيب المواطن المُنهك أصلاً؟ وكيف يمكننا الاستفادة من التجارب الخارجية في هذا السياق؟

سنتناول في مقالنا الجدل حول بيان الهيئة وتصريح رئيسها وما ولّداه من قلق شعبي على مستقبل النظام الصحي ومجانية العلاج، لا سيما وأن الخبراء يرون ذلك تمهيداً للدخول في متاهات خصخصة المشافي السورية، للمزيد من التفاصيل، تابع معنا..

خصخصة المشافي السورية موضع شكّ

انشغل الشارع السوري خلال الساعات الأخيرة في مسألة خصخصة المشافي السورية، عقب إعلان رئيس هيئة الاستثمار حول إسناد مشافٍ حكومية إلى القطاع الخاص، حيث يتخوف مواطنون من حصر العلاج بفئات طبقية اجتماعية دون أخرى، مع تراجع قدرتهم الشرائية وتراكم الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتردية.

من جانبها، نفت هيئة الاستثمار خصخصة المشافي السورية، مبينة أن تصريحات رئيسها لا تعني بيع الممتلكات والأصول الحكومية، فالصحة لم ولن تكون للبيع، كذلك الأمر بالنسبة للواقع الطبي فهو سيبقى ضمن دوره الوطني دون تغيير، حسبما ورد في البيان التوضيحي.

وأكدت الهيئة أن الأمر متعلّق ببحث نماذج حديثة للإدارة بالتعاون مع القطاع الخاص، بهدف تحسين الخدمات الصحية وآلية العمل إلى جانب تعزيز الكفاءة التشغيلية، إضافة إلى تقديم العلاج ووصوله لكل مواطن بجودة عالية وتكلفة أقل تحت إشراف وضمان الدولة.

رغم البيان التوضيحي للهيئة إلا أنها وقعت في مرمى الانتقادات نتيجة لضبابية التفاصيل المتعلقة بمصير العلاج المجاني أو دور الدولة في تمويل الخدمات الصحية، مما فتح باباً للتساؤلات حول مسار السياسات الصحية المقبلة.

تعقيباً على ذلك، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد العلبي أن نموذج الإدارة في القطاع الصحي سيتعرض إلى تغيير جوهري مهما أُشير إلى عكس ذلك، حيث سيكون هناك تبديل بالحوافز والمعايير وآليات الإنفاق والرقابة، لذلك لا يمكن وصف ما يحدث بمجرد “تحديث إداري”، موضحاً أن التحديثات تُعرض كسياسة عامة مكتوبة مع “أرقام وضمانات وتمويل”.

كما يشكك العلبي بالمرجعية القانونية التي اعتمدتها الهيئة في الحديث عن 71 مشفى، مؤكداً أن ولايتها القانونية لا تسمح لها بذلك حسب قانون الاستثمار السوري، فهي تنقل للمواطن إعلان أصول عامة للاستثمار دون تغيير في جوهرها، ولكن ذلك ليس بصحيح، “فالمستثمر ليس جمعية خيرية” وفقاً لوصفه.

في المقابل، يرى خبراء آخرون أن الأمر لا يتعدى كونه تحديثاً للأنظمة الإدارية وهو معمول به ضمن عدة دول متقدمة، ويسعى نحو تحسين الخدمات الصحية وتطوير مهارات الكوادر الطبية، إلى جانب دعم القطاع الصحي بالموارد اللازمة للنهوض بواقعه المتردي.

واقع خدمي قديم متجدد

تشير تقارير ودراسات كثيرة إلى تدهور المستشفيات العامة في سوريا خلال السنوات الماضية لا سيما من حيث نقص الأدوية والمعدات، إلى جانب حصر خدمات بعضها المجانية على معاينة الأطباء فقط، فضلاً عن قضايا الفساد والمحسوبيات.

كما تتحدث دراسة منشورة عام 2024 بعنوان: “النظام الصحي في سوريا (2000-2024): تجميع أجزاء نظام مجزأ – مراجعة شاملة”، عن التحديات الرئيسية التي يواجهها النظام الصحي السوري، مثل نقص الكوادر والتفاوت في الخدمات الصحية، إلى جانب تسييس الرعاية الصحية، وتشتت التمويل.

وتبين الدراسة معاناة النظام الصحي من الإدارة المركزية والاستراتيجيات التمويلية غير المتسقة، إضافة إلى تجزئة نظام المعلومات الصحية، وتزايد الاعتماد على القطاع الخاص، كذلك الأمر بالنسبة لتزايد التوجه نحو المشافي والمراكز الصحية الخاصة نتيجة لتفاوت درجة جودة الخدمات و توافرها.

استثناء لا يمكن تخطيه

لا شك أن أي توجه إلى تحديث أو تطوير يرتبط بصحة المواطن السوري، لا بد له أن يراعي تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص وضمان إيصال العلاج لكافة المواطنين خاصة المفقرين منهم، فالأجور المتآكلة بفعل التضخم وتزايد الأعباء المعيشية، تعيد ترتيب أولويات السوريين بشكل مقنن وقاسٍ، لا سيما مع ارتفاع معدل الفقر إلى نحو 80% و90% حسب تقارير الأمم المتحدة، فضلاً عن البطالة المتزايدة التي تصل نسبتها إلى 60% وفقاً لبيانات غير رسمية.

كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى حاجة أكثر من 15 مليون شخص سوري للخدمات الصحية أو الدعم الصحي العاجل، فيما يُقدر عدد المشافي التي مُولت من قبل المنظمات بشكل مباشر بنحو 75%، وفقاً لتصريحات الخبير الاقتصادي محمد العلبي، مشيراً إلى خلو ملخص موازنة 2025 من أي بند للإنفاق الصحي أو الاجتماعي.

تعكس هذه الأرقام مدى الجدية المطلوبة في النظر إلى المسائل المتعلقة بتكاليف العلاج، والعمل على توفيرها مجاناً لا سيما للطبقة الفقيرة، وهذا ما يجعل سوريا استثناء فغالبية سكانها تحت خط الفقر.

تجربة لبنان

تشير دراسة حديثة بعنوان ” تقديم الرعاية الصحية في لبنان: مراجعة شاملة نقدية لنقاط القوة والضعف والفرص والتحديات”، إلى بعض النجاحات التي حققها لبنان من هيمنة القطاع الخاص على مجالها الصحي، مثل تقديم شبكة شاملة من المستشفيات المجهزة، وتطوير التعليم الطبي إلى جانب الارتقاء بمستوى المعايير المرتبطة بالتخصصات الطبية مثل الأمراض المزمنة كالقلب.

ولكن هذه الإنجازات النسبية قُوبلت بعواقب وخيمة أبرزها عدم المساواة في تقديم الرعاية الصحية، وانعدام الكفاءة إلى جانب التحيز السلبي للنظام المالي اللبناني لمقدمي الرعاية من القطاع الخاص، مما أدى إلى عرقلة مسار الاستثمار في البنية التحتية الصحية إضافة إلى استنزاف الموارد العامة، وفي هذا السياق تؤكد رئيس قسم الطوارئ في المركز الصحي ضمن الجامعة الأمريكية في بيروت “إيفلين هتي” أن نحو 70 إلى 80% من القدرة الصحية اللبنانية موجودة في نطاق القطاع الخاص.

وتلفت الدراسة إلى أن النظام الصحي اللبناني لا يزال راكداً نتيجة لعدة مشكلات متجذرة تتمثل بالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى ضعف البنية التحتية الصحية وانعدام شمولية التغطية الصحية، فضلاً عن تذبذب الاستقرار السياسي.

إذاً، نستنتج مما سبق أن هيمنة خصخصة المشافي السورية وإن بدت في ظاهرها الاستثماري إيجابية وشكلية لصالح تحديث الأنظمة والكوادر، لا يمكن تطبيقها في مجتمع يعاني أزمات اقتصادية وبنيوية عميقة، وتقع غالبية أفراده تحت خط الفقر، فمن الأجدى إيجاد طرق أخرى لتحقيق التقدم مع المحافظة على حق المواطن في الحصول على الخدمات الصحية بشكل شبه مجاني استناداً لعشرات التجارب الخارجية.

التجربة التايلاندية

إن التوجه نحو تحديث الأنظمة الصحية اقتداءً بالدول المتقدمة، يجب أن ينطلق من منظور صحي منطقي يضع بعين الاعتبار تصحيح مسار الرعاية وإيصالها لأكبر عدد ممكن من المواطنين، فالترتيب يبدأ من الداخل والإحاطة بأوجاع المواطن ليكون تمهيداً لوضع خطط استراتيجية مدروسة لتحقيق التطوير والتحديث الذي يصب في مصلحة الجميع لا سيما المُفقرين منهم.

أما بالنسبة لوضع البلد الحالي، فأي حديث عن شراكة للقطاع الخاص ولو كانت بعناوين التحديث المحتملة، سترافقه مجموعة من التحديات التي وثقتها الدراسات من تجارب العديد من الدول، مثل زيادة الإنفاق الشخصي على الطبابة، وخلق الطبقية الصحية، مع حرمان الفقراء من الحصول على حقهم في العلاج والمعاينة نتيجة لتراجع القدرة الشرائية والوضع الاقتصادي المتدهور.

وفي هذا الصدد، لا بد من تسليط الضوء على التساؤل الجوهري الذي يطرحه مراقبون ولم يلقَ إجابة حتى يومنا هذا: لماذا لا تستلم الدولة موضوع التحديث بالتزامن مع حفظ حق المواطن الصحي؟

على الرغم من كثرة التبريرات الرسمية المتمحورة حول قلة الموارد والتدهور الخدمي الحاد، إلا أن هناك تجارب خارجية يمكن الاستفادة منها بأقل الخسائر، مثل التجربة التايلاندية التي اعتمدت برنامج (الثلاثين بات) خلال عام 2002، وهو نظام يقوم على تقديم رعاية صحية مجانية شبه كاملة مع مساهمة رمزية من قبل المواطنين لا تتعدى الدولار الواحد، بالتالي لم تتوجه نحو القطاع الخاص بل اتخذت مسار التعافي وتحسين الإدارة مع توزيع الموارد بشكل أفضل، رغم بدايتها الصعبة المتمثلة بالتحديات المالية وفجوات الوصول للطبابة.

ونجح البرنامج التايلاندي الذي يُعد بمثابة برنامج التأمين الصحي الاجتماعي الرئيسي، في تغطية 75% أي نحو 47 مليون مواطن من المجموع الإجمالي للسكان في الوقت الحالي، ويستحوذ على نحو 17% من إجمالي الإنفاق الصحي في البلاد، بالتالي تُعتبر تايلاند نموذجاً يُحتذى به في توظيف سياستها الصحية لإنشاء نموذج صحي واضح بعيداً عن تعقيدات نقص الموارد.

يبدو أن الجدل حول إسناد المشافي الحكومية للقطاع الخاص لم يُحسم بعد، فرغم توضيح الهيئة إلا أن ضبابية التفاصيل ولّدت هاجساً جديداً يتمثل بالملامح الجديدة المُرتقبة التي ترسمها السياسات الصحية، فهل تتجه المنظومة الصحية نحو تعزيز التعاون الخاص لتحسين الخدمات أم لتحول جديد يغير مسيرة العلاج المجاني ويمهد لخصخصة المشافي السورية؟

اقرأ أيضاً: القطاع الصحي في سوريا: فجوات في التمويل وإهمال للأطفال

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.