في الزوايا العتيقة، امتزجت همهمات الأذكار الصوفية مع همسات السياسة المكتومة لفترات طويلة. فهناك، حيث تعقد حلقات الذكر ليلاً في قاعات عتيقة تفوح بالبخور، وحيث يرتفع صوت المنشدين بالتضرّع، تكمن حكاية معقّدة للتصوف وارتباطه بالسياسة في سوريا. فقد نسجت حكاية التصوف في سوريا خيوطها بين الروحانية والسلطة على مدار قرن من الزمن، وتقلّبت فيها مهادنات شيوخ الزوايا بين السلطة ومعارضيها. فكيف استطاعت الطرق الصوفية البقاء في مشهد سياسي مضطرب؟ وكيف جرى استثمار التصوف كورقة قوة أو معارضة في مسرح السياسة السورية؟
من المهم أن نشير هنا قبل الخوض في تفاصيل المقال، إلى أنّ هذا المقال يحاول أن يكون معني بالتصوّف من منظور انخراطه في السياسة السورية، سلباً أو إيجاباً، وليس معني بأيّ شكل من الأشكال بالتصوّف من منظوره الديني أو الشعائري، أو نقائض التصوّف من مناظيرها الدينية أو الشعائرية.
جذور التصوف في سوريا
التصوف هو أحد أبرز المظاهر الدينية المتجذرة في المجتمع السوري منذ قرون. إذ تعود جذوره الراسخة إلى زمن المماليك والعثمانيين الذين شجّعوا انتشار الطرق والزوايا الصوفية. وبقي هذا التأثير مستمراً في عهد الدولة السورية الحديثة التي أولت هي الأخرى رعاية واهتماماً لهذه الطرق.
خلال حقبة الانتداب الفرنسي وما تلاها من استقلال، تمتعت المؤسسات الدينية، بما فيها الطرق الصوفية، بهامش استقلالية عن سيطرة الدولة موروث من العصر العثماني. وقد برز حينها عدد من المشايخ والأقطاب الصوفيين كقادة روحيين كان لهم دور اجتماعي وسياسي في ظل غياب السلطة المركزية القوية. لكن هذا المشهد بدأ بالتغيّر جذرياً مع وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1963 وما تلاه من تحولات.
مع استلام البعثيين للسلطة، انتهجت الدولة الجديدة سياسة حذرة تجاه الهيئات الدينية. فبرغم علمانيتها المعلَنة، أدركت السلطة سريعاً ثقل المؤسسة الدينية في مجتمع تقليدي. لذلك اتبعت إستراتيجية مزدوجة: السماح باستمرار النشاط الديني التقليدي، بما فيه التصوف، ولكن دون السماح بأي دور سياسي مستقل له. أُلغيت هيئات التنسيق الرسمية بين العلماء، وتُركت كل جماعة تعمل منفردة تحت أعين المراقبة الأمنية. وهكذا انقسم المشهد الديني في دمشق خصوصاً إلى جمعيات خيرية ومعاهد شرعية وزوايا صوفية تعمل بتفاوت في قربها أو بعدها عن النظام.
وهذه السياسة شتّتت قوة التأثير السياسي للعلماء والطرق، ووجّهت أنشطتهم نحو الخدمة الاجتماعية عوضاً عن العمل السياسي. وعملياً، شكّلت هذه الإجراءات نهاية عقودٍ من المشاركة العلنية للعلماء والطرق الإسلامية في السياسة، لتغدو الروحانية الصوفية معزولة عن دهاليز السلطة.
في تلك الفترة ظهرت شخصيات صوفية اختارت التقارب مع السلطة الجديدة. ولعل أبرز مثال هو الشيخ أحمد كفتارو، شيخ الطريقة النقشبندية في دمشق، الذي انتُصب مفتياً للجمهورية. يرى كثيرون بأنّ كفتارو بنى نفوذه بدعم توجهات منفصلة عن بقية القوى الإسلامية مبكراً، حتى قبل وصول حكم الأسد، إذ كان العالم الديني الوحيد في دمشق الذي ساند مرشح حزب البعث رياض المالكي بانتخابات 1957، وكان مفتياً لدمشق حينها.
وبعد استيلاء حافظ الأسد على الحكم عام 1970، اتُّهم كفتارو بأنه من أكثر المشايخ الذين دعموا النظام ومكّنوه، وبأنّه حصل مقابل ذلك هو ومجمعه الديني (أبو النور) بدعم رسمي ونفوذ واسع. يدافع مريدوه عن الشيخ ونهجه بأنّه “نبذ الفتنة” التي كان الكثيرون يريدون إشعالها باسم الدين، واعتبرو هذه القوى تدميرية يجب الحذر من دعواتها، وبأنّ الحكمة كانت تقتضي مهادنة السلطة في ذلك الوقت بهدف الحصول على مساحة للاهتمام ببناء المجتمع الإسلامي شعائرياً وأخلاقياً، وهو الأولى.
وبغضّ النظر عن الرأي والرأي النقيض. سمح هذا النموذج المهادن للكثيرين من الشيوخ والعلماء الصوفيين بالبروز، واتقاء شرّ بطش السلطة، وممارسة الشعائر وبناء وتقوية قواعد المريدين في السنوات التالية، لتصبح المعادلة التي تسم العلاقة بين التصوف الإسلامي والسلطة واضحة: مهادنة سياسية مقابل مساحة دعوية.
التصوف والسلطة في ظل حكم البعث
مع تدعيم حكم حافظ الأسد، رسخ النظام معايير جديدة للتعامل مع التيارات الدينية، مميّزاً بين من يشكّل خطراً سياسياً ومن يلتزم بالولاء أو الحياد. وسمح النظام للمجموعات التي تنتهج طرق لا تهدد سلطته بالنشاط، تحديداً تلك التي تنتهج نهجاً بعيداً عن السياسة تحت شعارات مثل “من السياسة عدم الدخول في السياسة”.
بالفعل، غضّت السلطة الطرف عن نشاط الزوايا الصوفية وحلقات الذكر التي تركز على تزكية النفوس وتربية المريدين، طالما بقيت تلك النشاطات ضمن الإطار الديني الصرف. حصل جزء كبير من الصوفيين بذلك على “هامش من الحرية الدينية” في مجتمع يُحكم بقبضة ترفع شعار العلمانية. إذ سُمح لهم بإقامة مجالس الذكر والدروس في المساجد والزوايا وحتى في البيوت بإذنٍ مسبق، وهو إذن لم يكن صعب المنال لمن التزموا بالخطوط المرسومة.
لكن هذا الهامش لم يأتِ بلا ثمن؛ فالابتعاد عن السياسة كان شرطاً جوهرياً. حرص معظم مشايخ الطرق الصوفية على إظهار الحذر الشديد في كل ما يقولونه ويفعلونه في العلن، وامتنعوا تماماً عن الخوض في أي شأن سياسي. بل إنهم أوصوا أتباعهم بالشيء ذاته حتى ذاعت بينهم نصيحة شهيرة: “ابتعد يا بُنيّ عن السين والشين”. والمقصود بالسين والشين هنا السياسة والشيطان – مما يعكس مدى اقتران العمل السياسي في نظرهم بالفتنة الدينية. وهكذا، تحولت الزوايا إلى فضاءات روحانية صرفة منقطعة الصلة بالشأن العام، والتزم معظم الصوفيين الصمت تجاه قرارات الدولة وتوجهاتها.
فضّل النظام البعثي هذا النمط الديني المروّض، لا سيما في مواجهته لتيارات إسلامية أخرى أكثر تسييساً. ففي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، شهدت سوريا صداماً دامياً بين النظام والإخوان المسلمين بلغ ذروته في أحداث حماة 1982. خلال تلك الاضطرابات، بقي أغلب مشايخ الصوفية على الحياد أو في صف السلطة، ولم ينخرطوا في المعارضة السياسية العلنية.
وبعد سحق التمرد، بدا بأنّ الوقت مناسب لصعود شخصيات دينية صوفية لمع نجمها فيما بعد على مستوى سوريا. لم يكن هؤلاء المشايخ موالين للسلطة بالضرورة، رغم تقاطع المصالح فيما بينهم وبينها في الكثير من الأحيان. يشهد بذلك أنّ الكثير من هؤلاء نأى بنفسه عن الكسب المادي، وكان يكرّس حياته لبناء قاعدة مريدين تبتعد عن “الفتنة” وتصلح حالها وحال المجتمع الأخلاقي، ما بات سمة مميّزة لقطاعات واسعة من هؤلاء الشيوخ والعلماء، ساهم في وقت لاحق في تشكيل أرضيّة لمريديهم والمدافعين عنهم.
الفريد في الأمر أنّ بعض هؤلاء، رغم التزامه الكامل بعدم التطرّق إلى السياسة، والالتزام بالحديث عن الشعائر والأخلاق، كان يواجه في بعض الأحيان سخط السلطة الذي يظهر إمّا على شكل إغلاق للجمعيات والمعاهد، أو اعتقال مقربين، أو يصل حدّ “الاستدعاء” إلى المخابرات كنوعٍ من الترهيب. لكن بقيت هذه الحوادث قليلة مقارنة بالرضا العام للسلطة عن هذه التيارات.
من الأسماء التي برزت على هذه الأرضية: الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – وهو عالم أزهري ذو نزعة صوفية – صعد نجمه في الثمانينيات والتسعينيات، وامتلك شعبية بين العامة ورضى السلطة معاً. كذلك برزت عائلات دينية دمشقية ذات خلفية صوفية مثل عائلة الفرفور. وفي حلب، تولى مشايخ نقشبنديون مناصب الإفتاء وإدارة الأوقاف لعقود، مثل الشيخ صهيب الشامي مدير أوقاف حلب الذي عُيّن لثلاثين سنة.
إنّ هذا التحالف غير المعلن، وغير الخاضع لأجندات ومصالح واحدة، بين السلطة السياسية والتصوف التقليدي وفّر للنظام شرعية دينية في نظر البعض، وفي المقابل ضمن للطرق الصوفية التي لا تتعاطى بالسياسة عدم التعرض والملاحقة.
لكن رغم ذلك، ينبغي عدم الافتراض بأن جميع الصوفيين في سوريا كانوا كتلة متراصة تعمل ضمن هذه الأطر قبل 2011. فقد عرفت بعض الطرق انقسامات داخلية في ولائها. على سبيل المثال، انقسم أبناء الطريقة الرفاعية والشاذلية بين مؤيد ومعارض لهذا النهج بالتعامل مع السلطة. وحتى الطريقة النقشبندية ذاتها – الأكبر عددياً في البلاد وفقاً للكثير من المراجع– ظهر بين مريديها من يتململ من هيمنة الخط المهادن للسلطة، والذي يمالئها في بعض الأحيان.
لكن بوجه عام، ظل صوت المعارضة خافتاً داخل الأوساط الصوفية طوال حكم الأسد الأب، إما بسبب القناعة الفكرية بأنّ ترك السياسة يتيح المجال لإتمام العمل الدعوي والأخلاقي، أو خوفاً من البطش. وهكذا دخلت سوريا الألفية الجديدة والأكثرية من مشايخ التصوف تميل للصمت والولاء الحذر تحت حكم بشار الأسد، الذي بدأ يفتح الباب واسعاً للجمعيات الدينية الداخلية والخارجية، العابرة للطوائف، لتظهر أكثر في العلن. كان ذلك في جزء منه بسبب السعي لترسيخ شرعية اجتماعية، وفي جزء آخر بسبب الأموال التي يمكن للفساد الاستفادة منها عبر هذه الجمعيات والنوادي الدينية، فبدأت تخرج مجموعة طفيلية جديدة من المشايخ – الصوفية وغير الصوفية – مرتبطة بشكل مباشر بهذا الفساد وأساليبه.
الثورة السورية واختبار التصوف السياسي
عندما اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية في ربيع 2011، وُضع التصوف السياسي في سوريا أمام أصعب اختبار له منذ عقود. اضطرب المشهد الهادئ، وبات على الكثير من مشايخ الصوفية الاختيار بين الوقوف مع النظام الذي هادنوه طويلاً، أو الانحياز لمطالب الشارع الغاضب.
انقسم الصوفيون سريعاً، فانحاز بعضهم إلى السلطة والنظام، ووقف آخرون مع المعارضة، فيما فضّل جزء ليس بالقليل منهم الصمت درئاً للفتنة. ظهر ذلك جلياً منذ الأسابيع الأولى للاحتجاجات؛ حيث خرج بعض العلماء المتصوفة بتصريحات تدين الحراك وتصفه بالفتنة والمؤامرة الخارجية، بينما صدحت أصوات أخرى من المنتمين للتصوف تنادي بالعدل وتقف مع الشعب.
كان الشيخ البوطي من الذين انحازوا في البدء لخيار الاستمرار بالمهادنة، فقد اتخذ موقفاً علنياً صارماً مندداً بالمظاهرات من على المنابر وفي الإعلام الرسمي، معتبراً ما يجري فتنة يجب إخمادها، ما جعل كثيرين يصنفوه من ضمن “علماء السلطان”، في الوقت الذي دافع فيه مريدوه عنه بالقول بأنّه استشعر خطر “السلفيّة” على المجتمع المعتدل فوقف ضدّه. ومهما كان السبب الذي دفع بالبوطي لما فعل، فقد بقي ثابتاً على موقفه (في العلن على الأقل) حتّى مقتله في تفجير استهدف مجلسه بأحد مساجد دمشق عام 2013.
وشأنهم شأن البوطي، التزم كثير من مشايخ الطرق جانب السلطة؛ بعضهم بدافع الحفاظ على استقرار البلاد والعباد كما يرون، وبعضهم الآخر بدافع الحفاظ على امتيازاتهم ومواقعهم التي منحهم إياها النظام.
استفاد الأسد بالفعل من هؤلاء الشيوخ المحسوبين على التصوف، إذ استطاع تسويق روايته بأن ما يواجهه ليست ثورة شعبية بل حركة تمرد تقودها فئات متشددة غريبة عن الروح الإسلامية السورية السمحة. وبرز هنا خطاب الدولة الذي يضع السلفية الجهادية في مواجهة التصوف المعتدل، للإيحاء بأن الخيار هو بين تطرف قاتم أو اعتدال يمثله رموز دينيون موالون.
لكن في المقابل، برزت شخصيات صوفية وقفت بجرأة في الضفة الأخرى. كان الشيخ أسامة الرفاعي – نجل أحد كبار مشايخ دمشق – من أوائل من أعلنوا انحيازهم للمحتجين. وكذلك الشيخ كريّم راجح، خطيب المسجد الأموي سابقاً، الذي اعتزل منصبه واصطف مع مطالب الشعب. هذان العالمان المتصوفان أسسا لاحقاً مع آخرين “المجلس الإسلامي السوري” في تركيا ليكون مظلة دينية للمعارضة السورية آنذاك. ولم يكونا وحيدين في هذا الموقف؛ إذ انضم إليهما مشايخ آخرون أقل شهرة من محافظات عدة. في حماه مثلاً، ظهر مشايخ من الطريقة الشاذلية دعوا صراحةً لإسقاط الظلم.
وبتاريخ تموز 2011 صدر بيان وقع عليه جمع من مشايخ الصوفية – من شاذليين ورفاعيين ونقشبنديين – يعلنون فيه دعم الثورة ويدينون قتل المتظاهرين. كان من بين الموقّعين الشيخ أنس عيروط (من شيوخ الطريقة الشاذلية في بانياس) والشيخ أبو الهدى الحسيني، إلى جانب أسامة الرفاعي نفسه وشيوخ من حماة ودمشق. بل إن الأمر تجاوز البيانات إلى النزول فعلياً للشارع؛ فقد شوهد مريدون صوفيون يشاركون في التظاهرات السلمية جنباً إلى جنب مع باقي أطياف الشعب. وبعد تحول الانتفاضة إلى العمل المسلّح، حمل بعض هؤلاء السلاح تحت رايات كتائب إسلامية معتدلة. ويشير باحثون إلى ظهور مجموعات مقاتلة ذات توجه صوفي مثل حركة “أحرار الصوفية” التي ضمّت مريدين مقاتلين.
هذا الانقسام العميق في البيت الصوفي لم يكن في الحقيقة استثناءً؛ فقد كان صورة مصغرة عن انقسام المجتمع السوري ككل في المحنة. ففي بعض الأحيان وُجد المؤيد والمعارض ضمن الأسرة الواحدة، وكذلك في الزاوية الواحدة. كثيرٌ من أبناء الطرق الذين تربّوا على يد شيوخ موالين خرجوا على رغبة شيوخهم بدافع وطني أو ثوري، في حين تمسّك آخرون بموقف شيوخهم الحيادي أو المهادن أو الموالي حفاظاً على نهج “السكون” العريق في عرف التصوف.
ومما فاقم تعقيدات المشهد، ظهور تيارات جهادية معادية للتصوف في خضم الحرب. تنظيم داعش وأشباهه رأوا في الصوفيين – حتى المعارضين للنظام منهم – خصوماً عقائديين يجب اجتثاثهم. فاستهدفوا الزوايا والأضرحة في المناطق التي بسطوا نفوذهم عليها، وقاموا بتكفير مشايخ الصوفية ونكّلوا بمن وقع في أيديهم. ودفعت هذه الحملة الشرسة غالبية مشايخ التصوف إلى الفرار من مناطق سيطرة المعارضة المتطرفة نحو مناطق سيطرة النظام أو إلى خارج البلاد. وهكذا وجدت السلطة السورية – رغم أزمتها – نفسها مجدداً ملاذاً يحتمي به حتى بعض الصوفيين الذين عارضوها سابقاً، إذ باتوا يفضّلون العيش تحت حمايتها على الوقوع فريسة للتنظيمات المتشددة، الأمر الذي بثّ الحياة في سرديّة السلطة عن كونها تقف ضدّ “التشدد الديني”.
بعد أكثر من عقد ونصف على اندلاع الاحتجاجات في سوريا، يمكن القول إن التصوف السياسي في سوريا خرج من المحنة بمكانة مختلفة. فمن ناحية، لا يزال التيار الصوفي يلبي حاجة روحية عميقة لدى شريحة واسعة من السوريين الباحثين عن السكينة وسط الفوضى. ومن ناحية أخرى، تغيّرت نظرة جزء كبير من المعارضة السورية (ما قبل السقوط) لهذا التيار؛ إذ رأى كثيرون أن النظام السابق استغل بعض مشايخ التصوف كورقة سياسية واجتماعية لتثبيت حكمه وقمع الاحتجاجات. وهذا الأمر أضرّ بصورة التصوف لدى جزء من أبناء الحراك، وجعل ذكر الطرق الصوفية يثير جدلاً حول موقفها الوطني. لكن رغم ذلك، كانت وستبقى الصوفية جزءاً أصيلاً من نسيج التدين السوري، ولا يمكن اختزالها في موقف سياسي لهذا الشيخ أو ذاك.
التيار الصوفي بعد سقوط سلطة الأسد
اتسم موقف التيار الصوفي في سوريا عقب انهيار حكم بشار الأسد في كانون الأول 2024 بالترحيب الحذر بالتغيير السياسي. فقد كان كثير من مشايخ التصوف من أوائل المناهضين لنظام الأسد وداعمي الثورة السورية منذ 2011، لذا نظروا إلى سقوط النظام بوصفه فرصة لإنهاء حقبة الاستبداد والعنف.
وعلى المستوى الرسمي، انخرطت رموز صوفية بارزة في مؤسسات الدولة الجديدة: فقد سارع الرئيس أحمد الشرع إلى تعيين الشيخ أسامة الرفاعي – وهو عالم أشعري وصوفي بارز – في منصب المفتي العام للجمهورية ضمن خطوات لضبط المشهد الديني في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد جاء هذا التعيين تتويجاً لمؤتمر ضم علماء من مختلف المذاهب، وتم الإعلان خلاله عن تشكيل مجلس إفتاء أعلى برئاسة الرفاعي، بهدف توحيد المرجعية الشرعية وإعادة بناء المؤسسة الدينية الرسمية. كما تولت شخصيات من خلفية صوفية مواقع حكومية أخرى، مثل إسناد وزارة الأوقاف إلى علماء تقليديين منخرطين سابقاً في المجلس الإسلامي السوري المعارض، ما يشير إلى حضور للصوفيين في هيكلة السلطة الجديدة.
إلى جانب ذلك، أبدى التيار الصوفي تعاوناً مع السلطات الوليدة حرصاً على الاستقرار الوطني؛ حتى أنه حلَّ المجلس الإسلامي السوري نفسه (وهو هيئة العلماء التي قادت الشأن الديني في مناطق المعارضة سابقاً برئاسة الرفاعي) استجابة لطلب الحكومة السورية الجديدة، بغرض دمج جهود العلماء ضمن إطار الدولة بدل العمل الموازي. هذا الانخراط يدل على أن قطاع الصوفيين الذين وقفوا بشكل صريح، أو غير صريح، مع المعارضة لنظام الأسد، بدؤوا يأخذون مكانة جديدة ضمن هياكل السلطة والدولة الجديدة في سوريا، الأمر الذي لم تظهر تأثيراته بشكل كلي بعد على المستوى السياسي.
في المحصلة، لا شكّ أن التصوف السياسي وعلمائه وشيوخهم في سوريا سيظلون حاضرين بشكل أو بآخر في صياغة المشهد السياسي العام. فقد أثبتت التجربة أن الطرق الصوفية قادرة على التكيّف مع التحولات الكبرى، فهي حيناً تكون مهادنة للسلطة أو حتّى داعمة لها، فتمنحها بذلك شرعية روحية، وحيناً آخر تتحول إلى مُعين لصوت المعارضة وصوت للضمير الشعبي.
وبين هذين الحدّين، ربما يستمر آلاف المريدين في حلقاتهم الصوفية، يغذّون الروح بالذكر والتأمل بعيداً عن صخب السياسة، وقد يجد شيوخ صوفيين آخرون أنّ اللحظة حانت لكسر العطالة والانخراط بشكل مباشر – وليس عبر المهادنة، فيها… كما حدث ذات مرة في الخمسينيات. عندها قد يُكتب فصل جديد في حكاية التصوف السياسي في سوريا.
اقرأ أيضاً: ما هي مهام مجلس الإفتاء الجديد في سوريا؟!