سياحة و سفر

التكية السليمانية.. من إرث عثماني إلى رمزٍ حضاري للثقافة السورية

التكية السليمانية.. من إرث عثماني إلى رمزٍ حضاري للثقافة السورية

بقلم هلا يوسف

مرت سوريا خلال العصور بتأثير العديد من الحضارات والدول، مما جعلها تمتاز بتنوع غني في هويتها المعمارية والثقافية. من بين هذه الحضارات الحكم العثماني الذي استمر لأكثر من 400 عام وساهم في تشكيل هذا التنوع، حيث ترك العثمانيون بصماتهم العمرانية والهندسية على العديد من المباني في مدن مثل حلب ودمشق. ومن أبرز المعالم المعمارية التي تميزت بها تلك الحقبة، تبرز التكية السليمانية كمثال حي على الثقافة العثمانية في البناء. سنتناول في هذا المقال تاريخ التكية السليمانية وأهميتها التجارية والثقافية، عدا عن طابعها المعماري الذي يعكس الأسلوب العثماني التقليدي، بالإضافة إلى التغيرات التي مرت بها خلال الحرب السورية وأثر ذلك على هويتها.

تاريخ التكية السليمانية

تعتبر التكية السليمانية في دمشق، إلى جانب قصر العظم وسوق الحميدية، من أبرز المعالم العثمانية في المدينة، حيث تتمتع بشهرة واسعة كواحدة من أروع المجمعات المعمارية في سوريا. تضم التكية مسجد، ومتحف، ومدرسة، وسوق للحرف اليدوية والتراثية، مما يجعلها مركز ثقافي وتاريخي مهم.

تم بناء التكية السليمانية على أنقاض موقع قصر الظاهر بيبرس  عام 1554، سميت التكية بهذا الاسم تيمناً بالسلطان العثماني سليمان القانوني، وتمتد على مساحة 11 ألف متر مربع في قلب العاصمة السورية.

ترتبط قصة بناء التكية بحلم عميق رآه السلطان سليمان، حيث شاهد في منامه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أحد بساتين دمشق، وأوصاه ببناء مسجد في ذلك المكان. استجابة لهذا الحلم، أمر السلطان باقتطاع جزء من البستان لتشييد التكية، مع بناء مسجد في نفس الموضع الذي ورد في المنام.

يتشابه نظام بناء التكية السليمانية مع نظام الأربطة والخانقوات في العهد العثماني، لكنها تميزت عنها بإضافة مهمة جديدة وهي جعلها مكان للتصدق على الفقراء والمحتاجين وإطعام المسافرين من ناحية، بالإضافة إلى تحويلها إلى مركز ديني متكامل، حيث كان المتصوفة يعتكفون فيها ويتفرغون للعبادة والدعاء. كما كانت تُعنى بتعليم أبناء السبيل وتوفير بيئة دينية للمصلين. لكن مع دخول الاستعمار الفرنسي في عام 1920، تحولت التكية إلى ثكنة عسكرية لجنود الاحتلال الفرنسي بقيادة الجنرال غورو.

التصميم العمراني للتكية السليمانية

أحد أبرز ملامح التكية المعمارية هو تصميمها الذي أبدعه المعماري التركي الشهير معمار سنان، والذي أشرف على تنفيذه المهندس الإيراني ملا آغا. وبالنظر إلى طابعها المعماري يلاحظ مئذنتان نحيلتان تعتبران من السمات الفريدة لهذا الطراز المعماري الذي لم يكن معروف في دمشق في تلك الفترة.

تتألف التكية السليمانية من قسمين: الأول هو التكية الكبرى التي تشمل المسجد والمدرسة، بينما يتكون القسم الصغير من باحة واسعة تحيط بها أروقة مسقوفة، إضافة إلى غرف مغطاة بقباب. حيث كانت التكية الصغرى مخصصة لإيواء الطلاب والغريبين، كما تضم الآن سوق للصناعات الشعبية ومتحف حربي.

ومحاطة التكية بحدائق خضراء وأشجار، وتتوزع الأبنية بين الأروقة والأقبية، فيما يتناغم الشكل المعماري مع الطابع المملوكي الذي كان سائد في عهد الملك الظاهر بيبرس، خصوصاً في القصر الأبلق الذي كان يقع في نفس الموقع. أما الجدران، فقد تم تزيينها بمداميك من الحجر الأبيض والأسود بشكل متناوب، في لمسة فنية تعكس الطابع المعماري الفريد.

وعلى الرغم من مرور القرون إلا إن بعض قبور السلاطين العثمانيين وعائلاتهم لا تزال موجودة داخل التكية، ولا سيما في الجناح الجنوبي، حيث يتوافد الزوار من تركيا للاحتفاء بالذكرى وإحياء التراث العثماني.

وفي عام 2009 زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التكية، وتعهدت تركيا بتقديم مبلغ 20 مليون دولار لترميم المعلم التاريخي، لكن الأحداث التي تلت اندلاع الثورة السورية في 2011 عطلت هذه المشاريع.

سوق تجاري للحرف اليدوية

كانت التكية السلمانية مركزاً تجاري وصناعي حيوي للحرف اليدوية التي تمتد من أقصى شرق التكية إلى أقصى غربها، ومع وجود العشرات من المحل التحارية المحيطة بها، تحولت إلى سوق عريق يتوافد عليه السياح.

يشاهد السائح عند زيارته التكية السليمانية بوابة كبيرة تعلوها قوس حجري وتشكل المدخل الرئيسي للتكية. وتمتد أمام ناظريه صفين من المحال المتناسقة على جانبي شارع ضيق، لا يتجاوز عرضه ستة أمتار وطوله نحو 200 متر.

يتميز السوق بوجود أكثر من 19 حرفة يدوية قديمة، حافظت على رونقها وجمالها رغم مرور الزمن والتطورات الحديثة. يعد سوق المهن اليدوية أحد أبرز معالم دمشق، التي تعتبر أقدم عاصمة مأهولة في العالم، وهو معروف ليس فقط داخل سوريا بل أيضاً خارجها.

من أبرز الحرف التي يشتهر بها السوق، صناعة اللوحات الخشبية المزخرفة، التي تعتبر من أجمل الأعمال الفنية التي تزين البيوت الدمشقية القديمة، وتظهر براعة الحرفيين الدمشقيين في التعامل مع الخشب وتحويله إلى قطع فنية ذات طابع شرقي أصيل.

كما يصنع في السوق البروكار، وهو نسيج فاخر يعتبر من أقدم الحرف الدمشقية، حيث يعود عمر هذه الحرفة إلى أكثر من 190 عام. ويبرز البروكار بتركيبته المعقدة والأقمشة التي ينسجها الحرفيون باستخدام النول اليدوي، لتنتج أجمل الأقمشة التي تجمع بين الفن والجمال. كما يوجد في السوق حرف أخرى مثل صياغة الذهب والفضة، وتصنيع الحلي اليدوية، إضافة إلى الحفر على المعادن، مما يجعل هذا السوق واحد من الأماكن المميزة التي تعكس تراث دمشق العريق وفنونه المتنوعة.

حضارات متعاقبة مرت على التكية

تحولت التكية السليمانية إلى مراكز ومنشآت عديدة بعد انتهاء الحكم العثماني. فبحسب الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد الحوراني، تحولت إلى مقر لمؤسسات حكومية فمثلاً أصبحت مركزاً لكلية طب الأسنان، كما استخدمها أحد المسؤولين الفرنسيين كمقر له أثناء فترة الاستعمار.

كما أجر النظام السوري مبنى محطة الحجاز (التي كانت جزءاً من خط الحديد الحجازي) إلى إحدى الشركات الخاصة بهدف تحويلها إلى فندق تحت اسم “مشروع مجمع نيرفانا”. كما تم استخدام التكية السليمانية في فترة ما كمقر للمتحف الحربي، الذي كان يتبع لإدارة التوجيه المعنوي. ومع بداية التقارب السوري التركي بعد عام 2002 تم إخلاء المبنى ليقال إنه قد تم تسليمه للجانب التركي ليحولها إلى مركز ثقافي، لكن اندلاع الثورة السورية ووقوف تركيا إلى جانبها حال دون تنفيذ هذه الخطط.

التكية خلال الحرب السورية

في عام 2019 أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف عن نيتها في إعادة تأهيل التكية السليمانية، مما أدى إلى إغلاق حوالي 40 متجراً على الجهة المقابلة لمدخلها الذي يطل على المتحف الحربي. تصاعدت الحملة بشكل تدريجي حتى تم إصدار إنذارات لإخلاء المحال التجارية في تشرين الأول عام 2022، وفي بداية عام 2023 تم تنفيذ القرار بشكل نهائي، حيث شوهد الحرفيون وهم يفرغون محلاتهم ويحزمون بضائعهم وسط مشاعر من الحزن والإحباط.

أحد الحرفيين المتضررين من هذه العملية ذكر أنه تم نقل ما بين 40 و70 حرفياً من التكية السليمانية إلى الحاضنة الثقافية في منطقة دمر، وهي منطقة بعيدة عن المركز السياحي والتاريخي، مما عزلهم عن مواقعهم التقليدية ومنعهم من الوصول إلى السياح والزوار المهتمين بالتراث.

وأشار الحرفي إلى أن وزارة السياحة في زمن النظام السابق ألغت عقود الإيجار الرمزية التي كانت تمنح الحرفيين فرصاً للعمل بأجور زهيدة بهدف دعم الحرف التقليدية، وبذلك تحول الحرفيون من مستأجرين إلى موظفين رسميين في المحلات التجارية التي كانت تخصهم.

من جهة أخرى أفاد الحرفيون بأن الأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء الأسد قامت بتأجير هذه الأماكن لمقربين من النظام مثل زوجات وبنات ضباط الجيش، مما أدى إلى تحول الحرفيين الأصليين إلى موظفين عاديين يعملون في محلاتهم القديمة.

وبعد إخلاء الحرفيين من التكية السليمانية دخل متجر “أبهة” الفاخر، الذي يعد أحد المشاريع التجارية التي تديرها الأمانة السورية للتنمية، ليحل محل الأعمال الحرفية التقليدية. ويشبه في عمله العلامات التجارية مثل “أزرق” و”ورق من دمشق” التي تهدف إلى تحويل الحرفيين إلى موظفين يعملون لصالح الشركات التابعة للأمانة.

فيما يتعلق بترميم التكية، أشار الدكتور عمار عبد الرحيم، الباحث في التاريخ إلى أن الأعمال التي كانت قد بدأت فيها وزارة السياحة قبل انهيار النظام، كانت تنفذها شركة “دياري”، الذراع العقاري للأمانة السورية للتنمية. وقد كانت هذه الأعمال تهدف إلى إجراء تغييرات كبيرة في طابع التكية وخصائصها التاريخية.

لكن بعد سقوط النظام السابق، ومع بداية العام الجديد، وبموجب قرارات القيادة الجديدة، تم سحب المشروع الاستثماري من الأمانة السورية للتنمية، التي تم حلها في كانون الأول 2023، وكلفت المديرية العامة للآثار والمتاحف بتقييم الأعمال التي أجريت على التكية وتقديم مقترحات للحفاظ عليها. كما تم تعيين وزارة الأوقاف كجهة إشرافية لضمان المحافظة على هذا المعلم الأثري الذي يعود إلى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.

وفي الشهر الأول من العام الحالي نظمت فرق الدفاع المدني، والمعروفة بـ”الخوذ البيضاء”، بالتعاون مع أهالي المنطقة حملة تحت عنوان “رجعنا يا شام”، والتي تهدف إلى إعادة الحياة إلى نهر بردى والتكية السليمانية، عدا عن تحسين المظهر العام للأماكن الأثرية والتاريخية في دمشق.

وبذلك اختصرت التكية السليمانية عصور عديدة وحضارات متنوعة في موقع صغير لكن كبير بحجم التاريخ الذي يضمه في طريقة بناءه، وطابعه المعماري الفريد.

اقرأ أيضاً: قصرا الحير في سوريا دُرة زخارف العصر الأموي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.