اخبار مصر

التلاعب بالعقول في الإعلام المعاصر.. الكلمات الملطخة “سم العقول”

التلاعب بالعقول في الإعلام المعاصر.. الكلمات الملطخة “سم العقول”

بقلم: ريم ريّا

لم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيط محايد ينقل الأخبار والوقائع كما هي من مكان حدوثها إلى الجمهور، بل تحول تدريجياً من ناقل للحدث إلى فاعل أساسي في تشكيله وتشكيل فهم الناس له، وفي أحيان كثيرة في إعادة صياغة الأحداث لغوياً ورمزياً بما يخدم سرديات محددة. ضمن هذا السياق، برز مفهوم ما يعرف “بالكلمات الملطخة”، أي المصطلحات المشحونة دلالياً وأيديولوجياً، التي لا تستخدم لوصف الواقع بقدر ما تستعمل لتوجيه الإدراك العام، واستثارة العواطف وتشكيل الانحيازات، وتعبئة الجمهور أو تجنيده لصالح أجندات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية بعينها.

من نقل الخبر إلى صناعته.. كيف تحول الإعلام؟

مرت وسائل الإعلام والاتصال بمراحل تاريخية متعددة، فالإعلام المكتوب ومع ظهور التدوين والوثائق واختراع الطباعة في القرن الخامس عشر الميلادي على يد الألماني “يوهان غوتنبرغ“، دخل برمته مرحلة جديدة أحدثت ثورة معرفية أنهت نسخ الكتب بشكل يدوي ووسعت نطاق تداول المعرفة.

تاريخياً، اعتمدت المجتمعات على الرواة لنقل الأخبار، قبل ظهور الصحف في أوروبا من القن الرابع عشر كوسيلة منظمة لتداول الوقائع، وتعد صحيفة “لويدز ليست” البريطانية، والتي تأسست عام 1734، أقدم صحيفة ورقية ما زالت تصدر حتى اليوم، تلتها صحيفة “التايمز” عام 1785، التي أرست نموذج الصحافة الحديثة.

في وقت لاحق، تتالى ظهور المجلات، ثم الإعلام المسموع مع اختراع الراديو في أواخر القرن التاسع عشر، والتلفزيون في عشرينيات القرن العشرين، وصولاً إلى الإنترنت عام 1983، وما تبعه من ثوره الاتصال الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي التي نشهدها اليوم.

هذا التطور لم يكن تقنياً فحسب، بل رافقه تحوّل في وظيفة الإعلام نفسها، بعد أن كان الهدف الأساسي منه نقل الخبر، بات الإعلام يشارك في صناعته، عبر اختيار زوايا نقل الخبر وانتقاء المصطلحات، ومن خلال ذلك ترتيب الأولويات، وتقديم الحدث في إطار لغوي يخدم سردية معينة، خدمةً للواقع المعقد والمتعدد الأوجه.

تتالت الأخبار والأحداث في العالم وتنوع الإعلام في نقل صورها، حتى وصلنا إلى عام 2003 وتحديداً بعد الغزو الأميركي للعراق وما سوّق له على أنه “حماية لحقوق الإنسان ومحاربة للأسلحة الكيماوية”، كل تلك المصطلحات لشرح فعل واحد وهو “الحرب”، وهذا ما يعرف “بالتوظيف السياسي للإعلام”. فكان احتلال العراق ممهداً لانتشار مصطلح “الكلمات الملطخة” خدمةً للسرديات التي كان مطلوباً تعويمها آنذاك.

الكلمات الملطخة.. شحنة قيمية مُسبقة لا زالت حتى اليوم

يشير مصطلح ” الكلمات الملطخة” إلى ألفاظ تحمل شحنة قيمية مسبقة، يتم استخدامها وتوظيفها لإضفاء حكم أخلاقي أو سياسي على حدث أو فاعل ما، قبل أن يُتاح للجمهور تكوين رأيه المستقل، فيقدم له الرأي جاهزاً من خلال كلمات، المراد منها تشكيل وعي معين في أغلب الأحيان يكون بعيداً عما حدث في الواقع.

يعد هذا الأسلوب امتداداً لما عُرف تاريخياً “بالبروباغندا”، وهو مفهوم يعود أصله إلى عام 1622، مع إنشاء مجمع “نشر الإيمان” في الفاتيكان خلال عهد البابا “غريغوري الخامس عشر”، قبل أن يتطور لاحقاً ليعني الترويج الممنهج للأفكار من منظور أحادي.

في السياق الإعلامي المعاصر، تستخدم الكلمات الملطخة لتبسيط الصراعات المعقدة أو العكس وتحويل مجمل الأحداث إلى ثنائيات أخلاقية حادة، ما يسهل تعبئة الرأي العام. فالمصطلح المستخدم والمنقول للجمهور لا يصف فقط، بل يوّجه ويدين وفي أحيانٍ أخرى يبرر ضمنياً.

الأمثلة عن الكلمات الملطخة في عالمنا كثيرة ومتنوعة، في الحالة الفلسطينية، يظهر أثر المصطلح بوضوح في استخدام تعبير “إسرائيل” مقابل “الاحتلال الإسرائيلي”، فالأول يقدم الكيان بوصفه دولة طبيعية، بينما الثاني يذّكر بالسياق القانوني والسياسي القائم على الاحتلال وأخذ الأرض عنوةً من أصحابها. فبعض وسائل الإعلام، بما فيها محطات عربية، تعتمد مصطلحات مثل “الجيش الإسرائيلي” بدلاً من “جيش الاحتلال”، ما يعكس تبنياً غير مباشر لسردية تتجاهل جوهر الصراع.

في العراق، بعد الغزو الأميركي عام 2003، شاع في الخطاب الإعلامي وصف من يقاتلون القوات الأجنبية “بالمتمردين”، بدلاً من “المقاومة”، وهو توصيف يتماشى مع السردية الأميركية التي تسعى إلى نزع الشرعية عن أي فعل مسلح ضد الاحتلال.

أما في الحالة السورية، والشرح يطول عن توظيف الإعلام سياسياً على مدى محطات الصراع السوري، واستخدام الكلمات الملطخة، لإعادة تعريف الأفعال وتحديد الموقع الأخلاقي للفاعلين في وعي الجمهور. فمؤخراً وعلى مدار ما يقارب السنة، استخدمت بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مصطلحات موّجهة لوصم فئات أو مناطق بعينها، ما ساهم في تأجيج الانقسامات الاجتماعية والطائفية، وتحويل اللغة الإعلامية إلى أداة فتنة بدلاً من أن تكون وسيلة للفهم. وهذه اللغة لا زالت مستمرة في سوريا حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي بين المساءلة والدعاية: سقط النظام فمتى تتغير العقلية؟

الكلمات الملطخة من استراتيجيات الإعلام للتلاعب بالعقول

في دراسة بعنوان “استراتيجيات الإعلام في التلاعب بالعقول” للكاتب “سيلفيان تيمست“، تستعرض القائمة الشهيرة التي جمعها الفيلسوف والناشط السياسي الأمريكي “نعوم تشومسكي” أستاذ اللسانيات بمعهد “ماساتشوستس للتكنلوجيا“. وتعتبر هذه الاستراتيجيات هي العشر الأكثر فعالية وتأثيراً التي يستخدما حسب تعبير الكاتب “أسياد العالم”، لتأسيس سياسة التلاعب بالناس عبر وسائل الإعلام.

من بين تلك الاستراتيجيات التي تعتبر بيئة خصبة لدس الكلمات الملطخة فيها ونقلها لوعي الجمهور بسلاسة “مخاطبة العاطفة بدل العقل“، عبر استخدام كلمات معينة ومحددة وفق سرديات ونقل إخباري داعم لها، لاستثارة عواطف المتلقي، واستخدام المشاعر لتعطيل التحليل العقلاني وفتح الباب أمام اللاوعي لزرع رغبات أو مخاوف أو انفعالات محددة، تخدم السيناريو المراد تنفيذه.

واستراتيجية أخرى، “معرفة الناس أكثر من معرفة الناس لذواتهم“، بفضل التقدم السريع في علوم الأعصاب وعلم النفس التطبيقي، أصبحت النخب تملك معرفة متقدمة بالإنسان (عضوياً ونفسياً) تفوق معرفة الفرد بنفسه، مما يمنح “النظام العالمي” سيطرة وإحكاماً أكبر على الأفراد وتوجيهاً أعمق لأفكاره نحو ما هو مطلوب.

كذلك تناولت دراسات أكاديمية عديدة تأثير الإعلام واللغة والمصطلحات المستخدمة على الرأي العام، ففي خمسينيات القرن الماضي طرح “بول لازارسفيلد” و”إيليهو في” نظرية “التأثير المحدود“، معتبرين أن الإعلام لا يعمل في فراغ، بل عبر شبكات اجتماعية ووسطاء رأي. إلا أن دراسات لاحقة، مثل أبحاث “جورج غيربنر” حول “نظرية الغرس” في سبعينيات القرن العشرين، أظهرت أن التعرض الطويل والمتكرر لخطاب إعلامي معين يمكن أن يرسخ تصورات محددة عن الواقع. كما بينت أبحاث علم النفس المعرفي، كأعمال “دانيال كانيمان“، الحائز على جائزة نوبل عام 2002، أن طريقة صياغة المعلومة لغوياً تؤثر بشكل مباشر في اتخاذ القرار، فيما يعرف بتأثير “الإطار“.

هذه النتائج تفسر كيف يمكن للكلمات الملطخة، أن تضع الجمهور ضمن استقطابات حادة، خاصةً في المجتمعات المنقسمة سياسياً واجتماعياً، كما هو الحال في المجتمع السوري، حيث يتضاعف أثر الخطاب الإعلامي بفعل طول أمد الصراع وتشابك العوامل الداخلية والخارجية.

كيف نواجه ظاهرة الكلمات الملطخة في المساحات الإعلامية

تتطلب مواجهة استخدام الكلمات الملطخة جهداً متعدد المستويات مهنياً وجماهيرياً وعبر مراقبة المسار الإعلامي من قبل الجهات المختصة والأجهزة المعنية.

في السياق السوري، تتضاعف خطورة “الكلمات الملطخة”، لأن اللغة لم تعد مجرد وسيلة وصف، بل أصبحت سلاحاً بديلاً عن الوقائع نفسها يستخدمها الإعلام خدمةً لأجنداته. على سبيل المثال مصطلحات مثل “سقوط، تحرير، استعادة السيادة، إرهاب، المصالحة، ثورة، أزمة، مؤامرة، وطنية” وحتى الاستقرار، في بعض الأحيان لم يتم استخدامها لتوصيف الواقع بشكل محايد، بل كإطارات جاهزة لتوجيه الإدراك الجمعي، وتبرير سياسات أو نفي معاناة أو إقصاء سرديات كاملة. لذلك فمواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن يبقى في حدود الوعظ الأخلاقي إن جاز التعبير، بل يحتاج إلى شبه اشتباك واعٍ مع بنية الخطاب نفسها.

على المستوى المهني، تبدو مسؤولية الإعلام السوري “الرسمي والخاص والمعارض” على حدٍ سواء، مضاعفة. فالفصل بين الخبر والرأي ليس حرية شخصية، بل شرطاً مهنياً وأولياً لوقف إعادة إنتاج الاستقطاب. إلى جانب توضيح السياق التاريخي والقانوني للأحداث بحيادية تامة، إذ بات من الضروري ذلك في بلد جرى فيه تفكيك “الزمن” نفسه، حيث تُقتطع الوقائع من سياقها خدمةً لسردية آنية. كما يجب تسمية الأشياء بأسمائها، دون تحميلها شحنات أيديولوجية مُسبقة، فهذا يمثل الخطوة الأولى نحو استعادة الحد الأدنى من الثقة المفقودة بين الإعلام السوري والجمهور.

أما على صعيد الجمهور، التحدي أكثر تعقيداً وتشابكاً. فسنوات الحرب والانقسام أنتجت جمهوراً منهكاً، يميل إلى تصديق ما ينسجم مع مخاوفه أو آماله، أكثر مما هو أدق أو أصدق. في هذه الحالة يصبح تعزيز التفكير النقدي ضرورة وجودية، لا مهارة ثقافية إضافية. فالتعامل بأسلوب تنويع مصادر المعلومات، ومقارنة التغطيات، والتوقف عند المصطلحات المستخدمة قبل مضمون الخبر نفسه، كلها أدوات بسيطة لكنها فعالة لتفكيك التلاعب اللغوي. وطرح سؤال “لماذا استُخدمت هذه الكلمة تحديداً؟ ومن المستفيد من شيوعها؟” يجب أن يسبق أي انفعال أو اصطفاف.

لكن على المدى البعيد، لا يمكن تجاوز التربية الإعلامية ودورها، لا سيما في مجتمع عانى من تسييس التعلم نفسه. وذلك يتم بإدراج دمج مبادئ تحليل الخطاب وفهم العلاقة بين اللغة والسلطة، في المناهج التعليمية أو في مبادرات مدنية مستقلة، ما يمكن أن يساهم في بناء وعي جمعي أقل قابلية “للاختطاف اللغوي”.

كما يجب فتح باب للنقاش العام حول دلالات الكلمات المتداولة، بدلاً من التعامل معها كحقائق بديهية أو ربطها بمدلولات معينة، ما قد يساعد في كسر احتكار المعنى الذي مارسته أطراف متعددة طوال سنوات الصراع وما تزال تمارسه أطراف أخرى حتى اليوم.

في الحالة السورية، لم تكن الكلمة بريئة يوماً، لكنها في هذه الظروف أشد خطورة لأنها تستخدم بديلاً عن الحلول، وعن الاعتراف وعن العدالة. في بعض الأحيان. ومواجهة هذه الظاهرة لا تعني غربلة اللغة بالكامل، بل تعني على الأقل فضح آليات تلويثها، وإعادة تحميل “الكلمة” قدراً من المسؤولية الأخلاقية والمعرفية. فالكلمة وإن كانت في نُطقها أو شكلها بسيطة، لكنها في هذا الواقع المتشظي، قد تكون الفاصل بين التضليل والفهم، وبين الإعلام بوصفه ناقلاً للصورة ومديراً للاختلاف، لا بوصفه صانعاً للخبر ومديراً للوعي.

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.