بقلم: ريم ريّا
بين سهول حمص المفتوحة تبرز فكرة الطاقة الهوائية كأحد الحلول للعتمة الصناعية في سوريا. التوربينات الهوائية ليست مجرد مراوح عملاقة تدور في الفراغ، بل منظومات هندسية تحول حركة الرياح إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام.
يتكون التوربين الهوائي من شفرات ضخمة ترتبط بمحور ميكانيكي يدور مع هبوب الريح، فتتحول الحركة الدورانية إلى طاقة ميكانيكية، ومنها إلى كهرباء تُخزن أو تُضخ في الشبكات. هذه التقنية باتت اليوم أحد أعمدة الطاقات المتجددة في العالم، لما توفره من مصدر نظيف ومستدام يمكن تشغيله في المناطق النائية.
في المدن الصناعية السورية، لا سيما مدينة حسياء غرب حمص، يمكن القيام بمبادرة تسعى إلى توطين إنتاج الكهرباء محلياً داخل المنطقة نفسها، والفكرة تقوم على تركيب توربينات هوائية تغذي المصانع بشكل مباشر، وربما تتيح بيع الفائض من الكهرباء. بالتالي تتحول المدن الصناعية من مستهلك للكهرباء إلى منتج وممول للطاقة مما يمكن له أن يعيد التوازن إلى الاقتصاد المحلي ويمنح الصناعة السورية استقلالاً طال انتظاره في ظل أزمة الكهرباء. في هذا المقال سنتعرف على التوربينات الهوائية أكثر في المدن الصناعية السورية وما الجدوى منها.
لماذا على الدولة دعم التوربينات الهوائية في سوريا
طرح الخبير الاقتصادي جورج خزام، فكرة تأسيس منطقة صناعية غرب حمص لديها إكتفاء ذاتي بالطاقة الكهربائية، والذي يعتبر حسب رأي “خزام” أحد المشاريع الحيوية التي سوف تدعم الاقتصاد. إذ يرى الخبير أن تأسيس توربينات هوائية لتوليد الكهرباء من القطاع الخاص (أو العام) بغرض بيعها للمصانع التي سوف يتم تأسيسها وبيع الفائض لوزارة الطاقة.
فيقترح “خزام” بناء توربين هوائي بالتشارك بين مجموعة صناعيين لديهم مصانع في المنطقة نفسها أو في أماكن بعيدة بحيث يتم خصم كمية الكهرباء التي يستهلكها المصنع من كمية الكهرباء التي ينتجها التوربين. ويرى في تأسيس مدينة صناعية لإنتاج البضائع و الكهرباء معاً، سابقة لم يعرفها الاقتصاد السوري.
يضيف “خزام”، أن شركة WDRVM لتصنيع التوربينات الهوائية في المنطقة الصناعية في حسياء بحمص لديها الإمكانية لتركيب توربين هوائي كل 15 يوم، وهذا يعني توفير قطع الغيار والصيانة اللازمة والمضمونة وهو أفضل بكثير من استيراد توربينات هوائية من الممكن أن تُوقف استيراد قطع الصيانة لها، وتؤدي غلى وقوع المستثمر بالخسائر.
أسست شركة WDRVM لصناعة توربينات الرياح في سوريا عام 2007، كامتداد لشركة تملكها عائلة “وليد إلياس” في دبي عام 1966، والمتخصصة ببيع وتوزيع وصيانة محركات التروس وآلات اللحام، ولديها أكثر من 42 عميلاً عالمياً، ما جعل مشروع توربينات الرياح، الذي يشكل حالياً 60% من نشاط الشركة العائلية، لا يحتاج عند انطلاقه لأية دعم مالي من المستثمرين أو الحكومة.
يعمل المشروع بطاقة 2.5 ميغاواط للتوربين، يرتفع “توربينا” رياح على الأراضي السهلية المنخفضة من مدينة حسياء الصناعية في ريف مدينة حمص، ليغذيا حوالي 10 آلاف منزل، وبموارد وخبرات محلية بالكامل. تبلغ تكلفة توربين الرياح الواحد بما يقارب مليون دولار بشكلٍ عام، بحسب مصادر مستقلة، فإن هذا السعر قد يتفاوت، اعتماداً على نوع التوربين وحجمه ومناخ الدولة وسرعة الرياح والموقع. وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية لمعمل الشركة في سوريا 50 إلى 60 توربيناً سنوياً. ليبقى السؤال مطروحاً: ماذا تستفيد الحكومة من دعم هكذا مشاريع وإطلاقها؟
في حال دعمت الدولة هذا المشروع، فسوف يعطيها ماهي بأمسّ الحاجة إليه، كهرباء مستقرة من دون نزيف مالي دائم على الوقود والمحطات المتعبة. التوربينات تعني طاقة رخيصة للمصانع، ما يعني صناعة أقوى. أي فرص عمل محلية بدلاً من غزو المستوردات. الأهم من كل ذلك أنه يمكن تصنيعها وصيانتها داخل البلد، ما يقلل من التبعية للخارج ويمنح الاقتصاد فرصة يتنفس بها من رئته لا من أنبوب مستورد. سنوضح ونُبسط ما يمكن لهذا التوربينات الهوائية أن تخففه:
- تخفف العبء عن الشبكة الكهربائية المتهالكة
كل توربين هوائي يعني حمل أقل على الشبكة المنهارة كل يوم، ما يعني أن الرياح ستشغل الكهرباء بطاقة نظيفة متجددة ومستدامة.
- خفض تكلفة الإنتاج الصناعي
عندما تحصل المصانع على كهرباء أرخص، يصبح إنتاجها منافس ولا تلجأ للمستورد الذي يقتل الصناعة المحلية، ومن مصلحة الدولة قطاع صناعي قوي جدير بالاعتماد عليه.
- تأمين مورد طاقة ثابت من دون وقود
الرياح طاقة طبيعية متجددة، لا تعمل على الوقود ولا الفيول، ولا تنتظر السفن على المرافئ. فهي مصدر مجاني ودائم، ما يبعد الصنعة أكثر عن تكبيل الاستيراد.
- خلق فرص عمل محلية في التصنيع والصيانة
تصنيع التوربينات الهوائية وصيانتها داخل سوريا، يعني تشغيل مهندسين، فنيين، عمال. ما يشغل اليد العاملة في البلاد ويساعد على تعافي الاقتصاد السوري.
- جذب الاستثمار للمدن الصناعية
أي مستثمر أول ما يبحث عنه الاستقرار الأمني والاستقرار الكهربائي، فدعم التوربينات يعطي الدولة كرت دعوة ثمين لجذب رأس المال، بدلاً من هروبه كما السنوات السابقة.
اقرأ أيضاً: موارد الساحل السوري خطوط امتداد للاقتصاد الأزرق في حال تحقق
جدوى تركيب توربين هوائي كل 15 يوم
تساءل الخبير الاقتصادي جورج خزام، مستشار وزير الاقتصاد والصناعة: لماذا لا يقوم الصندوق السيادي، الذي حصل على تبرعات بملايين الدولارات لخدمة الشعب السوري و الاقتصاد، ببناء توربينات هوائية غرب حمص ؟
كما بيّن خزام أن تكلفة التوربين تتراوح من 2 ـ 4 مليون دولار بحسب الإنتاجية 2 إلى 3 ميغا واط بعمر افتراضي 25 سنة بتكلفة صيانة سنوية 45,000$. وأوضح أن شركة WDRVM لتصنيع التوربينات الهوائية في المنطقة الصناعية في حسياء بحمص لديها الإمكانية لتركيب توربين هوائي كل 15 يوم.
بشرح مبسط لكلام الخبير نخلص إلى أنه، في حال تم تركيب التوربين وإنتاجه خلال 15 يوماً فإن مشروع الطاقة لم يعد رهينة الانتظار الطويل ولا أسير الشركات الأجنبية ولوازم الاستيراد، بل بذلك تحول إلى منتج محلي سريع التنفيذ بقدرة تصنيع تضمن توفر المستلزمات من الصيانة وحتى قطع الغيار، دون الخوض بمغامرات الاستيراد المكلفة.
بوجود شركة WDRVM التي أشار إليها “خزام” تُصنع التوربينات الجديدة بمعدل يصل إلى توربين جديد كل نصف شهر، ما يمنح المدن الصناعية خياراً لتأمين الطاقة المستقرة، خاصةً بتكلفة التوربين الواحد المطروحة بين 2 – 4 ملايين دولار بطاقة إنتاجية تصل إلى 3 ميغا واط وعمر افتراضي يصل إلى 25 عاماً، مع صينة سنوية لا تتجاوز 45 ألف دولار.
هذا المستوى من الاستقرار التقني والمالي في حال توفر، يجعل الاستثمار مجدياً على المدى الطويل، لأن مردود التوربين الهوائي يغطي تكلفته خلال سنوات محدودة، بينما يوفر الكهرباء للمصانع بكلفة أقل من المصادر التقليدية ويجنب المستثمرين مصير المشارع التي تتعطل لأشهر أو ربما سنوات وأحياناً تلغى بسبب برغي مفقود أو قطعة تنتظر عبور الحدود.
ما الأثر الاقتصادي لمشروع التوربينات الهوائية في سوريا
المشهد الصناعي السوري الحالي بحاجة إلى نقله نوعية وخطوة اقتصادية ذات وزن في قطاع الصناعة السورية. فمشروع التوربينات الهوائية في حال تلقى الدعم المناسب يوفر مصدراً مستقراً للكهرباء ويخفف الاعتماد على المحطات التقليدية المرهقة وتكاليف الوقود المتباينة بين الصعود والهبوط.
كذلك يسهم في توفير الطاقة بأسعار أقل للمصانع ما يخفض من تكلفة الإنتاج ويُحسن القدرة التنافسية للمنتجات المحلية أمام المستوردات، ما قد ينشط القطاعات الصناعية التي تضررت كثيراً بسبب ارتفاع التكاليف وعدم استقرار التيار الكهربائي.
ناهيك عن أن توطين التوربينات الهوائية وصيانتها محلياً، يمكن أن يضيف مورداً اقتصادياً ناشئاً وأن يتحول مع الوقت إلى قطاع إنتاجي مستقل. فيقدم بذلك المشروع أثراً اقتصادياً مزدوجاً: من خلال تقديم دعم مباشر للصناعة عبر توفير الكهرباء، ودعم غير مباشر عبر توسيع قاعدة الإنتاج الوطني واستقطاب الاستثمارات.
بدوره يرى الخبير الاقتصادي “خزام”، أنه يجب توجيه المصارف الخاصة للاستثمار بالطاقة الكهربائية من التوربينات الهوائية غرب حمص التي يتم تصنيعها في حسياء يعتبر من المشاريع التي تدعم الاقتصاد، وذلك عبر: تأسيس شركة وطنية خاصة مساهمة لبيع الكهرباء من التوربينات الهوائية، توزيع تكلفة بناء التوربين على شكل أسهم بعدد محدد غير قابلة للزيادة، ما يعني أن يدخل المصرف كأحد الشركاء المساهمين بعدد من الأسهم بحيث يكون المصرف هو المشرف على الحسابات المالية لمعرفة الأرباح الحقيقية القابلة للتوزيع على المساهمين. وتكون حصة المصرف المدفوعة في تأسيس التوربين تعتبر أرباح قابلة للتوزيع على المساهمين في رأس المال في المصرف نفسه.
ليبقى سؤالٌ واحدٌ مطروح: هل يمكن لهذا المشروع أن يحدث تكاملاً بين الطاقة والصناعة وأن تحل عقدة الكهرباء في سوريا؟
بكل واقعية، هذا النوع من المشاريع قد يفتح باباً لتكامل حقيقي بين الطاقة والصناعة في سوريا. لأنه في حال أصبح أمراً واقعاً سيصبح المصنع جزءاً من حل أزمة الكهرباء بدلاً من كونه ضحية لها. وعندما تولد المنطقة الصناعية كهرباءها عبر توربينات هوائية وتستهلكها مباشرةً، فهي تخرج من عنق الزجاجة التي خنقت الإنتاج السوري لسنوات، وتتحول من متلقي للتيار إلى منتج له ومتحكم بإيقاع عمله.
الصين وسويسرا نموذجاً لمشاريع التوربينات الهوائية
تجارب الصين وسويسرا في استثمار التوربينات الهوائية متباينة، لكن تشكل كل تجاربهما مساراً يمكن لسوريا أن تستلهم منه. في الصين، تحول الاستثمار الضخم في طاقة الرياح إلى رافعة تنموية أساسية، إذ ربطت الحكومة الصينية بين المناطق الصناعية الكبرى ومزارع الرياح عبر شبكات حديثة، ما أتاح للمصانع الحصول على ما تحتاجه من الطاقة بأسعار أقل، إلى جانب صناعة محلية ضخمة لتجهيز التوربينات والصيانة وسلاسل التوريد المرتبطة بها.
أما سويسرا، فكانت تجربتها أكثر دقة. إذ قامت على المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتي وزعتها على الجبال وبين الممرات الهوائية، فتم دمج مزارع الرياح ضمن خطط محلية للإنتاج الصناعي والخدمات.
فيمكن لسوريا من خلال النموذج الصيني واسع النطاق، والنموذج السويسري المعتمد على التخطيط الدقيق، أن تبني شراكة مدروسة بين الصناعة والطاقة المتجددة ملائمة لتضاريسها وقدراتها وحركة الرياح فيها ، وتحويل تلك الرياح إلى مورد اقتصادي له القدرة على دعم الإنتاج الوطني.