بقلم هلا يوسف
لم يكن الخروج من معتقل صيدنايا كافياً لمحو آثار التجربة القاسية المليئة بالتعذيب بالنسبة للكثير من المعتقلين، إذ لا يزال العديد منهم يعانون من تبعات نفسية وجسدية صعبة، بالتزامن مع غياب الاهتمام الرسمي اللازم والملموس. وعلى الرغم من الكثير من الحديث الذي أحاط بهذا الملف منذ لحظة التحرير، تم إعادة فتحه بعد الحادثة المأساوية التي طالت أحد الناجين، وذلك عند إقدامه على الانتحار في منزله بحي حرستا بعد صراع طويل مع اضطرابات نفسية ناجمة عن تجربته في الاعتقال.
تعكس هذه الحادثة حجم المعاناة التي تطال هؤلاء المعتقلين، خصوصاً في ظل تعامل المجتمع مع أي مرض نفسي على أنه اتهام وليس مرض عادي، مما يؤدي إلى عزلة المريض وهو في أمس الحاجة للتعامل مع الناس. وهذا الأمر يساهم بشكل كبير في تعقيد عملية إعادة الاندماج بالمجتمع بالنسبة لهم.
وقد سلطت هذه الحادثة الضوء على الدور الغائب للجهات الرسمية المعنية في تعاملها مع ملف المعتقلين السابقين. إذ لا توجد سياسات معلنة أو برامج عملية لمعالجة آثار الاعتقال، مما يترك الناجين يواجهون مصيرهم بمفردهم. هذا الفراغ يزيد من هشاشتهم ويضع عبء التعافي على كاهلهم وحدهم، على الرغم من وجوب قيام السلطات الجديدة بتوفير الحماية والدعم اللازم لهم.
هذا الغياب نوهت له منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر في حزيران 2025، حيث أشارت إلى تقاعس الدولة السورية عن معالجة آثار الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المعتقلون في عهد النظام السابق. كما دعت إلى تحرك عاجل لضمان العدالة والتعويض وإعادة التأهيل للناجين، مشددة على أن غياب الدعم الرسمي أو الدولي يزيد من تفاقم معاناتهم. كما طالبت الجهات المانحة بتوفير تمويل فوري للمجموعات والمنظمات التي يقودها الناجون.
لكن الواقع على الأرض يبقى صعباً. فكما يقول مهند يونس من منظمة “طافي”، المنظمة التي يقودها ناجون لتقديم الدعم التأهيلي، توقف التمويل فور الإفراج عن المعتقلين، وذلك بعدما أوقفت المساعدات الأمريكية، ما قلل قدرة المنظمة على دعم الناجين بشكل كبير.
بينما يؤكد دياب سرية، مؤسس رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، أن الدولة لم تبادر منذ اليوم الأول للتحرير إلى تقديم أي اهتمام جاد بهذه الشريحة. ففي كثير من اللقاءات، كان الرد على طلبات الدعم: “الثورة قامت بما عليها، وحررتك من السجن، أما الباقي فمسؤوليتك”، مما جعل المعتقلين يشعرون بالخذلان. يضيف سرية أن الكثيرين خرجوا دون أوراق ثبوتية، وبعضهم لا يزال مطلوباً للقضاء العسكري أو محكمة الإرهاب، وفقدوا وظائفهم ودراستهم، ويعانون من أمراض جسدية ونفسية، مما زاد من هشاشتهم بعد الإفراج.
ويؤكد سرية أن المجتمع المدني وحده لا يستطيع التعامل مع هذه الأزمة، وأن هناك حاجة لتضافر جهود الحكومة، لا سيما وزارات الشؤون الاجتماعية والصحة والعدل، مع المنظمات الدولية لتوفير برامج إعادة تأهيل شاملة تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي. ويشير إلى أن الناجين كانوا أعضاء فاعلين في المجتمع، وخرجوا ليجدوا أنفسهم غير محسوبين لدى الدولة حتى في أبسط الإجراءات، مثل استعادة هوياتهم أو ممتلكاتهم.
في حين أكد المحامي والناشط الحقوقي غياث دبور على أهمية التمييز بين المعتقل السياسي والمعتقل الجنائي. فالمعتقل الجنائي خضع لمحاكمة عادلة وطبق عليه القانون القائم على تجريده من حقوقه السياسية، بينما المعتقل السياسي دفع ثمن مواقفه وآرائه دون محاكمة عادلة، مما يجعل احتياجاته أكثر تعقيداً. ويؤكد دبور أن تجربة الاعتقال ليست جسدية فقط، بل تحمل أثراً نفسياً يمتد إلى العائلة، وهذا ما يتطلب تضافر جهات متعددة، تشمل الوزارات المعنية لتقديم الدعم النفسي والطبي والقانوني والمالي.
من جهتها تقول الدكتورة وفاء غيبة، المتخصصة في علم النفس، إن الخارجين من المعتقلات غالباً ما يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، حيث يسترجع الشخص التجربة بشكل مستمر وكأنه لا يزال محتجزاً، مما يؤدي إلى كوابيس مستمرة وشعور دائم بالخطر، بالإضافة إلى الاكتئاب واضطرابات النوم والطعام والرغبة في الانعزال. وفي بعض الحالات تتطور لتصل إلى الذهان، حيث يسمع الشخص أصواتاً أو أفكاراً مزعجة، وتحتاج إلى علاج طويل الأمد.
ويؤكد أحد الناجين من سجن صيدنايا على هذا الكلام قائلاً: “خرجت عام 2013 وما زلت أعاني أمراضاً نفسية وعصبية. كنت أرفض الذهاب للطبيب أو التحدث مع أي شخص، فقط أردت الجلوس وحدي. بعد إصرار الأهل، ذهبت للطبيب، وتم تشخيصه بآثار ما بعد الصدمة”.
تجارب لإعادة تأهيل الناجين من الاعتقال
يشير دياب سرية، مؤسس رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، إلى وجود تجارب محلية ناجحة لإعادة تأهيل ودمج المعتقلين، أبرزها مشروع “مركز العائلة”. حيث يوفر هذا المركز مساحة آمنة لضحايا التعذيب وعائلات المختفين قسرياً، ويقدم لهم دعماً نفسياً واجتماعياً شاملاً، بالإضافة إلى خدمات علاجية متخصصة للتعامل مع الصدمات الجسدية والنفسية. وأكد سرية أن الرابطة تعمل منذ عام 2020 في تركيا وشمال سوريا، تحت إشراف مراكز دولية متخصصة مثل مركز ضحايا التعذيب في الولايات المتحدة والمبادرة الدنماركية لمساندة ضحايا التعذيب. لكن بالرغم من جهود المركز، فإن عدد الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، الذي يتجاوز ثلاثين، لا يزال محدوداً مقارنة بآلاف الحالات، خصوصًا أن الجلسات العلاجية قد تمتد لعدة أشهر. وهذا يبرز الحاجة الماسة إلى برنامج وطني شامل للصحة النفسية.
ومن منظور عالمي توضح غراتسيا أرمينيا، أخصائية علم النفس في منظمة أطباء بلا حدود في باليرمو، أن تجربة التعذيب تجعل ضحاياها يعيشون اللحظة الصادمة بشكل مستمر، وكأن الوقت توقف عند تلك اللحظة، فلا وجود لما قبلها أو بعدها. وتضيف أرمينيا أن الفريق النفسي يستخدم طريقة تجمع بين العلاج السريري وسرد القصص، وهذا ما يعرف “بخط الحياة”، حيث يُطلب من المرضى تمثيل أحداث حياتهم باستخدام الأحجار للصدمات، والزهور للذكريات الجميلة، والشموع للفقد. وتقول: “دائماً ما تكون هناك زهور بين الأحجار، لأنه طالما نحن على قيد الحياة، لا تزال هناك قصة لنرويها”.
على المستوى الأوروبي، أنشأت أوكرانيا أول مركز لإعادة تأهيل الناجين من التعذيب بعد أسرهم لدى روسيا، ويضم المرفق مساحات علاجية تقليدية وورش عمل فنية لمساعدة الأفراد على التعافي من التعذيب الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصدمات الكهربائية والعنف الجنسي. ويشير التقرير إلى أن حوالي 90% من أسرى الحرب الأوكرانيين تعرضوا لأشكال مختلفة من الإساءة.
كما افتتحت منشأة للصحة العقلية في مدينة لفيف الغربية، أطلق عليها “مركز القديس ليو الكبير”، لتقديم خدمات نفسية وإعادة تأهيل للأفراد الذين عانوا من الأسر والتعذيب خلال الحرب. يضم المركز 17 غرفة إقامة مصممة لتشبه المساحات السكنية، إلى جانب مناطق للعلاج الفردي والجماعي، و30 سريراً لبرامج إعادة التأهيل الممتدة، ومبنى مستقل للعلاج بالفن يضم ورشة فخار في الطابق الأرضي واستوديو فني في الطابق الثاني. ويستهدف المركز حوالي ألف مريض سنوياً من الناجين من الصدمات النفسية والحروب، مع التركيز على تقديم الدعم الشامل لمساعدتهم على استعادة حياتهم الطبيعية.
ومن اللافت أن منظمة أطباء بلا حدود لم تعمل في سوريا بشكل واسع، على الرغم من عملها في عدد من الدول التي عانى سكانها من الاعتقال والتعذيب خلال الحروب، فقد قدمت في عام 2024 مساعداتها لحوالي 653 شخصاً من الناجين من التعذيب في مشاريع حول العالم، شملت دولاً مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، المكسيك، إيطاليا، جنوب السودان، النيجر، ونيجيريا، مما يبرز الفجوة الكبيرة في الدعم الدولي داخل سوريا.
باختصار، تبقى معاناة الناجين من معتقلات صيدنايا شاهدة على ما خلفته سنوات الاعتقال من آثار جسدية ونفسية واجتماعية. فالخروج من المعتقل ليس نهاية المعركة، بل بداية رحلة طويلة لإعادة بناء حياتهم واستعادة كرامتهم. فمن خلال التجارب المحلية والدولية أثبتت أن الدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل المتكامل يمكن أن يمنح الناجين فرصة حقيقية للاندماج في المجتمع لكن في ظل وجود دعم حكومي. لذلك فإن تضافر جهود الدولة مع المجتمع المدني والدعم الدولي ليس خياراً، بل ضرورة حتى يأخذ معتقلو صيدنايا حقوقهم في الحياة الكريمة.
اقرأ أيضاً: صيدنايا: مدينة القداسة والتاريخ.. لا سجن الرعب والدماء!