مشاهير

القرض الحسن: فشل في دير الزور وإشكاليات في درعا

القرض الحسن: فشل في دير الزور وإشكاليات في درعا

بقلم هلا يوسف

راهنت وزارة الزراعة على مشروع القرض الحسن بوصفه أداة دعم مباشرة للفلاحين، تهدف إلى تخفيف أعباء التكاليف المرتفعة وتأمين مستلزمات الإنتاج الأساسية، بما ينعكس إيجاباً على محصول استراتيجي يشكل عماد الأمن الغذائي في البلاد، وخصوصاً مع انطلاق موسم زراعة القمح. غير أن التجربة على أرض الواقع، وخصوصاً في محافظة دير الزور، كشفت عن فجوة واضحة بين الهدف المعلن والنتائج المتحققة، إذ بدا القرض عاجزاً عن استقطاب العدد المتوقع من المزارعين، وسط انتقادات تتعلق بالتوقيت، وتعقيد الإجراءات، وشروط الضمان، مما أضعف أثره وجدواه في موسم يحتاج فيه الفلاح إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى.

يواصل المصرف الزراعي التعاوني في دير الزور تسجيل طلبات الراغبين بالتعاقد على القرض الحسن، حيث أكد مدير المصرف المهندس محمد عكل أن عملية التسجيل ما تزال مستمرة، وأن توزيع سماد اليوريا على المستفيدين سيبدأ خلال أيام قليلة.

وبين عكل أن منح القرض يتم وفق ضوابط محددة، إذ يتوجب على المزارع تقديم وثيقة رسمية تثبت حيازته للأرض، إما عبر وثيقة التنظيم الزراعي المعتمدة أساساً، أو من خلال الكشف الحسي في حال تعذر الحصول عليها، إضافة إلى تقديم ضمانات تتمثل بكفالة شخصين يتمتعان بملاءة مالية مقبولة لدى المصرف أو كفالة عقارية. ويتم منح القرض على شكل مستلزمات إنتاج من بذار وأسمدة فقط، دون تقديم مبالغ نقدية، وتصل قيمة هذه المواد إلى نحو 15 مليون ليرة سورية للمزارع الواحد، على أن يبدأ تسديد القرض بعد انتهاء موسم الحصاد ومن دون أي فوائد.

بالتزامن مع ذلك أظهرت المؤشرات الزراعية في المحافظة تحسناً نسبياً في المساحات المزروعة بالقمح. فقد أشار رئيس دائرة الإنتاج الزراعي والوقاية في مديرية زراعة دير الزور المهندس عبد الحميد العبد الحميد إلى أن المساحات المزروعة بلغت نحو 14,500 هكتار، بعد أن كانت 9,500 هكتار في نهاية العام الماضي، في حين تستهدف الخطة الزراعية لهذا الموسم الوصول إلى 22 ألف هكتار. وأكد أن هذه الأرقام تقتصر على منطقة الشامية فقط، ولا تشمل منطقة الجزيرة، التي بدأت مديرية الزراعة فيها مؤخراً بمتابعة أوضاع منشآتها وحقولها بعد تحريرها، مع توقعات بتوسع إضافي في المساحات المزروعة، ولاسيما في الأراضي البعلية التي استفادت من الهطولات المطرية والسيول خلال الموسم الحالي.

فشل القرض الحسن في دير الزور

أوضح مدير المصرف الزراعي المهندس محمد عكل أن عدد المزارعين المسجلين في مناطق دير الزور والميادين والبوكمال بلغ نحو 400 مزارع فقط، وهو رقم يعكس محدودية الإقبال قياساً باتساع الرقعة الزراعية وحجم الحاجة الفعلية. جاء هذا الرقم في وقت يعاني فيه المزارعون من شح السيولة وارتفاع غير مسبوق في أسعار البذار والأسمدة وأجور الحراثة.

يرى عدد من المزارعين أن عزوفهم عن القرض الحسن لم يكن نابعاً من عدم الحاجة، بل من ظروف رافقت صدور القرار وآلية تطبيقه. حيث يشير أحد المزارعين إلى أن توقيت الإعلان عن القرض جاء متأخراً، إذ صدر بعد منتصف شهر تشرين الثاني، وهو وقت يكون فيه معظم الفلاحين قد بدأوا بحراثة أراضيهم وتأمين مستلزماتهم من السوق الحرة، ما أفقد القرض جزءاً كبيراً من فائدته. كما أكد مزارع آخر أن غياب السيولة لدى الفلاحين أدى إلى خروج عدد من الحقول من الخطة الزراعية، مشدداً على أن القرار لو صدر قبل بدء الموسم لكان تأثيره أكبر، ولفت إلى أنه في الوقت ذاته امتناعت بعض الجمعيات الفلاحية عن كفالة أعضائها خوفاً من تعثر السداد.

من جانبه، أوضح عضو المكتب التنفيذي في اتحاد فلاحي دير الزور محمد العاشق أن قيمة القرض تبلغ 1.5 مليون ليرة سورية للمزارع الفرد، و300 مليون ليرة للجمعية الفلاحية، مشيراً إلى أن ضعف الإقبال يعود إما إلى أن بعض المزارعين باشروا بالزراعة قبل صدور القرار، أو إلى اعتماد آخرين على مصادر تمويل بديلة وعدم حاجتهم الفعلية للقرض.

اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل

المآخذ على التجربة وتكرار الإشكاليات

لم تقتصر الانتقادات على دير الزور وحدها، إذ ظهرت شكاوى مشابهة في محافظة درعا، حيث يعيش الفلاحون حالة من القلق والتخبط نتيجة عدم وضوح التعليمات والإجراءات المتعلقة بالقرض الحسن. فمنذ صدور القرار الأول، تنقل المزارعون بين الوحدات الإرشادية والجمعيات الفلاحية واتحاد الفلاحين دون الحصول على إجابات واضحة حول الشروط المطلوبة وآلية التنفيذ.

ويصف أحد الفلاحين حجم المعاناة التي يعيشها المزارعون في ظل سنوات من الجفاف والضائقة المالية، معتبراً أن كثرة الشروط والطلبات للحصول على القرض زادت من حالة الإرباك، بدل أن تخففها، في وقت يفترض فيه أن تكون الدولة سنداً للفلاح وداعماً لاستمرار زراعة القمح. ويشاركه الرأي مزارع آخرة دعا إلى تسهيل الإجراءات وتسريعها بسبب الحاجة الملحة لزراعة هذا المحصول الحيوي.

بينما أشار أحد المزارعين إلى تضارب التعليمات بين الجهات المعنية، مشيراً إلى تنقله بين الوحدة الإرشادية والجمعية الفلاحية والمصرف الزراعي، ليتم إبلاغه في النهاية بأن القرض مخصص لمناطق استقرار معينة دون غيرها، متسائلاً عن جدوى هذا التمييز في ظل الظروف القاسية التي تطال جميع الفلاحين بلا استثناء.

وفيما يتعلق بتأمين البذار، أوضح مدير دائرة إكثار البذار جمال عبد الحافظ أن المديرية تمتلك نحو عشرة آلاف طن من بذار القمح، وقد جرى في البداية بيع البذار لمن سدد قيمتها عبر المصرف، قبل أن تصدر تعليمات وزارية بإيقاف البيع وتوجيه الكميات لصالح القرض الحسن، مؤكداً التزام المديرية التام بالقرارات الصادرة عن الوزارة.

باختصار، من المفروض أن تطرح القروض الخاصة بالزراعة بالتزامن مع موسم البذار، وإلا لن يكون للقرض الحسن أية فائدة، وكنا في مقال سابق أشرنا إلى التخوفات التي رافقت الإعلان عن القرض. فالإجراءات المعقدة والشروط التعجيزية تجعل الفلاح يعزف عنه.

اقرأ أيضاً: القرض الحسن: أمل الحكومة والمزارعين في إنقاذ الأمن الغذائي

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.