بقلم: ريم ريّا
تشهد المنطقة منذ يوم أمس السبت 28 شباط 2026، تصاعداً غبر مسبوق في حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وسط تبادل للضغوط العسكرية والاقتصادية، وانعكاسات مباشرة على أسواق النفط وسلاسل الإمداد وأسعار السلع. تاريخياً لم تكن المواجهات الكبرى بين القوى الدولية شأناً عسكرياً فحسب، بل كانت أيضاً زلازل مالية تعيد رسم خريطة الثروات والقدرات الشرائية.
في منطقة كالشرق الأوسط، حيث لا تزال آثار النزاعات السابقة ماثلة، تصبح المخاطر مضاعفة. وسوريا تحديداً، باقتصادها المنهك، وبتقديرات تشير إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر حسب تقارير أممية. فسوريا اليوم ليست في موقع يسمح لها بامتصاص صدمات مالية جديدة بسهولة.
لذلك، يصبح السؤال حول كيفية حماية المدخرات، وليس فقط استثمارها، مسألة بقاء اقتصادي. في هذا المقال سنعرض أفضل ما يمكن الاستثمار فيه في أوقات الصراعات، وسنحاول تقديم نصائح للسوريين تسعفهم في ظل الواقع الاقتصادي المتردي في البلاد.
ماذا أثبت التاريخ أنه يصمد في الحروب؟
عند دراسة تجارب سابقة، تتكرر أنماط واضحة، يمكننا الاستقاء منها بما يحدث اليوم. فخلال التضخم المفرط في ألمانيا عام 1923، بلغ معدل التضخم نحو 3.2 مليون بالمئة، وأصبحت العملة المحلية شبه عديمة القيمة. في تلك الفترة، احتفظ الذهب بقيمته الشرائية، بينما انهارت المدخرات النقدية.
أما في فترات الحرب العالمية الثانية أو خلال الأزمة المالية العالمية، اتجه المستثمرون إلى الدولار الأميركي وسندات الخزانة الأميركية باعتبارها ملاذات آمنة. ارتفع مؤشر الدولار في 2008 مع تدفق رؤوس الأموال نحو الأصول الأميركية، رغم أن الأزمة نشأت داخل النظام المالي الأميركي نفسه. لكن حصة الدولار من الاحتياطي العالمي اليوم لا تجاوز 58.1 بالمية، بعد أن كانت تجاوز الثمانين بالمئة قبل الأزمة العالمية.
الخبير المالي “سام دوغين“، مؤسس منصة Financial Samurai، يشير إلى أن الأصول الحقيقية مثل الذهب والعقار والسلع الأساسية تميل إلى الصمود في بيئات التضخم المرتفع. بينما يؤكد “هاني صبحي“، خبير أسواق المال، أن التنويع بين العملات والأصول المتداولة هو خط الدفاع الأول في أوقات النزاعات.
كذلك، شهدت أسهم شركات الدفاع والطاقة ارتفاعات ملحوظة في أعقاب الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ 2022، بينما تعرضت قطاعات التكنولوجيا والنمو لموجات تصحيح حادة. وهذا لا يعني أن الاستثمار في قطاع بعينه مضمون، لكنه يكشف أن طبيعة الطلب تتغير في زمن الحرب، وتتحول الأولويات من الرفاهية إلى الضرورة.
اقرأ أيضاً: آثار سريعة ومباشرة على سوريا في حال بقاء الحرب الأمريكية – الإيرانية ضمن سقف محدود
ماذا تفعل بالمال “الكاش” في يدك أثناء الحرب؟
الاحتفاظ بالمال أو النقد مسألة دقيقة في زمن الحرب. السيولة تمنح مرونة فورية، وتمكنك من تلبية الاحتياجات الأساسية بسرعة، لكن الاحتفاظ بكميات كبيرة من العملة المحلية في بيئة تضخم مرتفع قد يؤدي إلى تآكل سريع للقيمة. النقد يوفر الأمان اللحظي، لكنه لا يحمي القوة الشرائية على المدى المتوسط إذا تسارعت طباعة النقود أو تراجعت الثقة بالعملة.
التجارب التاريخية، ومنها تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، تظهر أن تمويل الحروب عبر التوسع النقدي تؤدي غالباً إلى انخفاض حاد في قيمة العملة. في مثل هذه البيئات، تخسر العملة جزءاً كبيراً من قوته الشرائية، من احتفظ بمدخراته نقداً ، بينما استطاع من امتلك أصولاً حقيقية أو عملات أقوى تقليل الخسارة.
انطلاقاً من ذلك، ينصح الخبراء مثل “سام دوغين”، بضرورة التوازن، كالاحتفاظ بسيولة تكفي لتغطية النفقات الأساسية لعدة أشهر، ثم توجيه جزء من المدخرات إلى أصول أقل عرضة للتآكل، السؤال هنا ليس “هل أستثمر؟” بل “في ماذا وبأي نسبة؟”. سنجيب على ذلك:
أولاً: الذهب والمعادن النفسية
الذهب تاريخياً، يعد ملاذاً آمناً في فترات عدم اليقين. لا يحقق عائداً دورياً نعم، لكنه يحافظ على القيمة نسبياً عند اهتزاز العملات. في بيئات غير مستقرة، قد يكون امتلاك كمية معتدلة من الذهب المادي خياراً وقائياً، خاصةً إذا كان سهل التسييل وصغير الحجم. الفضة خيار أقل تكلفة، لكن لا زالت تتسم بأنها أكثر تقلباً.
ثانياً: العملة الأجنبية المستقرة نسبياً
تنويع جزء من المدخرات إلى عملة أقوى قد يخفف من مخاطر انخفاض العملة المحلية. خلال الأزمة المالية العالمية، اتجه المستثمرون نحو الدولار الأميركي باعتباره ملاذاً آمناً نسبياً. الهدف هنا ليس المضاربة على سعر الصرف، بل توزيع المخاطر. وهنا لا نوجّه للاستثمار في الدولار بحد ذاته بسبب تراجعه العام، بل المقصد الاستثمار بعملات مستقرة نوعاً ما.
ثالثاً: العقار
في الواقع، العقار يختلف بحسب الموقع. في مناطق مستقرة سياسياً، قد يشكل العقار مخزناً طويل الأجل للقيمة ومصدراً لدخل إيجاري. أما في مناطق معرضة للنزاع المباشر أو النزوح، فقد يتحول إلى أصل غير سائل يصعب بيعة عند الحاجة.
لذلك، الاستثمار العقاري في زمن توتر يتطلب دراسة دقيقة للموقع والسيولة والقدرة على تحمل تجميد رأس المال لفترة طويلة.
رابعاً: أصل منتج بسيط يولد دخلاً
في اقتصاد هش، قد يكون أفضل استخدام لجزء من النقد هو توجيهه إلى نشاط منخفض المخاطر يولد دخلاً مستمراً، مثل مشروع صغير، تجارة بسلع أساسية سريعة الدوران، أو استثمار في مهارة مهنية تزيد من فرص الدخل. في بيئة مضطربة، التدفق النقدي المنتظم أحياناً أهم من ارتفاع قيمة الأصل نفسه.
خامساً: توزيع المخاطر لا تركيزها
يحذر الخبير “عمر وهيب“، من الوقوع في فخ الذعر، إذ أن تحويل كل المدخرات إلى أصل واحد بدافع الخوف قد يضاعف المخاطر. فمن يحول كل ماله إلى ذهب قد يواجه مشكلة سيولة. ومن يحوله كله إلى عقار قد يجد صعوبة في التصرف به. ومن يبقيه كله نقداً يخسره تدريجياً.
إدارة المال في زمن الحرب تقوم على ثلاث طبقات:
- سيولة كافية للطوارئ.
- أصول تحمي من التضخم وتراجع العملة.
- جزء بسيط موجه لنشاط منتج إن أمكن.
توصيات واقعية للسوريين في ظل اقتصاد هش
الحديث عن محافظ استثمارية دولية أو حسابات مصرفية خارجية قد يكون غير واقعي لشريحة واسعة من السوريين. في سياق تبلغ فيه معدلات الفقر مستويات مرتفعة للغاية وفق تقارير البنك الدولي، تصبح الأولوية حماية الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
فأهم الخطوات عملياً، تكمن فيما يلي:
- الاحتفاظ بسيولة للطوارئ، ما يغطي الاحتياجات الأساسية لعدة أشهر.
- تقليل الديون قدر الإمكان، في بيئة غير مستقرة، تتحول الديون إلى عبء مضاعف.
- الاستثمار في المهارات، في ظل اقتصاد مضطرب، تبقى المهارة القابلة للتسويق مصدراً أكثر أماناً للدخل من المضاربات.
- تنويع محدود ومدروس، إذا أمكن الاحتفاظ بجزء من المدخرات بعملة أكثر استقراراً أو بذهب ولو بكمية بسيطة يسهل تسييله أو بيعه.
- فترات الحرب ليست وقتاً مناسباً للدخول في استثمارات غير مفهومة أو مضاربات سريعة، لذلك يجب تجنب المغامرات عالية المخاطر.
ختاماً، في بيئة تتداخل فيها التوترات بين إيران والولايات المتحدة مع هشاشة اقتصادات المنطقة، يصبح التفكير المالي الهادئ ضرورة. البعد السياسي للصراع قد يطول أو يتغير شكله، لكن أثره الاقتصادي غالباً ما يسبق نتائجه العسكرية. التاريخ يعلمنا أن الثروات لا تُحمى بالمغامرة في أوقات الفوضى، بل بالمرونة، والتنويع، وتقليل المخاطر.
وفي حالة السوريين، قد يكون أعقل استثمار هو ذاك الذي يحافظ على الاستقرار الأسري والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.في زمن الحرب، الهدف ليس الثراء السريع، بل البقاء المالي المتوازن حتى تمر العاصفة. أحياناً، أعظم ربح هو ألا تخسر ما تبقى لديك.