الكاتب: أحمد علي
لا يأتي الاتصال بين أنقرة ودمشق في هذه المرحلة بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً يمكن المرور عليه بخفة، ولا بوصفه مشهداً عابراً في دفتر العلاقات الإقليمية المزدحم، فحين تتسع الحرب في الجوار، وتتعرض الحدود والمعابر والمجالات الجوية وشبكات الإمداد والعودة واللجوء لاختبار يومي، يصبح الهاتف السياسي نفسه أداة من أدوات منع الانفجار.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يكتسب الاتصال بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره السوري أسعد الشيباني دلالته الأوسع، لأنه يلامس سؤالاً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى جوهر اللحظة السورية الراهنة، فهل تستطيع القناة التركية السورية أن تتحول إلى مساحة عمل واقعي تحد من ارتداد النار الإقليمية على الداخل السوري، أم أن الاتصال سيبقى إشارة تهدئة قصيرة في إقليم طويل الاشتعال.
احتواء تداعيات الحرب أولاً
تشير المعطيات المتاحة خلال الشهور الأخيرة إلى أن التواصل بين الجانبين ليس مستجداً ولا معزولاً، فقد ناقش الطرفان في كانون الثاني تطورات حلب، ثم عاد المسار ذاته للظهور في اجتماعات واتصالات لاحقة تناولت التعاون الأمني والمشروعات الاقتصادية والملفات الإقليمية.
وهذا التتابع يوحي بأن عنوان احتواء تداعيات الحرب لم يعد بنداً طارئاً، بل صار جزءاً من تعريف العلاقة نفسها، فتركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها ساحة تمس أمنها الحدودي، وملف اللاجئين، وخريطة التوازنات مع الفاعلين المسلحين في الشمال والشرق، بينما تنظر دمشق إلى أن أي دعم إقليمي لا يكتسب قيمة فعلية ما لم يترجم إلى اعتراف بوحدة الأراضي السورية، ومساندة لاستعادة الاستقرار، وفتح منافذ أوسع للحركة الاقتصادية والإدارية. وبين النظرتين توجد مساحة مشتركة، عنوانها المباشر هو أن انفلات الحرب في المنطقة يهدد الطرفين معاً.
ولا يمكن فصل هذا الاتصال عن الحرب الأميركية الإيرانية الجارية، لأن ما يجري لم يعد مجرد تصعيد بعيد يمكن لسوريا مراقبته من الهامش، بل تحول إلى بيئة إقليمية ضاغطة تهدد المجال السوري مباشرة عبر الحدود، والمجال الجوي، وخطوط الإمداد، وحركة التجارة والعبور، وحتى عبر احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية بين القوى المتشابكة في المنطقة.
وفي ظل حرب اتسعت منذ أواخر شباط 2026، ومع سعي أنقرة إلى البقاء خارج دائرة الانخراط المباشر فيها، يكتسب أي خط تواصل تركي سوري قيمة إضافية، لا بوصفه تفصيلاً دبلوماسياً، بل كأداة عملية لتخفيف الارتداد ومنع تحويل الساحة السورية إلى ممر إضافي للنار المفتوحة في الإقليم.
ولأن سوريا تقع عند تقاطع جغرافي يلامس العراق ولبنان والأردن و«إسرائيل»، فإنها لا تواجه فقط خطر التورط السياسي في الحرب، بل أيضاً خطر أن تُستنزف من بوابة التعطيل الاقتصادي والأمني والإنساني إذا بقيت بلا قنوات تنسيق فعالة مع جوارها المباشر. فمن هنا، يبدو الاتصال بين أنقرة ودمشق أقرب إلى محاولة لبناء عازل سياسي وأمني يحد من تسرب الحرب إلى الداخل السوري، ولو بالحد الأدنى الممكن، أكثر من كونه خطوة عابرة في سجل العلاقات الثنائية.
قناة تماس لا تحالف
وبالتحليل، فإن الأقرب إلى الواقع في قراءة الاتصال، هو أن أنقرة ودمشق تبنيان قناة تماس سياسية وأمنية وظيفتها الأساسية خفض المخاطر، لا إنتاج تحالف مكتمل الشروط بالمعنى الواسع والشامل وللكلمة. وهذا الفرق مهم، لأن احتواء تداعيات الحرب لا يحتاج بالضرورة إلى تطابق الرؤى في كل ملف، بقدر ما يحتاج إلى حد أدنى من التنسيق يمنع سوء التقدير، ويضبط الإيقاع على الأرض، ويمنع تحوّل الاشتباكات المحلية أو الضربات الإقليمية إلى سلسلة ارتدادات مفتوحة داخل سوريا.
من هنا تبدو ملفات مثل ضبط الحدود، وأمن الطرق، وحركة التجارة، وإيصال الطاقة والخدمات، وعودة اللاجئين عودة آمنة وطوعية وكريمة، ملفات عملية أكثر من كونها ملفات رمزية، وهي، برغم طابعها الفني، تشكل البنية الحقيقية لأي مسعى جاد إلى احتواء تداعيات الحرب في المنطقة.
حدود البراغماتية الصلبة
لكن النافذة، مهما اتسعت، ليست بلا جدران، فهناك حدود واضحة لهذه البراغماتية، تركيا ما زالت تقارب جزءاً أساسياً من الملف السوري من زاوية الأمن القومي، ولا سيما ما يتصل بقوات سوريا الديمقراطية، فيما تصر دمشق على أن ملف السيادة ووحدة القرار العسكري لا يحتمل الصيغ الملتبسة ولا الكيانات الموازية.
ويضاف إلى ذلك أن «إسرائيل» تواصل الضغط العسكري داخل الجغرافيا السورية، فيما تبدو الحرب الإقليمية الأوسع قادرة على فرض إيقاعها على الجميع، سواء عبر الضربات المباشرة أو عبر تعطيل الطيران والتجارة وخطوط الإمداد. لذلك، فإن أي حديث عن احتواء تداعيات الحرب يظل محكوماً بشرطين، أولهما أن يبقى الاتصال السياسي منتظماً لا موسمياً، وثانيهما أن ينتقل من تبادل الرسائل إلى آليات متابعة مؤسسية تشمل الأمن والاقتصاد والخدمات وإدارة الأزمات. ومن دون ذلك، يبقى الاتصال مهماً في رمزيته، لكنه محدود الأثر في وقائعه.
اقتصاد يسبق التهدئة
الجانب الاقتصادي هنا ليس هامشاً تابعاً للسياسة، بل أحد مفاتيح تثبيت التهدئة نفسها، فالدولة السورية تدخل هذا الاختبار وهي ما تزال في مرحلة انتقالية هشة، وسط احتياجات إنسانية واسعة وضغط معيشي كبير، فيما تشير تقديرات أممية حديثة إلى أن أكثر من مليون لاجئ عادوا إلى البلاد منذ نهاية 2024، إضافة إلى عودة أعداد كبيرة من النازحين داخلياً.
في مثل هذا المناخ، يصبح أي تعثر أمني تهديداً مباشراً للتعافي الاقتصادي، كما يصبح أي انفتاح منظم على التجارة والطاقة والربط اللوجستي عاملاً مساعداً على تثبيت الاستقرار. لهذا يلفت الانتباه أن الخطاب التركي السوري المشترك لم يعد يدور فقط حول مكافحة التهديدات، بل حول المعابر، والربط التجاري، والطاقة، والعودة الطوعية، وهي ملفات تقول ضمناً إن احتواء تداعيات الحرب لا يمر فقط عبر الجيش والدبلوماسية، بل أيضاً عبر السوق والكهرباء والطرق وسلاسل الإمداد.
وإلى جانب ذلك، فإن أي تهدئة قابلة للحياة تحتاج إلى شعور يومي عند السكان بأن الدولة تستعيد وظيفتها الطبيعية، لا بصفتها سلطة أمن فقط، بل بصفتها قادرة على فتح مدرسة، وتأمين وقود، وتشغيل معبر، وتسهيل عبور بضاعة، وتخفيف كلفة حياة.
وهنا بالضبط تظهر قيمة التنسيق مع أنقرة بالنسبة لدمشق، وتظهر قيمة الاستقرار السوري بالنسبة لتركيا، لأن الاقتصاد حين يتحرك يخفف منسوب التوتر، ويمنح السياسة وقتاً إضافياً، ويجعل احتواء تداعيات الحرب أكثر قابلية للتحول من هدف نظري إلى مصلحة يومية ملموسة.
نافذة تضيق وتتسع
الخلاصة أن اتصال فيدان بالشيباني لا يفتح باب الحل السوري الشامل، ولا يحمل وحده وعداً بإخراج البلاد من هشاشتها المتراكمة، لكنه يفتح نافذة واقعية على وظيفة أكثر تواضعاً وأكثر إلحاحاً في الوقت نفسه، وهي منع التدهور الإقليمي من ابتلاع الفرصة السورية. فحين تؤكد أنقرة أولوية الاستقرار، وتؤكد دمشق أولوية السيادة ووحدة الأرض، تكون هناك مادة أولية يمكن البناء عليها، شرط أن تتحول إلى تفاهمات تشغيلية لا إلى بيانات مطمئنة فقط.
والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتصال مهماً، بل ما إذا كان قابلاً للتكرار والتوسيع والترجمة إلى مسار متماسك يربط الأمن بالاقتصاد، ويصل الحدود بالدبلوماسية، ويضع احتواء تداعيات الحرب في موقع الهدف العملي لا الشعار البلاغي، ويفتح إمكانيات أوسع لسوريا لتلعب دورها المطلوب في هذا السياق بما يحميها ويحمي المنطقة برمتها.
اقرأ أيضاً: مغامرة في لبنان لن تكون ضد حزب الله بل ضد السعودية وتركيا!