شركات

بين القانون والسياسة.. كيف تتخلص دمشق من عبء الديون الروسية؟

بين القانون والسياسة.. كيف تتخلص دمشق من عبء الديون الروسية؟

مع الانهيار الاقتصادي وتراجع مستويات الإنتاج خلال سنوات الحرب، باتت سوريا تُعاني من أعباء مالية ضخمة. وفي هذا السياق تبرز الديون الروسية في مقدمة أدوات الضغط السياسي والاقتصادي على البلاد. فكيف يمكن لسوريا أن تتخلص من الديون الروسية، وترسم مساراً جديداً للعلاقات بين البلدين؟

إيران تتصدر وروسيا تستغل حصتها الصغيرة من الديون السورية

كشف تقرير أصدره البنك الدولي خلال عام 2024، أن حجم ديون سوريا الخارجية قد بلغ 22.3 مليار دولار وذلك حتى شهر حزيران من عام 2024، ويُشار إلى أن هذه القيمة تساوي ما نسبته 104% من الناتج المحلي في سوريا.

وعن قائمة الدول التي لديها استحقاقات في هذه الديون السورية، تأتي إيران في مقدمة الدائنين حيث تبلغ حصتها 17 مليار دولار. أما روسيا التي لا تتجاوز حصتها من هذه الديون 1.2 مليار دولار، وعلى الرغم من ذلك فإنها تستغلها كورقة ضغط على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وذلك بهدف تعزيز حضورها المستمر في سوريا.

أسباب الديون السورية الكبيرة

الديون السورية لروسيا ليست حديثة العهد، بل بدأت بالتراكم منذ سبعينيات القرن الماضي، ويعود ذلك إلى أن روسيا هي الداعم العسكري والاقتصادي الأبرز للنظام في سوريا حينها.

ويُشار إلى أن الديون الروسية على سوريا في عام 2005، كانت قد وصلت إلى 13.4 مليار دولار، وفي خطوة استراتيجية لبدء ترسيخ نفوذها في البلاد، قامت روسيا بشطب ما يقارب 73% من الديون في حينها، لتحصل في المقابل على مشاريع وعقود استراتيجية في قطاعات متعددة أبرزها الغاز والاتصالات.

ومن الجدير بالذكر، أن قضية الديون الروسية على سوريا، لم تقتصر على الجزء المعلن منها، حيث كشفت تقارير، أنه في الفترة ما بين عامي 2018 و2019، والتي تمثل ذروة الدعم العسكري الروسي للنظام البائد، قامت سوريا بإرسال 250 مليون دولار إلى موسكو، لتمثل تسديد جزئي للديون مقابل الدعم العسكري المباشر.

ومن هنا بدأت تتحول ديون روسيا على سوريا من قضية ديون مالية، إلى وسيلة سياسية واقتصادية تستغلها روسيا من أجل ترسيخ نفوذها في سوريا على كافة الأصعدة.

الديون الروسية بين السياسة والقانون

تمثل ديون روسيا على سوريا ما يسمى “الديون البغيضة” بحسب عرف شائع في القانون الدولي، والتي هي عبارة عن التزامات مالية تلجأ إليها الحكومات الاستبدادية التي لا تمثل شعوبها، وتعمل على قمعها. ومن هذا المنطلق تعتبر هذه الديون غير شرعية ولا تلزم الحكومات الجديدة التي تأتي على هذه البلاد.

وفي حالة الديون الروسية على سوريا، يرى العديد من الخبراء بحسب ما أوردته وسيلة إعلامية، أن هناك جزءاً كبيراً يمكن تصنيفه على أنه “ديون بغيضة” وخصوصاً تلك التي كانت متعلقة بشراء أسلحة أو أي عقود واتفاقيات جرت في زمن الحرب، وبالتالي لا يتحمل الشعب السوري مسؤوليتها.

وعلى الرغم من أن هذه الحالة شائعة عالمياً، إلا أنها ليست ملزمة ويحتاج تطبيقها إلى الكثير من التفاهمات السياسية بين المدين والدائن، وهو ما يصعب تحقيقه في حالة روسيا وسوريا بسبب لجوء روسيا إلى حق الفيتو ضد أي قرار يمس مصالحها.

ومن هنا نجد أن قضية ديون سوريا لروسيا، تبقى أداة سياسية تتجاوز الأعراف القانونية، ومسألة التخلص منها تعتمد على موازين القوى الدولية.

هل تستغل روسيا ملف الديون السورية؟

من خلال رؤية ما يجري في سوريا خلال الفترة الأخيرة، وتحليل ردود الأفعال الروسية، يبدو أن روسيا غير مستعدة لشطب الديون بدون مقابل استراتيجي، وكون معظم هذه الديون جاءت بسبب عقود تسليح ودعم عسكري، فإن موسكو تسعى لإعادة تشكيل نفوذها طويل الأمد في سوريا من خلال هذا الملف.

إعادة تشكيل النفوذ

وفق ما صرح به الخبير في مجلس الشؤون الدولي الروسي، ديمتري بريجع، لوسيلة إعلامية، فإن روسيا تعمل حالياً على مسار مفاوضات بهدف إعادة جدولة الديون السورية بحيث تضمن سيطرتها على قطاعات حيوية في سوريا تتمثل بشكل أساسي بملفات الفوسفات والموانئ والطاقة.

ومن هنا نجد، أن كل خطوة تقوم بها روسيا لتخفيض الديون، تحصل في المقابل على امتياز اقتصادي في سوريا، وهكذا تتحول الديون من مجرد التزام مالي إلى ورقة ضغط لتعزيز النفوذ في البلاد.

القواعد العسكرية وملف الديون

عملت روسيا من خلال اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد على تأمين قواعدها في سوريا، وخصوصاً قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، وبالتالي ليس لديها استعداد للتنازل عنها. وفي هذا الصدد، يرى بريجع أن موسكو لن توافق على شطب أي جزء من الدين دون الحصول على ضمانات مكتوبة لاستمرار هذه القواعد وتوسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في البلاد.

الديون الروسية: تشابك بين المصالح المالية والعقود الاستراتيجية

على اعتبار أن الديون السورية لروسيا، هي جزء من مجموعة مصالح استراتيجية معقدة، كانت نتيجتها عقود استثمار طويلة الأمد، متمثلة بتشغيل مرفأ طرطوس وصفقات الفوسفات الضخمة، فإنه من المستحيل أن يكون هناك فصل بين الالتزامات المالية والنفوذ الروسي في سوريا.

وبالتالي لكي تتمكن الحكومة السورية الجديدة من إجراء مفاوضات من أجل ملف الديون، يجب عليها أولاً إعادة النظر في هذه العقود وإثبات إخلال روسيا بالتزاماتها، وهذا ما يجعل الموقف السوري في هذا الملف صعباً ومعقداً.

ما هي الخيارات المطروحة أمام دمشق لتسديد الديون؟

هناك العديد من الخيارات أمام الحكومة السورية الجديدة للتعامل مع ملف الديون الروسية، في مقدمتها الإشارة إلى أن هذه الديون هي “ديون بغيضة” وفي حال التوافق السياسي بين البلدين يجوز عدم سدادها.

أما أحد السيناريوهات الأخرى الأكثر واقعية، فيتمثل في موافقة روسيا على شطب جزء من الديون مقابل الحصول على امتيازات جديدة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية. هذا ويمكن لدمشق أن تكسب الوقت من خلال تعليق سداد الديون ريثما يتم التوصل إلى تسوية شاملة للملف السياسي والاقتصادي مع موسكو.

وفي حال فشل جميع السيناريوهات السابقة، يبقى أمام دمشق حل وحيد، والذي هو إثبات إخلال الجانب الروسي بالتزاماته، مما قد يجبر الجانب الروسي إلى الدخول في مسار تفاوضي على بعض العقود المبرمة.

معوقات قدرة سوريا على سداد الديون

ضمن ملف الديون المعقد، تجد سوريا نفسها أمام العديد من العقبات على الصعيدين الداخلي والخارجي. حيث أنه في مثل هذه المرحلة، يبقى دعم البنك الدولي محدوداً ويتطلب شروط كثيرة، كما أنه لا يمكن استخدام أي تمويل مخصص لإعادة الإعمار في تسوية المطالبات المالية لروسيا، وذلك بهدف منع تحول المساعدات الدولية إلى أداة لتعزيز النفوذ الروسي.

وفيما يخص خيار استخدام الأموال الخاصة لعائلة الأسد المودعة في البنوك الروسية، فإنها فكرة غير واقعية، خصوصاً في ظل عدم وجود أدلة واضحة على وجودها، الأمر الذي يتطلب تعاوناً رسمياً من الجهات القضائية في موسكو، وهو أمر مستبعد في ظل الظروف الحالية.

اقرأ أيضاً: جهود سعودية لتسوية ديون سوريا.. خطوة نحو إعادة الإعمار تنتظر التأكيد

في الختام، تبقى ديون سوريا لروسيا قضية معقدة، فبينما تسعى دمشق للبحث عن حلول، تستغلها موسكو لترسيخ نفوذها الاستراتيجي عبر العقود والامتيازات، ولا يبدو أن التخلص من هذه الأعباء سيكون ممكناً دون تفاهمات دولية كبرى، توازن بين حماية السيادة السورية من جهة، وضمان مصالح القوى الفاعلة من جهة أخرى

رئيس التحرير

رئيس التحرير

محرر وصحفي في اخبار الوطن - alwatannews. يحرص على تغطية أحدث الأحداث بمصداقية واحترافية وفق أعلى المعايير الصحفية.